أدب الرعب والعام

دعنا على الحافة

بقلم :البراء – مصر

لا شيء يتغير. يعلمان هذا. التاريخ يغير الأثواب وجسده كما هو. لا يشيب ولا يصغر. الألوان باهتة، لكن الحكاية واحدة. الأصوات بعيدة، لكنها تدندن بذات اللحن. الجراح غائرة، لكنها تفيض بذات القيح.
يسأل هداية بعد أن ارتكنا إلى الشاطئ الفارغ:

   – أكنا هنا ذات يوم؟
   تقول وقد لمع جبينها تحت ضوء القمر:
   – لو لم نكن فهانحن ذا.
   – تؤمنين بالقدر؟
   – ولا شيء سواه.
   – القدر ساقني إلى حبك.
    وساقني إلى أماكن أخرى. أتعرف الرابط؟ إنه العبث!
    يزفر بضيق:
   – شيء لا أتحمله.

    لا ترد. يواصل محاولة حثها على الكلام، على الإدلاء بما يثور بداخلها من مشاعر:
   – السؤال، الأعجوبة والأحجية، كيف تقبلين بي في السرير، ولا تقبلين بي في منزلنا سوياً! تقبلين العبور وترفضين الحب!
    تسأله دون أن تحرك عينيها نحوه:
   – وأنت حبيب؟
   – أحسب نفسي ذلك! رجل قضيتِ معه طفولة ومراهقة ونضج! كيف لا يعشق كل جزء منكِ وقد بات في مساكن حبك حتى ثمل ومات وأُعيد أحياؤه!
    تنظر للأعلى وتقول:
   – القمر جميل من بعيد.
    يقبض على حفنة من الرمال بقوة، وكأنما يعاقب الرمال على غضبه. هداية عابثة. هداية مجنونة!
   – الثأر من العجز، ذاك ما أحلم به حقاً!
   – تحلم بالثأر من نفسك، أم مني؟
   – ليس من أحدنا، بل من الظروف.
   – أي ظروف؟
   – الظروف التي غيرت هداية!

    تزدرد لعابها ثم تلوح برقبتها لتتابع أفق البحر في هدوء خلاب. نظراتها الساهمة تقتله. تتلقفه حياً وترميه لا شيء.
   – وأنت أيضاً، ثمة ما اغتالك.
يسهم ولا يجيب. راح يذكر أيامهما سوياً. من الصغر وحتى الكبر. محطات كثيرة. الطفولة كانت جميلة، لكنها تلقائية أكثر مما يجب، ولا شيء محبب لنفسه بها. وأكبر ذكراه عنا هو إتيانها له باكية من أن خالها ضربها ثم أرضاها بإعطاء الحلوى لها، لكنها ليست راضية بالكامل عنه. وكان ذلك أول شرخ يراه في مرآتها الخلابة.

المراهقة عذاب، وأولى علامات نصرة القلب على الوعي والفكر. أول كلمة -أحبك- لم ينطق بها، وأول خفقة قلب قوية أخفاها. ضعيفا كان. لم يملك الشجاعة للاعتراف بما كان يجب أن يُقال. أما هي فكانت شجاعة. كانت أقوى ولا تخاف النطق بكلمة -أحبك- لمرزوق الصياد، جلاب المشاكل الذي يكرهه أكثر من كوهين، جاره اليهودي. في تلك الفترة -المراهقة- كانت تحكي له عن عالمها الخاص وكيف أنه يتمحور حول مرزوق الصياد، وحينها يدرك ما تبدى له بعدها كثيراً، وهو أنها إذا كانت شجاعة، فهي حمقاء، لأنها أثناء ذلك لا ترى لمعان عينيه حين يراها، ولا تشعر برجفة جسده حينما يتلامسان عرضاً أو قصداً. هداية غبية!

ثمة فترة غامضة في المراهقة، حيث سافرت إلى كندا مع والديها في أجازة على طراز الأثرياء. قبلها كانت شغوفة، مرحة، ومليئة بالنضارة والحيوية. بعدها فقدت شيئاً، وحينما عادت تيقن من هذا. علامات كثيرة رمت له ذلك. أولها الصوت وحماس الحديث الغائب والحاضر بقوة فيما سبق. يوماً قبل أن تسافر كانت الكلمات تهرب منها ولا تلتفت إليها، أياماً بعد عودتها ويراها هي الهاربة من الكلمات.
يحييها فتجيب بكلمة وحيدة يتحسر وهو يقارنها بردود التحايا السابقة، لما كانت تردها بكلمات وابتسامات وضحكات. يسألها عن أحد الدروس وأنه لا يفهمها فتجيبه أنها مثله، ومن جديد تهزه ذكريات قديمة عن مبادرتها بشرح ما عصا عليه فهمه. تعز عليه تلك الأيام حقاً.

في الشباب وأثناء الجامعة لم يعد يعرفها. لها هربات غريبة من مجالسهما ومجالس شلة الأصدقاء. اتصال يأتيها فتنسحب بهدوء. غيمة على شكل سيارة سوداء أنيقة تأتي فتسحبها معها وتمضي لتمطرها في مكان ما.
كان ذلك قبل يناير، قبل الثورة. لم يفهم وقتها أنها ربما تكون من المناضلين الأحرار الذين يوجدون في كل زمن وكل مكان. الحمقى الذين يثورون على كل ما يمكن الثورة عليه.

مع انتهاء الجامعة كانت قد تقطعت خيوط اتصالهما الواهية، ولم يعد يبقى منها إلا خيط واحد اسمه الزمالة القديمة، لكن خيطاً أقوى كان يربطه هو، وهو فقط بها، واسمه التوق أو الحب. خيط غليظ لا يقوى على قطعه لأنه أضعف من أن يفعل.
حاول الاتصال بها لكن صده حائط مجهول عن اللقيا، وما كان سوى أن مرت أيام طويلة قبل أن يدرك أنها ذهبت مع الذاهبين إلى مكانف الاعتقال. وتهب رياح الثورة، فتفتح الميادين والأبواب، ويهرب المظلومين والظالمين، الأولون من الزنازين إلى بلدهم والحرية، والثوان من بلدهم إلى الخارج والحرية.

ثار البحر وهاجت العواصف، وما بعد الثوران والهيجان إلا الهدوء والسكون، وسكوناً هادئاً هو ما كان ينتظره كي يسأل عنها مجدداً، إلا أنه لم يهتدِ إلى مكان. هام ما هام وتفجرت ينابيع اليأس بداخله، حتى كان أن رآها في الحافلة بعد سنوات من الغياب والأشواق. لا يخطئها. إنها هي. الحفرة في منتصف الذقن. الأنف الحاد. الشامة جانب الجبهة. تلك هداية!

وقتها حدث نفسه فقال لا بد من أن الثورة مرت عليها قرون، وذاك فعل الحنين الذي قلب العقد الوحيد إلى قرون. اضطرب قلبه حينما جلس جانبها وطالعته بصمت بسيط. آمل أن تبادره الحديث لكنها اكتفت بالتحديق به لثوان قبل أن تحيد بنظرها من النافذة. دار بينهما حوار آنذاك، قبل أن تخبره أنها عائدة لشقتها بالمعادي، وأنه يجب عليها زيارتها في وقت ما. أخبرها في وسط زحام وضوضاء الحافلة أنه يحبها لكنها لم تتجاوب معه، فاقترب وهمس بذلك في أذنها، فكان أن أطبقت على يده بقوة وقد بدا واضحا أنها تقاوم رغبة هائلة في ذرف الدموع. كانت تتألم وأيقن من ذلك.
لم يفترقا يومها إلا وقد أوصلها لشقتها بنفسه، وفي ذلك خبث منه بأن يعرف مكان سكنها بالضبط على ذريعة أن يريد الاطمئنان عليها بعد بدو ضعفها وسوء حالها في الحافلة. بعد ذلك توالت لقائتهما حتى قادتهما إلى مكانهما البائس ذاك، والذي وجدا فيه أُلفة.

تعيده إلى الشاطئ وإلى صوت الأمواج ورائحة البحر، فتقول له:

  –  أشفق عليك من جديد.
    بسخرية لاذعة يرد:
  –  وقد يساورني ذات الشعور.
  –  لا تعرفني وأعرفك.
  –  احكي لي. كيف تغيرتِ؟
  –  فقدت عذريتي للمرة الأولى مع خالي قبل أن يعطيني الحلوى.
    ضربة في الرأس، هكذا تلقى كلماتها. تكمل بدء اندهاشه:
  –  فقدتها للمرة الثانية مع مرزوق الصياد الذي كنتَ تبغض. هفوة مراهقين على ما أعتقد.
    يشعر بانسحاق ما بين ضلوعه. هوة عميقة في عقله، وسقوط حر لأفكاره.
  –  الثالثة في كندا. قصة حب جديدة بعد الاستيقاظ من حلم مرزوق الصياد، وحرق جديد بداخلي. ظننت أني امرأة قوية، وأني سأتحمل البُعد عن قصة حب مؤقتة دامت لأربعة أشهر، لكني رأيت نفسي أتحطم. أهوى إلى أعماق باردة، ومظلمة. حاولت التجاوز لكني لم أقدر على ذلك. أما الذي كسرني حقاً، الذي أحدث فوضى عارمة في وجداني وماهيتي، هي تلك المرة في الزنزانة، وما تلاها من مرات. أترى؟ بدأ العالم يصغر شيئاً فشيئاً في نظري، وبدأت لا أرى إلا ما يبقيني حية أتنفس. ذاك ما فعلته الاغتصابات المتكررة بي، ذاك ما يفعله القدر بك. يجعلك ترى الأمور من منظور جديد.

يصمت وقد أكلته كلماتها فلم يتبق منه إلا أذن وعين وربع عقل واعٍ. لكنها كانت قاسية، أردات لكلماتها أن تلتهمه تماماً حتى لا يبقى منه ما يحن لها.

– بعد الثورة، وحينما خرجت، أدركت بالفعل ما سأكونه. هائمة في أرض صغيرة بلا قلب وبلا روح. عند نقطة ما، تلاقت نزواتنا، فلبيتها، أما إلى ما هو أكثر من ذلك فليس هناك سبيل. أنت تحادث حطام امرأة تسير في عقدها الثالث وكأنها تسير إلى القبر، وأنا أحادث حطام رجل ظل يبحث عن حبه الضائع حتى فقد كل المشاعر الأخرى. كلانا معذب فلا تعقّد العذاب بزواج أخرق، ونهاية لا تسر. دعنا هكذا على الحافة.

تنهي كلماتها قبل أن تهب الرياح عليهما بقوة. ينكص بحزن وقد أمسك الدموع عن مجراها بينما تضمه إليها وقد تركت رأسها ترتكن على رأسه.

تمت بحمد الله.

مقالات ذات صلة

اشتراك
اشعار
guest
ضع بريدك اذا اردت استلام اشعار بالنشر
38 Comments
Inline Feedbacks
شاهد جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى
38
0
التعليق مفتوح للجميع .. رجاءا اسمعنا رأيكx
()
x