أدب الرعب والعام

حصن حبٌ – صيد الغزاة

بقلم : عطعوط – اليمن

وجدته أسد رابض واضع رأسه على ذراعيه والدموع تنهمر من عينيه
وجدته أسد رابض واضع رأسه على ذراعيه والدموع تنهمر من عينيه

 
آتى بديعة المخاض و هي تطحن الحب على الرحى ، فوضعت حملها الثالث أنثى ، ذهب نعيم مسرعاً فزف إلى أبيه أسعد البشرى ، أتى أسعد فحمد الله و أثنى و حضن البنت فأذن و كبر ، ثم نظر إلى بديعة فتبسم و تذكر ، فقال : سبق و أن وعدتك أن أطعمك لحم غزال حال أن تضعي أُخت الرجال .

آخذ الرُمح على عجل و اتجه نحو الجبل ، بحث عن الصيد في المروج الخضراء و كنائس الظباء ، فإذا بعراك ضاري يدور بين أسد و أنثى ، أخذ أسعد موضع التخفي و قال في نفسه:

سأنتظر من سينتصر اللبؤة أم الأسد ؟.
كان الضجيج يملئ المكان .

فسمع نفيط ، لمح غزال ينظر من شاهق و هو مستنفر ، أستغل أسعد غفلته فصوب عليه نبلته اخترقت جسده وأسقطته من منصته ، لم يجرؤ أسعد على التقدم لأخذ الغزال ، فرأى أن
الانتظار أحرى من الاستعجال ، سأنتظر نتيجة النزال ، ظهوري يفض العراك و أقترب من الهلاك.

أطبق الأسد بفكية على عُنق الأنثى فبدأت حركة اللبؤة تتراخى  و هي تشخر بشدة ، فلم يدعها إلا بعد أن صارت جثة مرمية ، دخل الأسد كهف كبير ثم خرج و في فمه شبل  بحجم القط الصغير ، فر مسرعاً حتى غاب في منعطف الجبل ، نهضت من مكاني إلى الغزال و وجدت أثار دم ، تتبعت أثره ، أصدر صوت وهو يصارع الموت ، ذبحته و على كتفي حملته ، انتابني الخوف فقد تصحى اللبؤة و تفترسني ، وصلت فالقيت بالغزال على باب البيت ، فها أنا بما وعدت قد أوفيت.

عليك يا نعمان أنت و نعيم بسلخه و طبخه.
بات أسعد في سرور تام  ، تبادل مع بديعة أطراف الكلام .
– يا بديعة إنها أنثى ويقع على عاتقك أن تختاري لها أسم ذا معنى.
– أنظر  يا اسعد ، أنها ذات حسن و جمال ،
يتوجب أن يطابق أسمها وصفها ، سأسميها غزال .
صباحاً عاد أسعد إلى سفح الجبل ، فاشرف على المكان و أطل ، فرأى اللبوة ملقاة في نفس المكان و قد نقرت عينيها الغربان ، سمع حفيف من الكهف فدخل ، فوجد شبل صغير يتخبط و هو في الرمق الأخير.

– ما هذا الذي أرى ؟.
– إنه يبحث عن أُمه كي تمنحه رضعة و لا يعلم أنها قد فارقته إلى غير رجعة.
سأحمله لعلي أرضعه من نعجة أو ناقة فأنال آجره و ثوابه.
فحمله بيده ومشى ، فداس على حية مطوية بقاع الكهف متخفيه بلون الثرى ، قد ابتلعت الشبل الآخر و لم يتبقى سوى ذيله ، على الزحف لم تعد تقوى فلم تحرك ساكن و كأنها حبلى ،
تخطاها و خرج عائداً لمسكنه.

فوضعه في قاع حجرة بديعة ، كان في منتهى الصغر بحجم الفأر و أكبر و لا يقوى على اجتياز الحُفر ، يحدث أصوات متبتلة رقيقة ، تبعث على الشفقة والاستعطاف.
و في نهاية المطاف قالت بديعة:

– لماذا أتيت بهذا الشبل الأصم الأعمى ، فهو لا يسمع و لا يرى ، هل تظن أن تنالنا منه حسنة ؟.
– نعم ، و في كل كبد رطب أجراً.
 
فحمله و ذهب به إلى البقرة فحاول إرضاعه فأبى ، ثم ذهب به إلى الضأن فالناقة دون جدوى ، فأوشك على الهلاك ، أعاده إلى بديعة :
لم يعد يوجد أمل سواك …
خذيه …

– دعني اجرب هل سيرضع مني ؟
فوضعته في حضنها و لقمته حلمة ثديها فمصها و رضع ، و كان حليبها غزير يفيض عن حاجة غزال ، فخصصت ضرع له و ضرع لغزال
فأرضعتهما معاً.

بعد أسبوعين سمع وأبصر ، فبتر أسعد احدى إذنيه كي يألف البشر.
و في الأسبوع السادس ظهره له أسنان و شعر
، و في الشهر السادس بدأ يأكل فُتات اللحم ، و قبل نهاية العام بدأ يصطاد الفئران والحمام ، فلما صاد الدجاج زجرة نعمان فأختفى عن الأعيان ، و كان بحجم الحمل ، حزن الجميع لفقده وعتبوا على نعمان لجلده.
 
في غابر الأزمان..
 
 عاش الشيخ أسعد في قرية تقع على سفح جبل من الجبال الآهلة بالسكان ، تكسو تلاله و الشعاب مروج المراعي والأعشاب وأنواع كثيرة من الأشجار التي تعود على السكان بمنافع ، كالأخشاب و الأحطاب ، تتخلل منحدراته  الأدغال الغائرة  والكهوف ذات الأنفاق والسراديب المظلمة ، تأوي إلى تلك المغارات والكهوف وحوش ضارية  و طيور جارحة و زواحف سامة متعددة  الصنوف .
 
تصل بين سكان الجبل والمدينة والقُرى المجاورة طُرق وعرة لمسافات متباعدة ، على قمته حصن منيع أعجوبة من العجب ، أبوابه فضة و مغالقه ذهب ، يُسمى حصن حبّ ، تعود ملكيته لشيخ  من شيوخ العرب ، إنه شيخ القرية أسعد ، يشع وجهه بنور الإيمان ، اشتهر بالكرم و الجود والإحسان ، له عدد من الحقول وبعض المواشي ، منها جملين يعتمد عليهما في فلاحة الأرض عند هطول الأمطار  و حمل الأثقال و أمور السفر والترحال ، و جمع المحاصيل والثمار ، له زوجة تضاهيه خلق و خُلق ، قوية البنية ، عظيمة الخلقة ، زينتها ذهب ، إنها بديعة . 
 
لهما ولدان ، الأكبر نعيم و الأصغر نعمان ، و بنت واحدة أصغرهما و أحبهما ، إنها  غزال ، قضى و قدر آتى بديعة الآجل  إثر إصابتها برصاصة و هي تقف على المنهل ، تبين فيما بعد أن مصدر الرصاصة ناتج عن حدوث اشتباك بين الأهالي و جنود الغزاة ، خيم الحزن والحسرة على  أسعد و نعيم و نعمان وغزال التي لم تكن قد تجاوزت من عمرها العاشرة  ، تلك الرصاصة التي سكنت الأحشاء و أودت بحياة بريئة على عين الماء .
 
أحس أهالي القرية بما حل بهم من البلاء فأستوطنهم الألم و غزاهم الهم ، دفنوا الجثة تحت الإكام و على أعناقهم حملوا روح الانتقام .
 
مضت الأيام .
 
حرص الشيخ اسعد على تعليم أحد أبنائه فوقع الاختيار على نعمان  ، فذهب به إلى أحد دراويش البلدة فتعلم على يديه القراءة والكتابة و فصاحة الكلام و حُسن الخِطابة ، حمل نعيم على كاهله أمور الزراعة والفلاحة ، تميزت غزال ذات الوجه الوضاح والعيون الصحاح
بالنباهة منذ الصغر ، فكانت تلازم نعمان ملازمة الطير للشجر، فتغريه ببعض المشويات و ما لذ من المأكولات ، و لا تبات إلا بعد أن تحفظ كل ما تعلمهُ نعمان في نهاره من حروف و آيات و أرقام.

أحيان كان يغشى نعمان نسيان بعض الدروس بعد مرور الأيام فتذكرت غزال ما غفل عنه و تاه ، فتاتيه بتفسيره و معناه ، أتم نعمان تعليمه وختم  و أبلغ الدرويش والد نعمان أن يحضر حفل تخريجه و تكريمه ، كان والد نعمان على اطلاع تام بما تقوم به غزال ، بل شعر بتفوقها على نعمان عندما كان يلاحظ نعمان يعود اليها فتذكره بما نساه من معان ، فذهب بغزال إلى الدرويش في منتصف النهار و حكى له ما جرى و صار ، ثم طلب منه أن يجري لغزال اختبار ، اذعن الدرويش رغم ما كان يخالجه من شك و ارتياب ، فأحضر الألواح و المحبرة و ريش النعام ، فكتب على الألواح آيات و عبارات و جُمل و أرقام ، فكانت إجابة غزال  تفوق التمام ، ذُهل الدرويش ففتح الكتاب وأعطاه غزال .

فتلت بعض آياته و قرأت جُل صفحاته ، ثم طلب منها أن تكتب رسالة لعزيز عنها غاب
و طالت غيبته و قُطع خبره ، فكتبت : بعد أن سمت الله فأثنت و حمدت :
إلى من يعز علينا فراقه ليل نهار ، و ترنُ لعودته  عتبات الديار ، إلى من لا يغادر الأذهان خياله ، و لا يبرح الوجدان معزته و دلاله ، إلى من رجفت للُقياه الصدور ، و نُبشت للبحث عنه القبور ، اليك أرسل خطابي ، و منك أرجو جوابي ، إن كان لك نبض حياة ، و حبيب تتمنى لقاه ، الينا شد الرحال ، عُد إن لم يكن عودك محال ،

لم تكاد تُكمل غزال قراءة ما كتبته حتى سُمع زئير أسد أطبق على أسماعهم و رجفت أفئدتهم ، فإذا به يقف على مقربة منهم مصوباً نظره نحوهم ، ثم دار و أثار خلفه الغبار و توارى عن الأنظار ، بعد أن أصيبوا بالرعشة عادت اليهم البسمة ، تبسم الدرويش و تهلل وجه كهلان و عبس وجه نعمان.

أُقيم حفل بهيج حضره الدرويش و طلابه ، و فُتحت أبواب الحصن و زُينت قبابه ، و ذُبحت الذبائح و غلت القدور ، و أُطعم الطعام لكل الحضور ، و اكتمل السرور بتخرج نعمان و غزال و طاف بهم في أرجاء الحصن على ظهور الخيول.

ذات يوم ذهبت غزال لزياره قبر إمها و كانت الشمس على وشك المغيب ، و كلما اقتربت من القبر شاهدت شيء ممتد ملاصق له بلون أصفر ، فظنت أنها صفرة شعاع مغيب الشمس ، فلم وصلت وجدته أسد رابض واضع رأسه على ذراعيه والدموع تنهمر من عينيه ، لا حراك فيه كأنه شبه ميت ، فصرخت و ولت فرار ،  ثم التفتت فرأته قد نهض فنظر نحوها ومشى بتثاقل نحو أحد الشعاب ، فعادت و لم تزر القبر ، تميزت غزال بالكتمان فلم تكن تطلع على سرها إنسان ، و يستحيل أن يخالجها النسيان ، تعلمة ركوب الخيل فكانت خيالة
متفوقة في تصويب النبل في الرماية.

كان أزيز الرصاص الذي يطلقه الغزاة لا يكاد ينقطع عن مسامع الناس ، خشي الأهالي من هجوم الجنود الغزاة المرابطين بالقرب من الجبل  عليهم ، فبنوا التحصينات والمتاريس حول الحصن و على حواف المنعطفات والطرقات المؤدية للجبل ، لم يكونوا قد عرفوا السلاح الناري فكانوا يلقون بالحجارة من حواف الجبل فتقضي على من يحاول الصعود للجبل .

تولى نعمان الأشراف على التجهيزات و توزيع المهام والقيام بأعمال الدوريات ، و كانت غزال تشحذ همم النساء و تحفزهن على صنع الخبز و الغذاء .
 
وقع الجبل و الحصن تحت الحصار من قبل الغزاة الأتراك مدة ثمانية شهور من كل الجهات …ثم عام …
في تلك الأثناء ذهبت غزال لزيارة خالها الساكن في القرية الواقعة أسفل الجبل و التي تطل عليها مواقع الغزاة ، حيث كانوا يأتون اليها بين الحين و الأخر يذلون ساكنيها و ينهبون ممتلكاتهم و يذبحون مواشيهم ، وجدت غزال القرية خالية من الرجال نهاراً ، لا يأتون إلا ليلاً ليأخذوا ما يقتاتون به  و يعودون إلى الجبل خوفاً من بطش الغزاة.

كان خالها يعاني من مرض شديد ، و في المساء حضر أبن خالها رشيد حافي القدمين مكشوف المنكبين ، فرحب بغزال و سهل بمن حضر وحل ، رقت غزال لما هم عليه من حال .

– يا رشيد عليك أن تجمع الرجال و تصعد بهم قمم الجبال و تجمعهم بأخي نعمان ، و سأتولى أنا تدبير أمور النساء و العيال.
 
أطلعت غزال على أحوال النساء و ما يتعرضن له من قبل الغزاة على عين الماء .
 
كانت أمرأة قد أنجبت مولود أصهب ليس فيه أي صفة من صفات العرب و كأنه صفاته إلى الغزاة أقرب .
 
و بعد تعذيبها أقرت بعد أن أجهشت بالبكاء بقيام إثنين من الغزاة باغتصابها في منهل الماء ، و أن ما حدث لها حدث لسائر النساء إلا أنهن يصرين على الإنكار خوفاً من الفضيحة و العار.
 
في الصباح تحركت غزال برفقة بعض النساء للاطلاع على طبيعة مكان عين الماء ، فوجدت العين داخل كهف على حافة شاهق ، ليس له إلا ممر واحد ضيق منحوت في الصخر لا يتسع إلا لمرور شخص واحد ، و في بداية الممر شجرة عملاقة قد تسقط احدى النساء أثناء مرورها و هي تحمل الماء من هذا الممر الضيق فتتردى إلى أسفل الشاهق فتلقى حتفها ، قررت غزال مراقبة منهل الماء و كتمت  هذا الأمر عن سائر النساء ، عادت إلى القرية ثم ما لبثت أن تجهزت بسيف وخنجر  و قلنسوة و مشت متخفية حتى اقتربت ،

فاختارت مغارة في المنحدر في الجهة الأخرى المقابلة للكهف التي توجد بداخله عين الماء ، فدخلت باب المغارة متخفية ، مع اقتراب الشمس من المغيب لمحت أثنين من الغزاة و هما ينزلان من موقعهما القريب بالبنادق مسلحين ، اقتربوا من المنهل ، حينها وصلت ثلاث نساء دخلن المنهل بينما كانت هناك أمرأة في بداية الطريق آتيه من القرية بمفردها ، لمحها الجنديان فظلا قابعان ، خرجت النساء الثلاث من المنهل بعد أن تزودن بالماء عائدات نحو القرية حاملات قرب الماء على رؤوسهن ،

في منتصف الطريق التقين بتلك المرأة و دار بينهن حوار كأنه تحذير من مغبة ذهابها أخر النهار للمنهل بمفردها ، لكن يبدو أنها لم تهتم فواصلت المسير ، دخلت الكهف عبر الممر تحمل دلو الماء ، بعد أن تأكدا من عدم وجود أي نساء آتيه خلفها في الطريق و أنها آخر واردات الماء ، جلس أحدهما على جذع الشجرة بينما تقدم الأخر مسرعاً فدخل الكهف ، حدث صياح من داخل الكهف و يبدو أنها استغاثة ، و لكن دون جدوى فلا مغيث.

 
المكان خالي من المارة ، لا رُعاة  و لا أهالي فقد اقترب المغيب ، خرج أحد الغزاة من المنهل بعد أن قضى وطره و بقيت المرأة داخل الكهف في المنهل ، وعندما وصل إلى صاحبه جلس مكانه بينما الأخر توجه نحو الكهف فدخل و سُمع صياح المرأة ، بعد برهة خرج من المنهل فوصل إلى صاحبه وغادرا المكان الاثنان عائدان نحو موقعهم ، خرجت المرأة تحمل دلو الماء متجهة نحو القرية في حاله يُرثى لها ، كان المشهد قد أنتهى .
 
التفتت غزال فشاهدت أسد رابض على مقربة منها في احد زوايا المغارة و هو ينظر إلى نفس المكان بعناية ، فُزعت فأستلت خنجرها و نهضت فصدمت رأسها بسقف المغارة و أصيبت إصابة شديدة أفقدتها وعيها فأُلقيت عند باب المغارة صريعة.
 
حلمت أثناء غيبوبتها أنها في غابة و أنها تداعب أسد أليف ، فنامت إلى جواره و كأنها تداعبه و تلامس شعره ، عندها فزعت و استيقظت من الغيبوبة فلامست يدها شعر ناعم قبل أن تفتح عينيها…
 
حاورت ذاتها فقالت : يا إلهي إن الأسد يلفني بل يغطيني بذراعيه ، ها هو ينتظر أي حركة مني كي يمزق أشلائي ، هل أطعنه بخنجري ؟ لكن لم يعد الخنجر في يدي.
 
فجأة عطست غزال غصباً عنها ، فقد حاولت كتم أنفاسها دون جدوى ، بعد أن عطست نهض الأسد و تنحى جانباً ، فتحت غزال عينيها فشاهدت الأسد يجلس على باب المغارة ينظر اليها كأنه كلب أليف ينظر إلى صاحبه ، بحثت عن الخنجر فوجدته و الألم يعتصر دماغها ، جلسة على الأرض ، كانت الشمس قد غابت و بدأ الظلام يرخي سدوله ، نظرت إلى  الأسد وجهاً لوجه فالفاصل بينهما لا يتجاوز خطوتين .

و بلا شعور قالت  بعد أن أشارت بيدها نحوه : هيا أذهب في سبيلك ؟.
فنهض و دار و مشى نحو الشعِب الأخر و كأنه أمتثل للأمر.
تنفست غزال الصعداء فوثبت على قدميها و بخطوات بطيئة تحركت و كأنها تتلفت خلفها و تشعر بأن الأسد خلفها فاتح فمه ليلتهمها ، على مسافة غير بعيدة عن المغارة سمعت صهيل  التفاتته فشاهدت حصان واقف و عليه السرج و لم تجد له صاحب ، فظنته شارد ، اقتربت منه فوجدته مطيع ، فركبت عليه متوجهه نحو القرية ، لاحظت فقالت في نفسها : هذا الحصان لا يبالي فهو يعبر الأماكن الوعرة !.

اقتربت من القرية فسمعت نُباح الكلاب و عندما دخلت القرية رأت الكلاب تشرد خارج القرية ، نزلت من ظهر الحصان أمام منزل خالها و أرادت أن تربط الحصان فلما دارت و نظرت إلى وجهه فإذا به أسد ! ارتعبت فتركها و توارى و اختفى ، فإذ برشيد نازل من الجبل ، فاقتاد غزال إلى الدار و سألها عما حدث و صار ؟.

باتت غزال في شر حال ، فرشيد لم يصدق روايتها فكيف لأسد يقتات لحوم البشر أن يقف أمامها مستكفي بالنظر ! حل الصباح فغادر الرجال القرية و صعدوا الجبل ، فذهبت غزال إلى منزل تلك المرأة و هدأت من روعها ، عرفتها غزال بنفسها و أنها من سكان سفح الجبل و قد أتت لزيارة خالها ، سألتها غزال أن تخبرها عما جرى في منهل الماء ؟ فتلعثمت و تغير لونها و قالت : لا شيء ، لا شيء ، و حاولت جاهدة إخفاء الأمر برمته.

فقالت غزال : كنت أسمع و أرى ، لا تخافي لن أخبر عنكِ أحد .
فانهارت و وقعت في حضن غزال باكية شاكية ، فتوسلت و طلبت من غزال أن تسترها و لا تفضحها و أن ما جرى كان غصب عنها و خارج عن إرادتها ، تعهدت لها بكتمان ذلك و طلبت منها أن تشرح لها ما جرى و كان ، قالت و هي ترتجف : أتيت العين متأخرة بمفردي بسبب نفاذ الماء في منزلي ، و قابلت نساء في الطريق عائدات ، و قد حذرنني من الذهاب بمفردي ، لكني تجاهلت كلامهن و هذا كان غلطي ، وصلت العين و بدأت بملأ الدلو ، فدخل أحد الغزاة فجأة فوقفت و صحت و لكنه كتم على فمي و وضع الخنجر على رقبتي و قال : أصمتي و إلا …. ثم أوقعني أرضاً وا….. فعل ما فعل…
– لماذا بقيتي حتى دخل الثاني و لم تخرجي ؟.
– بعد أن نهض قال : أبقي في الوضع الذي أنتِ عليه حتى يأتي صاحبي وإلا أخذناك إلى الموقع للجميع ، فبقيت مغلوبة على أمري.
– هل حدث لكِ ذلك من قبل أو تعلمي ؟.
أجابت : لا  ، أول مرة تحدث لي ، لكن بلغ مسامعي أنه يحدث مع النساء و لم أكن اصدق ذلك.
– من الآن فصاعد كوني حذرة و لا تعودي لمثل هذا ، و لا تخبري أحد بأنك قابلتيني أو حدثتيني بذلك ؟.
أضمرت غزال الانتقام ، فقد تحدد الوقت و طبيعة المكان ، أعدت العدة فارتدت ملابس أبن خالها رشيد و احتزمت بخنجر و جنبية و تلثمت و اتجهت متخفية حتى وصلت قرب منهل الماء ، اقتربت الشمس من المغيب ، فشاهدت الغزاة مقبلين ، فقبعت متخفية داخل نقب في جذع الشجرة الواقعة بداية الممر الضيق و التي يعتلي جذعها أحد الجنود حارساً لصاحبه ، وصلت أمرأة فوقفت في بداية الممر تتلفت و يظهر عليها الخوف .
 
 
فوصل الغزاة الاثنان ، فدخل الأول المنهل بعد المرأة بينما جلس الأخر جوار الشجرة و وجهه نحو الشاهق ، خرجت غزال من خلفه فباشرته بركلة على ظهره  فتردى على وجهه من الشاهق مع سلاحه فلقي حتفه ، خرج صاحبه من الكهف إلى أن وصل إلى المكان الذي كان فيه فلم يجده ، فناداه فلم يجب ، فنظر إلى الأسفل  فلمح شيء من ثياب صاحبه عالق على شجرة ، فظن صاحبه قد سقط فزاد من الانحناء كي يتمكن من النظر ، كانت غزال تقف خلفه فباشرته بركلة أوقعته على وجهه خلف صاحبه ، ثم عادت غزال و اختفت في نفس المكان ، خرجت المرأة بعد أن انتظرت لفترة دخول الأخر فلم يدخل ، فملأت الدلو وغادرت عين الماء عائدة إلى القرية دون أن تعلم بما جرى  .

استدارت غزال من الجهة الأخرى ونزلت إلى أسفل الشاهق بهدف أخذ الذخيرة و البنادق ، و قبل وصولها اليهم شاهدت أسد يجر أحدهما و يصعد به نحو الجبل فخافت ، و بعد أن غاب تقدمت فقامت بحفر حفرة و دفنت الأخر فيها ثم حملت البنادق و الذخيرة و غادرت المكان عائدة إلى بيت خالها في القرية ، قابلت رشيد فأعطته السلاح مع الذخيرة و طلبت منه إيصالها إلى نعمان ليستخدمها في الدفاع عن الحصن ،

ذهب رشيد بالسلاح و بقيت غزال عند خالها المريض ، ترقبت غزال حضور الغزاة إلى القرية حسب عاداتهم لجلب الطعام و لحوم الأغنام ، فاتوا و لكن هذه المرة بكثرة و قد طافوا القرية و فتشوا المنازل ، و رأتهم يتهامسون الحديث مع تلك المرأة ، عرفت غزال أنهم يسألونها عن الجنديين المفقودين ، و كانوا غاضبين عليها أشد الغضب .

بقيت غزال فترة لدى خالها تراقب و تتحرى  ، و تكمن للشراكسة بين الفينة و الأخرى ، فكانت مع الأسد في سباق فلم تصل إلا و قد حمل أحد الجثث و قامت بدفن الثاني و حملت السلاح .

وكان الأسد يعود فينبش الجثث و يجرها إلى مغارته في منحدر الجبل ، تلتقي غزال برشيد و تسلمه السلاح فيصعد به الجبل إلى نعمان .
 
اشتد غضب الغزاة لفقدان زملائهم ، فعاثوا في القرية فساداً و لم يجدوا لهم أثر .
أستمرت غزال في عملياتها بين الحين و الأخر ، و في احدى المرات وصلت غزال فوجدت الأسد قد سبقها و قبع في نفس المكان الذي كانت تقبع فيه ، فخافت ثم انتقلت إلى الجانب الأخر فراقبت ما يجري ، فإذا بالأسد يقوم بنفس ما تقوم به ، فقد انقض على الأول و القاه ثم قبع حتى خرج الأخر فأفترسه و ألقاه ، نزلت غزال فأخذت السلاح حسب المعتاد ،

عجبت أشد العجب من الأسد و أفعاله و كيف أنها لم تعد تشعر بأي خوف إزائه ! كان قد بلغ جُملة البنادق التي وصلت الجبل خمسة و أربعون مع الذخائر ، و هو عدد الغزاة الذي تم صيدهم من قبل غزال و الأسد ، فقد كان الأسد شريك غزال ، الجثث للأسد و السلاح لغزال ، كانت غزال هي من دل الأسد على الصيد ، في الطرقات يكمن لهم و ينقض عليهم ثم يجر أشلائهم ، فتأتي غزال لأخذ سلاحهم.

في احدى الليال بعد أن تعافى خالها ، صعدت غزال إلى الجبل مع رشيد فوجدت الرجال يحملون السلاح و يتدربون على استخدامه ، فاستقبلوا غزال بالترحاب ترتسم على وجوههم الابتسامة ، اجتمعوا حولها لتشرح لهم بطولاتها و كيف استولت على الأسلحة و تمكنت من إحضارها.

أخبرت غزال والدها بقصة الأسد و كيف أنه لم يعترضها و كان يعاضدها في افتراس الجنود معها ، طلب منها أن تصف له شكله ؟ فأخبرته بأن له أذن مبتورة ، عندها قال : أعلمي أنني في أحد الكهوف رأيت شبل أسد صغير  فأحضرته إلى البيت ، و قد حاولنا أن نرضعه لبن بقر و نعاج و إبل فأبى و كاد أن يهلك ، و كانت أمك مرضع فيك و كان الشبل في منتهى الصغر ، فوضعته أمك في حضنها و لقمته حلمة ثديها فمصها و رضع ، و كان حليب أمك غزير يفيض عن حاجتك ، فخصصت ضرع له و ضرع لكِ ، فأرضعتكم معاً لمدة عام ، بعدها اختفى و كان بحجم الحمل ، فهل يكن هو هذا الأسد الهُمام ؟ .

– لا بد لي من رؤيته حتى أقف على خبره.

وصل مدد إلى الغزاة فهاجموا الجبل قاصدين الاستيلاء على الحصن ، فتقدموا وعند وصولهم منتصف منحدر الجبل شاهدوا بقايا ملابس زملائهم و أشلائهم متناثرة عند باب المغارة بشكل مخيف و مرعب ، و في زوايا المغارة عدة سراديب تنبعث منها روائح نتنة ، و جماجم الجنود حول المغارة متناثرة ، فلما راوا ذلك هالهم المنظر فعادوا من حيث أتوا و ولوا فراراً منهزمين.

أشتد الحصار و أوشكا بعض متطلبات السكان على النفاذ ، فتحرك نعيم على رأس قافلة مكونة من ستة جمال باتجاه المدينة بغرض جلب مواد إغاثية كإنقاذ ، و أثناء مسيره في الطريق هجم الغزاة عليه و استولوا على الجمال و قيدوا  نعيم بالأغلال و تركوه خلف إحدى التلال ، كان لنعيم كلب ضروس لا يأكل من الصيد سوى الرؤوس ، عاد إلى الحصن بمفرده حاملاً نعل نعيم في فمه ، فتحرك نعمان و رشيد خلفه ، أوصلهم إلى موضعه ، حرروه من القيود وتتبعوا القافلة حتى تعود.

و كان الغزاة قد حملوا على الجمال ذخائر و سلاح للتموين  فوقعت في الكمين ، وغيروا مسارها حتى أوصلوها سفح الجبل واستولوا على الذخائر والسلاح فزاد ذلك من قوتهم في الدفاع عن الحصن و الكفاح.
ذات يوم وصل إلى أسعد أحد الرُعاة و هو يبكي أشد البكاء ، و في يده بندقية ملطخة بالدماء.
فسألة : لمن هذه البندق ومن أين أتى؟.

فأجاب: وجدت هذه البندق موضوعة على قبر المرحومة بديعة و فيها أثار دم ندي ، أخذتها بيدي أتفحصها ، فوصل راعي أغنام عجلان فحاول أخذها من يدي ، شدها نحوه بشدة فانطلقت منها رصاصة أصابته  فخر ميت من ساعته.

أخذ أسعد البندقية و أصطحب الراعي إلى موضع القبر فوجد الأخر جثة هامدة بعد أن اخترقته الرصاصة أحشائه  ، استغرب اسعد  و تسأل ، فجمع الأهالي و أطلعهم على رواية الراعي ، فأجمعوا على دفن الجثة واحتجاز الراعي حتى تنجلي الصورة عن مدى صدقه.

في نهار اليوم التالي ذهب اسعد بصحبة عجلان  ليطلعه على موضع مقتل راعي أغنامه ، و عند وصولهم كانت المفاجأة ، لقد شاهدوا بندقية أخرى موضوعة على قبر بديعة و عليها قطرات دِماء ، تبادل الشيخان النظرات و تسألا فيما بينهما و كلاهما يطلب من الأخر بعض الإيضاحات ، استقر رأيهم على مراقبة القبر و حراسته ، بات أسعد في قبو المقبرة ، مع حلول الفجر شاهد الأسد و هو قادم معلقاً بين فكيه بندقية ، وصل فوضع السلاح على قبر بديعة ، عرف أسعد الأسد المبتورة إذنه ، و هم بالظهور له إلا أنه خشي أن يبطش به ، أخبر اسعد غزال بماء جرى وكان و أن الأسد أخوها من الرضاعة و يشاركها الانتقام.

شاع خبر الأسد و ذاع في الحصون والقلاع فأطلقوا عليه لقب صياد الغزاة ، نما إلى مسامع الجنود خبره  فتحروا و تأكدوا من موضع مغارته ، فاتخذوا مزيد من الحيطة والحذر ، فامتنعوا عن التجول في الوادي صباحاً و مساءً ، كما امتنعوا من الاقتراب من منهل الماء ، عُقد قران غزال على رشيد و أُقيم حفل زفاف و أُلقيت الأغاني و الأناشيد ، و في المساء شاهد المحتفلون الأسد حاملاً بين فكيه ظبي ، فوصل  و ألقاه على عتبة الباب  ، و كان اسعد واقف فاستل سكين فذكاه و ذبحه ، فقال : هذه هدية الأسد إلى أخته غزال ،  كُلوه حلال زلال.
 
كان شعور غزال لا يُضاهى عندما أخبرها أباها … بأن الأسد أخاها.
انتشر خبر غزال في البلد بأن أخاها أسد ، أستمر الأسد يأتيهم بالسلاح بين الحين و الأخر ، بعد فترة أنقطع أثره وضاع خبره ، قلقت غزال فسألت نعيم و نعمان و أباها  فلم يأتها أحد ببيان .
 
أعدت العدة و الزاد و أدوات الاستطباب بعناية و قررت زيارة الأسد في المغارة ، وصلت إليه في الضُحى فوجدته داخل المغارة على ظهرة مُسجى يغشاه أنين و تنزف من فخذه الدماء
، فأطعمته اللحم و أسقته الماء و وضعت على جرح الرصاصة المراهم والدواء و باتت معه في المغارة عدة ليال ، فساء به الحال بعد أن نزف دمه و أقترب أجله ، فمات متأثراً بجراحه ، بكته غزال و حزنت لفراقه و قامت بنقل جثمانه على ظهر بعير و دفنته إلى جوار من أرضعته و نصبت تذكار على قبره منحوت عليه عبارة ( صياد الغزاة ) شارك معظم الأهالي في تشيعه و دفنه و تعهدوا بالانتقام له و الأخذ بثأره .

استمر الغزاة في حصار الحصن ، لكن الحصن اضحى منطلق و مستقر للثائرين تنطلق منه الغزوات في كل الاتجاهات ، حتى عُقد صلح بين الطرفين ، و بموجبه ذهب شيخ الحصن إلى حاكم الغزاة لمقابلته و لكنه تم اغتياله عند باب الخيمة قبل دخوله ، إلا انهم لم يتمكنوا من دخول الحصن و غادروا البلاد  1911 م و لم يدخلوه .

حظيت غزال بمكانة مرموقة و تناقل سيرتها الأبناء عن الأباء ، فكانت مثال يُحتذى و قدوة تُقتدى ، خلفت ثلاثة أبناء ، حمير و ياسر و سالم ، نصروا الإسلام و رفعوا الأعلام و بددوا الظلام .

تاريخ النشر : 2021-02-06

الفهد

اليمن . للتواصل مع الكاتب : [email protected]

مقالات ذات صلة

اشتراك
اشعار
guest
ضع بريدك اذا اردت استلام اشعار بالنشر

19 Comments
Inline Feedbacks
شاهد جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى
19
0
التعليق مفتوح للجميع .. رجاءا اسمعنا رأيكx
()
x

أنت تستخدم إضافة Adblock

مرحباً .. يبدوا أنّك تستخدم مانع إعلانات ، نرجوا من حضرتك إيقاف تفعيله و إعادة تحديث الصفحة لمتابعة تصفّح الموقع ، لأن الإعلانات هي المدخل المادي الوحيد الضئيل لنا ، وهو ما يساعد على استمرارنا . شكراً لتفهمك