منوعات

رسالة من الماضي القريب.. شكرا كورونا!

بقلم : مازن – تونس

مزحة ثقيلة منذ البداية أعتذر منكم عليها
مزحة ثقيلة منذ البداية أعتذر منكم عليها

“مرحبا، أستغل ما تبقى لي من الحبر في كتابة هذه الرسالة. إن كانت حقا بين يديك فإني سعيد جدا بهذا الأمر لأنني بصدد كتابتها بكل يأس، بل أكاد أكتبها لنفسي فقط. لا أدري إن كان سيقرأها أحد ما، أيّ أحد، لا أدري أصلا إن كانت ستصل شخصا من بعدي.. هذا إن لم تُحرق في إطار الحد اليائس من انتشار ذاك القاتل الصامت الذي أنهى الحرب علينا بنجاح منذ وقت طويل! المهم، إنني أكتب لكم من عام 2021 وهو دون شك يبدو ماضيا ليس بالبعيد بالنسبة إليكم، لست متأكدا تماما من اليوم أو حتى الشهر، فقد بان مدى عجزي عن تحديد موقعي في الحياة دون الشبكة الافتراضية التي قطعت منذ أشهر وأعتقد أنني في طريقي للحاق بالمليارات من البشر ممن عاشوا نفس عزلتي وخسروا حياتهم بطريقة مأساوية.. بعد أن أدركوا الدرس لكن بعد فوات الأوان.”

حسنا.. مزحة ثقيلة منذ البداية أعتذر منكم عليها!.. إنّها ثمرة خيال خصب مني حول ما قد يفعله شخص ما وحيد يائس، بعد أن تسوء الأمور في الأشهر القادمة، في آخر لحظات معركته مع فيروس كورونا المستجد أو كوفيد 19 والذي لا يمكن أن تكون لم تسمع به إلا لو كنت تعيش تحت صخرة ما، فهو حديث كل دولة في العالم دون استثناء. ذاك الكائن الذي يستهدف بالأساس رئتي الإنسان والذي ينتقل بسهولة من شخص إلى شخص عن طريق العدوى، كما أنّه يشهد ارتفاعا كبيرا في نسق انتشاره حيث استغرق تسجيل أول مئة ألف حالة إصابة مؤكدة حول العالم حوالي 11 يوما، ومئة الألف الثانية 6 أيام، قبل أن يتم تسجيل مئتي ألف إصابة جديدة في فترة أقل والعدد يصعد الآن ومنذ ذلك بنسق جنوني وبشكل يومي. لا داعي للإطالة كثيرا في قسم التعريف، فقد وردت أيضا معلومات عن هذا الفيروس في مقال سابق بهذا الموقع الرائع الذي مر زمن لا بأس به منذ نشر مشاركتي الأخيرة فيه.

طبعا ما من شيء قد يجعلنا نحس بالحزن والأسف أكثر من حقيقة أنّ هذا الفيروس سريع الانتشار يحصد مئات الأرواح يوميا، لكن الصدمات المتتالية التي يسببها للناس حول العالم جعله أيضا محل نقمة من الكثيرين لعلي أبرزهم إذا تحدثنا عن محبي كرة القدم الذين انتهى الموسم الكروي بالنسبة إليهم أو الطلاب الذين قد يخسرون عطلة صيفهم أو ربما عاما كاملا من حياتهم. فلا دراسة بعد اليوم ولا حرية في التنقل مثل أمس، اقتصاد عالمي يسير نحو الهاوية بسرعة قياسية ولكم أن تتخيلوا أيضا لا جلسات في المقهى مع رفاق لك.. ولا حتى بعض المشي حول المنزل كما جرت العادة والقائمة تطول.

انقلاب رهيب وصادم بالفعل جعلنا نعيش أيام ما كنا نتخيل أننا قد نعيشها إلا في الأفلام أو عند نهاية العالم! كل هذا في لمحة بصر، بل في سرعة قياسية لم يتوقعها أحد. من المؤكد أن كلّ منكم يشعر بالصدمة حيال هذا التطور السريع الذي يزداد تعقيدا والذي قد نخسر خلاله مؤقتا المزيد من الأشياء التي بدت لنا منذ شهر فقط أمورا مفروغة منها.. وربما ما هو أغلى بكثير من ذلك أيضا.

لكن، قبل أن تحزن على فقدان أي شيء من هذه الأشياء، وقبل أن تبكي حتى على وفاة ما يقارب الآلاف من الناس منذ بداية الأزمة وحتى اليوم ، دعونا نفكر مجددا حول الطريقة الصحيحة لمواجهة هذا الفيروس. لا، لست أعني الطريقة الصحية لإيقافه وكل ما يتبع ذلك، بل طريقة تعاملك معه كشخص بمفردك، ردة فعلك وموقفك منه بينك وبين نفسك كإنسان يعيش فترة سوف تُذكر كلما تم ذكر هذا الجيل. ماذا لو رأينا الجانب المشرق من هذا الفيروس؟ ماذا لو نظرنا إليه بطريقة أخرى؟ قد تظن أنّ هذا الكلام لن يصدر إلا عن إنسان مجنون يستمتع برؤية العالم يتفتت، لكنه قد يكون على العكس من ذلك تماما. فإسمح لي بمحاولة تعديل إنطباعك السريع عني من خلال السطور القادمة.

أسطورة القرية الصغيرة.. لا مهرب من الانهيار

blank

“أدركنا الآن كم كنا واهمين. أو لعلنا حجبنا الرؤية عن أنفسنا أملا في استمرار هذا الرخاء طويلا أو في إرضاء جشعنا وأنانيتنا التي لا تشبع. لا أريد التوغل كثيرا في هذا الموضوع لأن الحبر قد يجف قريبا كما أخبرتكم في أول الرسالة ولأني أملك أمورا أكثر أهمية لإخباركم بها. نعم، الحبر الذي لم يرضِ نزواتنا ونرجسيتنا كوحوش استهلاك استساغت الرفاهية المفرطة وسارت في طريق مظلم غدر بنا بسرعة وكانت نهايته أقرب مما توقعنا.. وها هو الحبر نفسه يشيح بوجهه عنا اليوم.”

قد يبدو الاقتصاد العالمي متماسكا بجبروته وعظمته وقوته التي يستمدها من كونه عالميا مترابطا بين الدول القوية التي لا تقهر كما يقال، ومثلما يكون سريعا في التبادل الدولي للسلع والخدمات فإنه سيثبت سرعته الجبارة في الانهيار أيضا في قادم الأيام. لن أتحدث عن أسباب الانهيار لأني وبكل بساطة لست هنا لمناقشة مكامن ضعف الاقتصاد أو لتحليل الأزمة التي لا أفهمها، لكن للفت الانتباه أنّه ومثلما رأينا، مجرد حصول أزمة محلية عند شيوخ هذه القرية الصغيرة قد يتسبب بخسائر كبيرة وركود عالمي، وأنّه من المهم أيضا معرفة أنّ استمرار هذا الركود لفترة أطول سيجعل من الأمر حتما أزمة حقيقية لم يشهد العالم مثلها منذ سنة 1929، قد يفوق ضحاياها من الجوع فقط ضحايا الفيروس عشرات المرات.

نعم عزيزي القارئ، بهذه السهولة، إذا أردت حبس الناس حول العالم في بيوتهم لمدة أشهر متواصلة أو كنت لا ترغب في أن يحصل فريق ليفربول الإنجليزي على بطولة الدوري التي اقترب من الحصول عليها بعد انتظار دام أكثر من ثلاثين عاما (بصراحة هذا أنا)، فاجعل صينيا يتناول خفاشا في مطعم.

ما قد يجعلنا نشكر الكورونا هو منحها لنا دقيقة تفكير بكونها تجربة مصغرة تكشف لنا عن مدى هشاشة هذا الاقتصاد العالمي الذي أوصل العالم إلى مرحلة يكثر فيها الإنتاج بطريقة رهيبة ويقع الاعتماد عليه بشكل متعصب وتصبح الرفاهية أساسا من أساسيات الحياة وجزءًا لا يتجزأ من حياتنا اليومية، قد نصاب بالجنون لمجرد ظهور خطر يهددها كأزمة الكورونا مثلا والتي أظهرت لنا وجها آخر للعالم من خلال حوادث التكالب على البضائع وحالات الهلع الجماعية وكذلك ضعف الدول على إدارة أمورها الداخلية في هكذا أزمات مع سهولة انخراطها في حروب باردة بين بعضها البعض، وهذا الذعر منطقي للغاية في الحقيقة طالما أنّ هذا النظام العالمي الذي نعتمد عليه بشدة في حياتنا اليومية قد لا يبدو قادرا في النهاية حتى على حماية نفسه، بل هو أسرع في تصدير الأزمات من تصدير الخيرات.

blank

باختصار، إذا ما نجح هذا الكائن الذي لا يرى بالعين المجردة في تعطيل عالمنا بسهولة، فما الذي قد يحصل أمام أزمات أصعب ووشيكة، سببها بالطبع هذا النظام الاقتصادي نفسه، من قبيل نفاذ الماء أو الطاقات غير المتجددة مثل النفط وارتفاع كلفة استخراجها وبالتالي تعطّل الإنتاج تماما؟ أو الانفجار الكبير في عدد سكان الكوكب وهو ما لا مفر منه؟ أو المشاكل التي قد تنتج عن التغيرات المناخية؟ ومن يتابع هذه المواضيع قد يدرك خطر “انهيار حضارتنا الصناعية” التي سينهار بانهيارها العالم وما يحدث اليوم بسبب الفيروس من فوضى فقط بسبب عدم توفر بعض الخدمات البسيطة، هو لا شيء مقارنة بما قد يحدث لو تحوّل واحد فقط من السيناريوهات التي ذكرتها إلى حقيقة. فمثلا كشرح بسيط، تجد أننا نستهلك كثيرا اعتمادا على المعلبات والبضائع المنقولة والفضاءات التجارية الكبيرة التي تعمل وفق هذا النظام، ونعيش في مدن وعمارات مكتظة بحيث يكون أيّ انقطاع في تزويد هذه الفضاءات، الذي قد يحدث بسبب نفاذ الوقود الذي سينتهي بنفاذ النفط مثلا، سببا يجعلنا نتحول إلى آكلي لحوم بشر. لا عجب أن نفعل ذلك من أجل الطعام، ونحن الذين نحوّل المتاجر إلى ساحات معارك بسبب خصم عشرين في المئة في سعر تلفاز آخر صيحة.

طبعا صار من الصعب عليّ إخفاء ميولاتي الفكرية حتى هذه النقطة، فأنا شخصيا لا أستبعد أن أحتفل بأزمة مثل أزمة الكورونا التي تسببت الى حد الآن في تقليص نسبة التلوث البيئي حول العالم إلى أكثر من النصف بعد تراجع عمل المصانع، وانخفاض نسب الاستهلاك المفرط بسبب نقص الحركة، والتي قد تتسبب أيضا في إنهاء معاناة الملايين حول العالم ممن يتم شرب عرقهم من قبل ملاك وسائل الإنتاج المجنون والحيوانات البريئة التي يتم سلخ جلد المئات منها حية من أجل صنع سترة جميلة واحدة، أو حتى إيقاظنا نحن المنومون مغناطيسا من سباتنا العميق. لكن لحظة، إني أحمق لو فكّرت بأنّ الأمر قد يكون بهذه السهولة! فأنا لست أقول بأنّنا سوف نستفيد من أزمة فايروس من خلال تغيير أو إنهاء طبيعة هذا النظام الصناعي، فالأخير لا يمكن استبداله أو سحبه بهذه السرعة من عالمنا، وقد يكون التغيير صعبا فعلا وكل الفرضيات التي ذكرتها منذ قليل باتت مستحيلة التجنب، فهي بصدد الحدوث والتقدم بالفعل. لكن دعوتي لك هي أن تنجح كإنسان في التحكّم بنفسك خلال هذه الأزمات التي باتت محتمة علينا غاية الحد الفعلي منها أو أن تتوقّع كوارث مماثلة لها.. هذا في حد ذاته قد يغيّر الكثير ويخلق مسلك نجاة غير متوقع بل وعظيم.

سقوط الأقنعة.. كيف يمكنني أن أنجو وقت الأزمة ؟

“في بداية انتشار الفيروس، لاحظنا هستيريا بين الناس وتسابقا جنونيا نحو الحصول على البضائع التي كانت مهددة بالنفاد. في الواقع، لم تكن البضائع تسير حقا نحو النفاد على الأقل حتى تلك الفترة، لكن الخوف الهستيري ساهم دون شك في تحويل ما كان مجرد مخاوف في البداية إلى حقيقة وسط تخبط الحكومات. كان كل منا ينظر إلى نفسه، لم نكن متحدين ولم نفكّر في أنّ النجاة تحتم علينا التعاون.. كان من المفترض أن تساعدنا الأزمة على إدراك مدى أهمية اعتمادنا على بعضنا البعض، لكن دون جدوى.”

blank

في الحقيقة، من الطبيعي أن تكون ضحية ذعر اجتماعي (Social Panic) أو ما يفسّر بكونه ردة الفعل السلبية أو غير المنطقية للجماعة للتغيرات المفاجئة في وضع اجتماعي طارئ قد يتمثل في خطر مداهم أو في غياب حلول جاهزة لمشكل ما، ويتبعه تغيّر صادم في سلوكات الناس نظرا للضغط الكبير الذي يواجهونه أو التحول السريع من وضعية، الرفاه المطلق مثلا، إلى وضعية أخرى، العودة إلى البدائية. على سبيل المثال ومما يحصل في أيامنا هذه من الأزمة، المعارك التي تدور حاليا في معظم الفضاءات التجارية حول العالم خصوصا في الدول المتقدمة، بإمكانكم رؤية بعض المقاطع الصادمة على الإنترنت لأناس من جميع الأعمار والأجناس والطبقات يتلاكمون حرفيا في مباراة مصارعة جماعية جائزتها الوحيدة أو لقب البطولة فيها هي علبة مناديل ورقية للمرحاض، هي الأخيرة بينهم بعد أن ملأ كل واحد منهم أكياسه بالعشرات منها. حيث تتحول غريزة البقاء هذه إلى أنانية مفرطة نظرا لتفكير كل فرد في حماية نفسه فقط وعدم ثقته في من حوله.. طبعا وهو الذي كان متعودا على الحرية المطلقة وعلى وصول كل شيء يطلبه إلى يده. لكن، هل هذه هي الطريقة الصحيحة فعلا لحماية نفسك من الخطر؟

“لقد ولدنا للعمل مع بعض مثل القدمين، اليدين والعينين، مثل صفّي الأسنان العلوي والسفلي.. أن نعيق بعضنا البعض هو الأمر غير الطبيعي.” – ماركوس أوريليوس – وهو الفيلسوف الرواقي والإمبراطور الروماني السادس عشر الذي تحمّل عديد المشاق خلال فترة حكمه في القرن الثاني ميلادي أبرزها انتشار وباء في الإمبراطورية أودى بحياة 5 ملايين شخص. ضمن كتاباته الرواقية، ركّز أوريليوس على فكرة الاتصال الإنساني خلال أزمة ما تؤثر في عدد كبير من الناس، أزمة لا سبيل للخلاص منها إلا من خلال التعاون ومساعدة بعضنا البعض والبحث عن حلول عوض التصرف بشكل فردي لا عقلاني. فعوض أن توجّه أفعالك نحو إنقاذ نفسك فقط، يجب عليك التحلي بالذكاء الكافي الذي يسمح له بتدارك خذلانك من قبل ذاك النظام “القانوني” الذي يقوم على الحرية الفردية المطلقة والذي يخدعك بجعلك تصدق أنك قادر بمفردك على أي شيء، وتعويضه في ذهنك بضرورة اعتمادك الشديد على غيرك وضرورة توجيه فعلك نحو المصلحة العامة التي فيها خلاصك أنت بذاتك. طيب يا صاحب الموضوع الأحمق، أليس غيري هو نفسه ذاك الذي يتصارع مع غيره بالأمس على خصم العشرين بالمئة، ويلكمني اليوم من أجل علبة منديل ورقي؟ بالله عليك كيف يمكنني أن أتفاهم مع هكذا أشكال ما لم أعاملها بالمثل؟

الإجابة يقدّمها أوريليوس وغيره من الفلاسفة الرواقيين.. أن تفعل ما تستطيع وتقبل بما لا تستطيع، فلا تسمح لنفسك بالتأثر برؤية أشخاص أنانيين، وقحين، جشعين، حمقى ومستعدين لقتلك من أجل حماية أنفسهم أو الترفيع في الأسعار لاستغلال الأزمة، فهم دائما موجودون. بعبارة أخرى، لا يمكنك التحكم في ما يجري حولك أو في الطريقة التي يتصرف بها غيرك، نحن نتصرف فقط في أفعالنا نحن ولا نستطيع تغيير الكثير حتى في الأزمة نفسها التي لم تستشرنا قبل أن تظهر. فهل ستقف متفرجا على نفسك وأنت تتلاطمك أمواج هذا الذعر الاجتماعي حتى تصبح فقط مساهما في هذا التوجّه المدمر؟

blank

وفي الحقيقة فالأزمة لا تحتاج حقا أن تستشيرنا قبل الظهور، فنحن نملك لقاحا قد يكون شديد الفعالية أمام الكورونا وغيرها من الأزمات التي قد تبدو حتى أكثر رعبا.. لقاحا لا يستغرق 12 شهرا من أجل التطوير و6 أشهر من أجل التجربة. وهو لقاح التأقلم!

ولأشرح أكثر، أرجو منك أن تساعدني أولا بأن تتخيل معي أنك مدمن على رياضة الجري مثلا. وبقيت تنتظر موعد الجري الأسبوعي بفارغ الصبر وأنت تتخيل تفاصيل ما الذي ستفعله خلاله وتحسب حسابا لمخططاتك بكل حماس بعد أن رسمت برنامجا واضحا لك، لكنك تتفاجأ في اليوم الموعود عندما تقرر الأمطار الغريزة أن تحل ضيفا ثقيلا عليك وتفسد كل مخططاتك فتجعلك تشعر بالإحباط والحزن وتؤثر على ردة فعلك وقد تقطع علاقتك بهذه الرياضة نهائيا. في الواقع لقد كان بالإمكان ببساطة تجنب هذا الاحباط والشعور السلبي والتأقلم مع الوضعية الجديدة عن طريق استباق الأسوأ لأنّه بكل بساطة ليس مستحيل الحدوث.. فقد يكون هذا مثل المناعة التي تجعلك تحافظ على هدوءك أثناء الأزمات عندما يأتي الأسوأ فعلا بسوداويته وتبدو وكأنّك متأقلم معه مسبقا فتصير قادرا على إيجاد الحلول لأنّك كنت تتدرب على قدوم هذا الضيق وتمارسه بالفعل في ذهنك، لأنّك عشته قبل أن تعيشه. وهذا ما يسمى بالتشاؤم الدفاعي الذي سيساعدك على النجاة، وقد يساعدنا نحن كمجتمع أيضا إذا ما أخذنا لحظة تفكير إضافية تجاه طريقة عيشنا وزرعنا في أنفسنا عقلية استباق الأسوأ.
فتجربة مصاعب كهذه أثبتت لنا اليوم أنّ الوقت سريع التغيّر وأنّ رفاهيتنا واستقرارنا ليست أمرا مفروغا منه ولا سهل الحصول عليه، بل هو على العكس من ذلك تماما لا يمكن الاستناد عليه دون خطة بديلة نتصرف بها في هكذا أوقات يخذلنا فيها هذه النظام المعاصر. فهل مازلتم تعتقدون حقا أنّ الكورونا هي مجرد فيروس لئيم غير مرحب به في عالمنا الفاشل إلى حد الآن في الاختبار؟ وأنّها ليست لقاح تأقلم للبشرية بأكملها؟

“نحن أمام حدث درامي لم نرَ مثيلا له منذ نهاية الحرب العالمية الثانية! حتى اليوم، نحن الأوروبيين شاهدنا الحروب، الجفاف، الانقلابات، الأوبئة، من مسافة بعيدة. وشاركنا فيها فقط عن بعد عن طريق الطعون، التبرعات والاحتجاجات. الآن، وعلى نحو مخالف، الحرب تقف على عتبات أبوابنا وتهدّد بتغيير حياتنا. فهل تكون هذه فرصتنا لمواجهة التغيرات الكبيرة في العالم بأنفسنا؟” هكذا يتكلم رئيس برلمان الاتحاد الأوروبي اليوم، وهو أكثر المتأثرين في جميع الميادين من إنتشار الفيروس، بشأن إيجابيات هذه الأزمة التي كشفت الكثير وكانت بمثابة الإختبار لأجهزتنا الحكومية والإجتماعية. فما الذي يمنعها من أن تكون صفعة حقيقية مؤلمة لكن جيدة بالنسبة للجميع دون إستثناء؟ تغذّي رغبتنا في التغيير وتحصين أنفسنا من تأثيرات لأزمات مستقبلية قد تكون أكثر عنفا؟
فأنا نفسي أود أن أصدق إمكانية أنّها قد تكون اللقاح الذي أردناه، رغم أنني شديد الإيمان بمقولة جميلة للمؤلف الأيرلندي الشهير جورج برنارد شو وهي كالآتي : “نتعلم من التاريخ أننا لا نتعلم من التاريخ”.

من قال أنّ الكورونا جديدة ؟

blank

لعلّ ما نعيشه الآن هو رسالة سماوية فعلا وتنبيه أو عقاب وانتقام، فليكن كذلك! فهو في كلتا الحالات زائل لا محالة. سينتهي كل شيء حتما، سنخرج للشوارع أخيرا من بعد عناء طويل وملل شديد ونعود لحيواتنا الطبيعية بعد أوقات طويلة قضيناها في منازلنا التي باتت أشبه بالسجون. ستنتهي هذه الرسالة القاسية بزوال شدتها وصعوبتها وترحل نهائيا مخلفة ورائها السعادة والإرتياح من ذاك الجحيم الذي لا يطاق.. آه من هذا الجحيم ويال روعة ذاك الإرتياح القادم في الطريق. إرتياح لن يكون من نصيب أولئك الذين تزورهم الكورونا بإستمرار وكل يوم.

أعرفتم من هم؟ أو هل سمعتم سابقا بأولئك الذين لا يعرفون ما معنى أن تبقى في منزلك مع عائلتك؟ أولئك الذين لا يعرفون ما معنى كلمة منزل أصلا. نعم لا تستغرب يا صديقي، فهناك من يحسدك حقا على بقائك في منفاك!

ترى هل يمكنني أن أتسائل ما إذا كان سيختلف الأمر هذه المرة؟ هل سنتوقف أخيرا لحظة للتفكير بشأن أنواع أخرى من الكورونا عاشت بيننا لدهور ولم نتفطن إليها؟ كـكورونا الطائرات الفتاكة والأسلحة القاتلة التي تفرّق يوميا شمل عائلات بريئة ذنبها الوحيد التواجد في الزمان والمكان الخطأ مثلا فتجعل من كل المخاوف التي تراودك حقيقة، من قبيل خسارة شخص غالٍ عليك وأنت تتفرج؟ أو كورونا الفقر والألم التي تسبب أعراضا أصعب بكثير من ضيق التنفس وغيرها من التي نعتبرها نحن اليوم مؤلمة؟ ماذا عن كورونا اللامبالاة التي تعدّ الأكثر إستفحالا بيننا وغيرها من التي لم تغادر عالمنا يوما لكننا لم نتجرأ عليها؟ ربما لكونها ليست كنظيرتها التي تضرب حاليا والتي لا تعرف مكانا في العالم من غيره ولا تميّز بين الأمير والبسيط ولا تفرّق بين الطبقات والمسافات والإختلافات التي وضعناها نحن بيننا كبشر ولم نمنح أنفسنا مشقة كسرها.. طبعا ونحن الذين نفضّل النسيان على ذلك ونجبر أنفسنا على التصديق بأننا لا نملك الحيلة ولا القوة حتى على إنقاذ حلم رجل بسيط كان كل ما فيه بأن يحضن طفله النائم ولو مرة بسلام، فتجده يبكي وسط الأنقاض على بقايا سريره الخشبي ويحضن قطعة حمراء من ثيابه هي آخر ما تبقى له منه.

فهل نشعر الآن بعد صعودنا جميعا على متن نفس القارب وشربنا من نفس الكأس، ولو قليلا فقط بضحايا الفظائع والمظالم والحروب التي نتظاهر بعجزنا أمامها؟ هل مازالت تنطلي علينا الكذبة بأنّ هذا العالم “القوي” قد يعجز حقا عن انقاذ رقبة ذلك الرضيع إن لم يكن متواطأ في حرمانه من الإبتسام في وجه والديه؟ هل حقا هذا صعب يا جماعة؟ هل يوجد وباء أخطر عليك من أن تصدق أنّك بريء من كل هذا أو أنك عاجز عن فعل شيء حياله؟ ترى هل سنحس الآن وأخيرا بهؤلاء وهم في عزلتهم الخاصة التي لا تفارقهم فيها الكورونا ومن معها أبدا؟ أقسم أنّه ومن المضحك حقا أن نستنتج في النهاية أنّ الكورونا جديدة!

لعلّه وبعد هذا الحلم الجميل الذي سنرى فيه أشياء جميلة جدا كشعورنا الوقتي بالتغيير الذي طرأ علينا، كالمساعدات بلا حسابات بين الدول وتوقف القصف ولو وقتيا لمجابهة الخطر الذي دق أبواب كل البيوت دون استثناء، كرؤية أولئك المتطوعين الذين يلقون بصدورهم أمام الخطر دون إكتراث، والوحدة والتعاون وحب الغير بيننا ولو طمعا في إنقاذ النفس. لعلّه راحل في نهاية الأمر وعابر مثل غيره من الأحلام؟ لعلّه وبرحيل هذا الحلم، سيعود أصدقائنا أولئك إلى عالمهم البعيد عنا والمعزول من جديد، فيظلون يحلمون ويحلمون ويحلمون بالمنفى الذي كنا فيه نحن يوما دون أن ندري أنه أمنية، فهل سندري هذه المرة؟
آه لو كان هذا الحلم الجميل راحلا لا محالة برحيل الكوفيد 19.. فإنني سأتمنى ومن كل قلبي أن تبقى برفقتنا إلى الأبد.

ختاما

“لقد سمّيت رسالتي هذه بأنها رسالة من الماضي القريب حتى ألفت انتباهك لسرعة تغيّر الأوضاع، نعم، لقد حدث هذا منذ وقت قريب جدا منك فلا تغتر بغير ذلك. وقد تظنني أيها الأخ من المستقبل أبدو في لحظاتي الأخيرة وأنا أكتب هذه الرسالة في مظهر الضعيف المشتت، لكنك مخطئ يا صديقي. فأنا هادئ رغم أنني خسرت المعركة التي بت آمل أن تكون انتصارا للجيل القادم. فتعلّم الدرس أرجوك ولا تنسَ أنّ نهاية حضارة ما هي في حد ذاتها إلا بداية واحدة أخرى قد تكون أحسن أو أسوأ.. فاحذروا الخيار الثاني. أودعك بابتسامة، رغم أنني أخفي حلمي بأن يعود الزمن بنا ولو قليلا لرؤية أشياء كان يجب علينا التفطن إليها منذ وقت طويل”. – رسالة من الماضي القريب، شكرا كورونا. –
وأحلام البعض هي حقيقة عند البعض الآخر أليس كذلك؟ لذلك أود وبشدة اغتنام هذه الفرصة الحقيقية ما دمت أستطيع لأطمئنّ عليكم جميعا وأدعوكم للالتزام بكل إجراءات الوقاية والشعور بالمسؤولية تجاه أنفسكم وكذلك غيركم قبل فوات الأوان، لنكن يدا واحدة لا تضعف ونشكر الكورونا على الكثير من الأشياء التي نحن بأمس الحاجة لرؤيتها.
أن تتحول تلك الرسالة المفجعة من الماضي والمبالغ فيها كثيرا إلى حقيقة يقرأها شخص ما بعد سنوات من الكارثة المحتملة؟ لا تقلقوا، فخيالي الخصب يطير كثيرا دون قيود وأنا نفسي لا أثق فيه تماما.. فلتعتبروها تكملة للقاح الذي أخبركم عنه ماركوس أوريليوس.

مع تحياتي وتمنياتي بالسلامة للجميع!

المصادر :

Social panic – Wikipedia
Collapsologie
Coronavirus: Air pollution and CO2 fall rapidly as virus spreads
Toilet paper fights
How to be Stoic in a Crisis

تاريخ النشر : 2020-04-16

مازن

تونس

مقالات ذات صلة

46 Comments
Inline Feedbacks
شاهد جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى