أدب الرعب والعام

صديقي تود

بقلم : ريتا

نظرت اليه جوليا ، لم يكن يمزح فملامح وجهه توحي بالغضب
نظرت اليه جوليا ، لم يكن يمزح فملامح وجهه توحي بالغضب

 
فلتنظفي الأرضية كلها أيتها الغبية ، قالتها كامليا وهي تشير بأصبعها إلى جوليا التي بان عليها التعب من انشغالها بالأعمال الشاقة التي تقوم بها في منزل عائلة وندري ، عائلة وندري مكونة من أربعة أشخاص ، الأب جيمس ، و الأم كامليا ، و الأبنة باولا ، و أخيراً طوماس الأبن المدلل ، أما بالنسبة إلى جوليا فقد كانت يتيمة تبنتها عائلة وندري لسماعهم عن شائعات أنها تنحدر من عائلة غنية و أن في يوماً من الأيام سيظهر والدها و سوف يقوم بمكافئتهم ، و لكن مع مرور الأيام لم يظهر والدها المزعوم ما أغضب كامليا و كذلك أبنتها باولا ، فقد كانت تكره وجود جوليا و لطالما أحست بأعجاب جون خطيبها لها لكثرة حديثه عنها.

في احدى المرات كانت باولا تلعب مع صديقاتها و كانت تحدثهن عن حفلة راقصة سوف تُقام في في منزل حبيبها جون ، لطالما تمنت الذهاب معه والتعرف إلى والديه ،  ولكن في كل مرة كان يعتذر لها لأن والدته لم ترغب في رؤيتها ، و ها هي الأن سوف تذهب و لأول مرة ، كانت جوليا تستمع لحديثهن و تمنت لو بإمكانها الذهاب ، و لكن باولا يستحيل أن تسمح لها بالذهاب ، اتجهت إلى الخارج متجهة إلى السوق لشراء الحم و الخضار لتحضير طعام العشاء  ، أثناء تجولها في السوق وقفت أمام محل لبيع الفساتين ، لفت انتباها فستان باللون الأبيض ، نظرت اليه و تمنت لو بإمكانها شراءه ، اقترب منها تود “صديق طفولتها ” قائلاً : يمكنك استبدال الخضار بالفستان !

نظرت اليه جوليا : أجننت ؟ سوف يكون هذا بمثابة انتحار لي ، ولكن تود لم يكن يمازحها فقد أخبرها أن تقوم بإعطائه النقود لشراء الفستان وعند رجوعها إلى المنزل تخبرهم بأنها سُرقت منها في السوق ، راقت لها الفكرة ثم قامت  بإخراج النقود من جيبها ثم وضعتها في جيب بنطلون تود ثم اتجهت إلى المنزل ، و ما هي إلا ثواني حتى تعالت أصوات جيمس و كامليا قامت بشتمها وصفعها حتى أوقعتها أرضاً ، هربت جوليا إلى غرفتها و أغلقت الباب خلفها ، ارتمت على سريرها و راحت تبكي ، كانت تستشيط غضباً ، لطالما تمنت لو بإمكانها الهرب من المنزل و العيش في منزل تملكه هي وحدها ، و بينما كانت ممدة على السرير سمعت صوت طرقات على نافذتها ، اقتربت من النافذة ،

كان تود يمسك في يده فستانها الأبيض ، و سرعان ما تغير غضبها إلى فرح ، أخذت منه الفستان و راحت تدور في الغرفة من شدة الفرح ، اقتربت من تود و قامت بإعطائة قبلة سريعة على خده شاكرة إياه ، ثم همت بأغلاق النافذة ، و لكن تود أمسك بيده النافذة قائلاً لها : هل لديك مناسبة لكي تلبسيه ؟ نظرت اليه ثم قالت : في قصر السيد جون  ستقام  الليلة حفلة ، أتمنى لو بإمكاني الذهاب ، و لكن السيدة باولا لن تسمح لي ، لم تكمل جملتها حتى أمسك تود بيدها قائلاً : لدي خطة تمكنك من الذهاب ، و لكن أريدك أن توعديني ، جوليا : تود أنا أوعدك  ، و لكن قل لي كيف استطيع أن أذهب  ؟ نظر اليها قائلاً :  لدا جدتي عشبه إن وضعتيها في الحساء سوف يغطون في سبات عميق ، حينها تتمكنين من حضور الحفلة.

في المساء كانت جوليا تعد طعام الحساء ، كانت شاردة الذهن تفكر في كلام تود  فهي لم تقتنع ولكننها أرادت الذهاب إلى تلك الحفلة ، أرادت ارتداء الفستان و الرقص كسيدة نبيلة من الطبقة المخملية ، لم يطل التفكير طويلاً حتى قامت بإخراج العشبة من جيب فستانها  وقامت بوضعها في الحساء قائلة : لا بأس لو عشت لنفسي ولو ساعة.

توجهت بعد ذلك إلى طاولة الطعام ، كان السيد جيمس و السيدة كامليا و أبنائهما ينتظرون الطعام ، تقدمت منهم جوليا و قامت بوضع الحساء على الطاولة ، راحت تسكب الحساء للسيد جيمس أولاً ، كانت يداها ترتجف ، انتقلت بعد ذلك إلى السيدة كامليا التي كانت مشغولة بقراءة الصحيفة ، نظرت اليها باولا عندها راحت تصرخ قائلة : جوليا اتجهي إلى المطبخ و قومي بتنظيفه ، توجهت جوليا إلى المطبخ ، تناولت بيدها الكرسي ثم جلست ، راحت تنظر إلى الساعة ، كانت تشير إلى التاسعة مساءً ، و ما هي إلا دقائق حتى اتجه الكل إلى غرفهم و غطوا في سبات عميق ، اتجهت إلى غرفتها و لبست فستانها الأبيض ، كانت تبدو غاية في الجمال ، كانت دقات قلبها تتسارع في لحظة تمنت لو أنها لم تسمع خطة تود ، قطع حبل أفكارها صوت النافذة وهي تنفتح ، لقد كان تود توجهه اليها قائلاً :

ما هاذا جوليا ؟ سوف تذهبين الحفلة بدوني نظرت ، اليه جوليا و كانت الدهشة تعلو وجهها ! ثم أضاف : لقد وعدتني جوليا ، هل تتذكرين ؟ قالها و هو يتجه إلى داخل غرفة جوليا التي بانت عليها الدهشة ، راحت تمشي ورائه ممسكة بيده قائلة : توود ، هل جننت ، إلى أين تتجه ؟ أنزل يدها عن يده قائلاً : إلى غرفت ذلك الأحمق المدلل طوماس ، هل تريديني أن أذهب بملابس بالية ؟ لا بد و أن أتأنق لكي أكون برفقتك ، أمسكت يده ثم أدخلته إلى غرفت طوماس قائلة : اخفض صوتك تود ، سوف تقوم بإيقاظهم ، عندها نظر اليها و قد لمعت عيناه بخبث : لا تخافي عزيزتي فهم يغطون في سبات عميق جداً ،

نظرت إلى الساعة و كانت تشير إلى العاشرة ، لقد بدأت الحفلة ، تود سوف انتظرك في الخارج ، أغلقت الباب خلفها و اتجهت إلى الخارج في حين كان تود يمشي في غرفت طوماس ، توجه إلى خزنة الملابس و قام بإخراج ملابسه و وضعها على السرير ، وقعت عيناه على بنطال باللون الأسود وقميص باللون الأبيض ، واقف أمام المرآة ، كان متأنق وكأنه من أحد الأغنياء النبلاء ، سرّح شعره المجعد البني إلى الوراء حتى بانت عيناه السماوية الحاده ، قام بفتح أزرار القميص حتى بانت عضلات صدره،  ثم اتجه إلى خارج المنزل ، كانت جوليا تنتظره في الخارج ، عندها رأت باب المنزل يُفتح ، اتسعت عيناه من الدهشة لم يكن تود صديقها بشعره المجعد وملابسه الرثة بل كان يقف أمامها أحد النبلاء الأغنياء ، أخذت تنظر اليه ثم اقترب منها قائلاً : هل ترافقيني إلى الحفلة سيدتي ؟

جوليا وقد تسمرت مكانها أمسك يدها وأدخلها إلى السيارة متجهه إلى منزل السيد جون ، عند وصلوهم إلى المنزل اندهش كلاً من جوليا وتود من فخامة المكان ، اتجها إلى الداخل ، كانت النساء و الرجال يرقصون ، تعالت أصوات الموسيقى ، كانت جوليا تنظر إلى المكان و الفرحة تعلو وجهها ، أما تود فقد كان ينظر إلى جوليا فقد أحب دائماً إسعادها ، أمسك يدها و راحا يرقصان حتى ساعات متأخرة من اليل ، في طريقهما إلى المنزل كانت جوليا تضحك حتى تذكرت أنها ما هي إلا لحظات و سوف تخلع فستانها لترجع لملابسها الرثة البالية ،

عند وصولهم إلى المنزل نظر تود إلى جوليا قائلا لها “جوليا هل ترغبين في العيش بمفردك وعلى سجيتك ؟ نظرت اليه جوليا و قد بان عليها  التعب و الإرهاق : تود فلتكف عن المزاح ، يجب أن تذهب لأنه يجب أن يعود كلاً منا إلى مكانه الصحيح ، أمسك معصمها بقوة : أنتِ غبية ، مكانك الصحيح ليس في المطبخ أو بلبسك البالي ، يجب أن تكوني سيدة نفسك ، أبعدت يدها عنه ، كانت ترتجف من شدة الخوف فهي لم ترى تود بهذه العصبية من قبل ، اتجهت إلى المنزل و أغلقت الباب خلفها ، توجهت إلى غرفتها ثم نامت فقد كان يوم طويل وشاق .

 في صباح اليوم التالي كانت ممدة على السرير ، فتحت عيناها ثم نظرت إلى الساعة ، كانت تشير إلى العاشرة صباحاً ، شهقت بقوة فقد نسيت تحضير طعام الإفطار ، توجهت إلى المطبخ و قامت بأعداد الطعام ، و لكنها لم تسمع صوت السيدة كامليا فقد اعتادت على صوتها كل صباح وهي تنعتها بالغبية و تأمرها بأن تعد لها قهوة الصباح ، كان الهدوء يخيم على المنزل على غير العادة ، راحت تحدث نفسها قائلة : غريبة  لما هذا الهدوء ، ألم يستيقظوا بعد ؟ عندها تذكرت ما فعلته في الليلة السابقة ، رمت الملعقة من يدها و توجهت إلى غرفت السيدة كامليا و زوجها جيمس ، كانا ممدين على سريرهما ، ثم اتجهت إلى غرفة طوماس ، و لكنها لم تجده ، توجهت بعدها غرفة باولا و قد كانت ممدة على أرضية  الغرفة و كان رأسها ينزف ،

اقتربت منها محاوله منها أيقاضها و لكنها كانت قد فارقت الحياة ، أخذت تصرخ و ترتجف ، توجهت إلى غرفة السيدة كامليا لإيقاظهما من النوم ، ولكنهما لم يستيقظا ، أغلقت باب الغرفة و اتجهت إلى الصالة ، كانت تريد الاتصال على الطوارئ ، و لكنها رأت طوماس ممدد على الكنب و قد فارق الحياة هو الأخر ، وقعت أرضاً و كانت ترتجف ، أخذت معطفها و اتجهت إلى الخارج ، راحت تمشي في زقاق تبحث عن تود ، عندها وقعت عيناها عليه و قد كان يقف يدخن السجائر ، أمسكت يده و قد كانت ترتجف قائلة : تود ، تود السيدة و السيد ، لقد ماتوا ، لقد ماتوا جميعهم .

لم يرتبك تود و ظهر عليه الهدوء ، نظرت اليه ثم أضافت : تود أنت قتلتهم! ، امسك بكتفيها وقام بدفعها على الجدار : اسمعي : أنا و أنت قتلناهم و الأن سوف نقوم بوضع خطة ، أتسمعين ؟.

أتجها إلى المنزل ، جوليا لم تستطع التصديق بأنها باتت قاتلة و راحت تتمتم بصوت منخفض : لقد قتلوا ، لقد قتلتهم ، أتجه تود إلى حديقة المنزل و قد أخذ معه معول ، قام بحفر أربع حفر ثم توجهه إلى الصالة ، نظر إلى جوليا و قد كانت ترتجف ، جوليا يجب أن تساعديني ، سوف أقوم بدفنهم جميعاً ، ولكن عليكِ أن تكوني قوية ، أغمضت عينيها ثم قام بسحب طوماس إلى الخارج ثم قام بدفنه ، و كرر باقي الأمر مع السيدة و السيد و أخيراً باولا ، بعدها توجهه إلى الداخل و أغلق الباب خلفه ،

ثم جلس على كرسي بالقرب من جوليا قائلاً لها : جوليا أنا و أنتِ تعذبنا كثيراً ، لم يرحمنا أحد ، كالعادة دائماً الفقراء يجب أن يعيشوا على فضلات الأغنياء ، هذا هراء ، هل ترضي أن تعيشي تحت سلطة عائلة وندري ، ماذا قدموا لك ؟ لم يمد لك أحد يد العون أبداً ، ولكن أنا هنا أقف أمامك و سوف أمد لكِ يد العون ، سوف نعيش على سجيتنا ، امسكها من كتفها و رفعها حتى وقفت أمامه ، راح يمسح بيده دموعها قائلاً : جوليا أيتها الغبية فلتتوقفِ عن البكاء ، نظرت اليه و كانت عيناها محمرة من شدة البكاء ، نظرت اليه قائلة : ماذا لو عرف الناس ، ماذا لو أُعدمنا ، هل فكرت بذلك ؟ لم يشك أحد فعائلة وندري لم يكن لهم أقارب ، حتى أنهم لم يحبهم أحد ، و إن سأل أحد عنهم قولي : أنهم هاجروا إلى بنسلفانيا ، كثيراً ما كانوا يذهبون إلى هناك ، سمعت ذات مرة أن لهم منزل هناك ،

تنهدت قليلاً ثم جلست على الكرسي ، نظرت إلى طاولت الطعام ، كانت الأواني ما زالت موضوعة على حالها ، مسحت وجهها بكفيها ثم قالت : سوف أقوم بتنظيف المنزل ، هل ساعدتني سيد تود ، ما إن أكملت جملتها حتى راح تود يضحك ، سمعت ضحكته فراحت هي الأخرى تضحك ، ثم أتجها إلى المطبخ و قاما بتنظيف المنزل ، ثم توجه كلاً منهما إلى غرفة ، وقفا أمام الغرف ينظر كلاً منهما إلى أي غرفة يتجه ، أتجه تود إلى غرفة طوماس ، أما جوليا فقد اتجهت إلى غرفة السيدة كامليا ، راحت تنظر إلى صورها المعلقة على الحائط ، أخذتها و قامت برميها على الأرض ثم داست عليها برجلها حتى كسرتها ، ثم قامت بفتح الدولاب ثم قامت بقطع ملابسها ، كانت تحاول التفريغ عن غضبها ، لطالما كرهتها ، كم تمنت لو بإمكانها صفعها ، بعد ذلك توجهت إلى غرفتها و راحت تغط في سبات عميق .

 
في صباح اليوم التالي كانت ممددة على سريرها ، نظرت إلى الساعة و كانت تشير إلى السابعة صباحاً ، سرعان ما أحست بضيق فقد تذكرت أحداث الليلة الماضية و لكنها حاولت تهدئة نفسها ، توجهت إلى المطبخ و أعدت الإفطار ، ما هي إلا دقائق حتى توجه اليها تود و جلس على رأس الطاولة ، تناول بيده الخبز و راح يتناول الطعام ، كان الهدوء سيد المكان ، كان كلاً منهما يفكر في ما بعد ، حتى قطع حبل أفكارهم صوت رنين الهاتف ، تناولت الهاتف بيدها و رفعت السماعة ، كان صوت رجل يسأل عن باولا ، جوليا و قد بان عليها التوتر عرفت على الفور من المتصل أن جون حبيب باولا ، ردت عليه قائلة : السيدة باولا لم تعد موجودة ، إنها مع أسرتها في بنسلفانيا ، و على الفور أغلقت الهاتف ثم نظرت إلى تود : ماذا لو أتى إلى هنا ؟.

– لا تفكري كثيراً ، دعينا نخرج ، سوف نقوم بنزهه.

بعدها أتجه الكل إلى غرفته ، جوليا كانت في غرفتها ، اقتربت من خزانتها و نظرت إلى ملابسها ، كانت رثه و بالية ، أخذت تفكر في شراء ملابس ، و لكن الأن تحتاج إلى فستان لكي ترتديه ، راحت تفكر حتى تذكرت ملابس باولا ، اتجهت إلى غرفتها و فتحت خزانتها ، أخذت تنظر إلى الفساتين المعلقة أيهم سوف تختار ، وقعت عيناها على فستان قصير بالون الأحمر ، ارتدته على الفور ثم اتجهت إلى الخارج ، كان تود ينتظرها ، كانت تتجه نحو السيارة حتى اعترض طريقها جون ،

أقترب منها قائلاً : صباح الخير جوليا  ، و قد بان عليها الارتباك : صباح النور سيد جون  ، و من بعيد كان ينظر اليهم تود ، جون راح ينظر إلى جوليا و أخذ يحدق في فستانها : لماذا ترتدي فستان باولا ؟ كانت عيناه تترقبها بدقة قائلاً : باولا لم تحدثني عن ذهابهم إلى بنسلفانيا ، حتى أنها كانت متحمسة للقاء والدتي ، ولكنها لم تأتي ، ما أن اكمل جملته حتى اقترب تود من جوليا و وضع يده على خصرها و راح ينظر إلى جون قائلاً : و هل تعتقد أن السيدة باولا قد تتحدث إلى جوليا عن أمورها الخاصة ؟ اذا كنت أنت حبيبها لم تحدثك لماذا قد تتحدث إلى خادمة ؟ فهم جون ما يقصده تود  ثم أضاف : أنت تأخرنا ، لقد كنا ذاهبين للقاء بعض الأصدقاء ، اعتذر منه ثم أمسك جوليا من معصمها و أدخلها إلى السيارة ثم مشى .

 جون و قد بانت عليه الحيرة : من هو ذاك الشاب و لماذا باولا قد ترحل دون علمه ؟ أرتدى قبعته ثم اتجه إلى سيارته و رحل .

كانت جوليا تنظر إلى تود وهو يقود السيارة و قد بان عليه الهدوء ، تود كيف : بإمكانك أن تكون بهذا الهدوء ؟ نظر اليها تود قائلاً : عزيزتي يجب أن تتمالكي أعصابك ، ألم تكوني تتمني أن تعيشي حياتك و أن تلبسي الفساتين ، ألم تكوني تكرهين تلك العائلة ؟ ها هو حلمك بدأ يتحقق ، فلتعيشي ، سوف نتوجه إلى السوق لشراء الملابس ، ما رأيك ؟ راقت لها الفكرة و سرعان ما تخلصت من توترها ، حتى أنها راحت تضحك بشدة و تغني .

في صباح اليوم التالي اتجهت جوليا إلى غرفة باولا و فتحت الدرج و تناولت ورقة و قلم ثم راحت تكتب رسالة إلى جون قائلة : عزيزي جون ، أعتذر عن رحيلي المفاجئ فقد اضطررنا للرحيل ، سوف نتجه إلى بانسلفانيا إلى منزل عمي ، فهو يمر بوعكة صحية و  قد يطول رحيلي لذلك أتمنى لك التوفيق ، قبلاتي ، باولا .

في المساء كان جون يحتسي قهوته حتى دخل اليه الخادم قائلاً : سيد جون ، لقد وصلت اليك هذه الرسالة ، تناولها على الفور ثم أمره بالانصراف ، قام بفتح الرسالة قرأ ما فيها حتى اتسعت عيناه من الدهشة .
 
في المساء كانت جوليا ممدة على سريرها تشعر بالملل  حتى  رن الهاتف ، كان جون يدعوها إلى تناول العشاء في أحد المطاعم الراقية ، دون تفكير وافقت على الفور ، أغلقت الهاتف و اتجهت إلى خزانة الملابس ، تأنقت و نزلت على السلالم ، كان تود يجلس على كرسي في الصالة يقرأ الصحيفة ، وقفت أمامه و نظر اليها ثم سألها : لماذا ترتدين ملابسك ؟  فقالت : لقد دعاني جون إلى تناول العشاء برفقته ، و قبل أن تكمل جملتها راح يصرخ بوجهها : هل جُننتِ أيتها الغبية ، ماذا قد يريد منك جون ، ماذا يريد من فتاة مثلك ؟ هو فقط يحاول كشف الحقيقة ، اقتربت منه جوليا و قد احمرت عيناها قائلة : أنا لست غبية كما أنني فتاة جميلة وقد يرغب في صحبتي حتى أوسم الأغنياء ، قالت جملتها تلك ثم اتجهت إلى الخارج ، أما تود فقد كان يستشيط غضباً .

وصلا إلى المطعم ، كان المكان يعم بالهدوء ، ما عادى صوت عزف البيانو على أنغام موسيقية هادئة ، جلست على كرسيها ، كانت شاردة الذهن تفكر في كلام تود ، كم كان جارح كلامه ! لم تكن أول مرة ينعتها بالغبية ، كان جون ينظر اليها ثم سألها : بماذا تفكرين ؟ نظرت اليه جوليا قائلة : كنت أفكر لماذا قد تدعوني إلى تناول العشاء على الرغم من أنك واحد من أغنى رجال البلدة .

أمسك بيدها ثم قال : ألم تنظري إلى نفسك في المرآة ؟  حتى أغنى و أوسم الرجال سوف يقعون في حبك ، أحست بسعادة و هي تستمع لمثل هذا الإطراء ، أدارت مفتاح الباب و دخلت ، كانت تترنح و تغني ، راحت تدور في الصالة حتى وقعت على الأرض ، وقف أمامها تود  ينظر اليها قائلاً : لماذا تضحكين ؟  نظرت اليه و هي ما زالت تضحك : ألم تقل لي أن أعيش حياتي و أنسى كل ما مضى ؟ ها أنا ذا أحاول أن أنسى ، عقد حاجبيه ثم أتجه إلى غرفته و أغلق الباب خلفه بقوة ، أما جوليا فقد اتجهت هي الأخرى إلى غرفتها وغطت في سبات عميق .

في الصباح كان تود يهذب عشب الحديقة ، كانت تنظر اليه من النافذة و  راحت تفكر إلى متى سوف تعيش تحت سلطته ، لطالما أرادت العيش على سجيتها ، اطلقت تنهيدة طويلة ، كانت تهم بأغلاق النافذة حتى لفت انتباها جون و قد اقترب من منزلهما ، لبست ملابسها و اتجهت نحوة مسرعة ، كان يقف مع تود يتحدثان ، لكنها لم تستمع إلى حديثهم ، اقتربت منهما قائلة : صباح الخير جون ، صباح الخير جوليا ، لقد كنت ماراً من هنا فقررن أن أمر لكي أخذكِ في جولة على عربتي ، هل تقبلين ؟ صر تود أسنانه من شدة الغضب و كان يود أن يلكمه على وجهه ، و لكنه تمالك نفسه ثم أشاح بنظره إلى جوليا و قد كانت عيناه محمرة من شدة الغضب ، و لكنها لم تعره أنتباه ، اقتربت من جون ثم قالت : هذا من دواعي سروري ، ثم امسك بيدها و أدخلها إلى عربته و مضى.
 
كان تود يستشيط غضباً ، تلك الغبية لا بد و أنه يشك في شيء ، يجب أن أفعل شيء ، في هذه الأثناء كانت جوليا و جون في الحديقة يتحدثان ، كان يحدق في عينيها ثم قال لها : جوليا ، لا أدري لماذا أحس نحوك بانجذاب ؟ صحيح ذلك الشاب تود هل هو صديقك ؟ أجل أنا أعرفه من زمان ، منذ طفولتي أنا وهو جمعتنا الحياة البائسة ، كانت عيناها توحي بحزن شديد ، ثم أضاف : لا بد و انه يحبك ، جوليا و هي تطلق ضحكة خفيفة ، تود لا ، مستحيل ، نحن مجرد أصدقاء فقط .

في هذه الأثناء كان تود يراقبهما من بعيد ثم اقترب : جوليا ، ألم تقولي لي اليوم أن عليك زيارة صديقتك صوفيا ؟ نظرت اليه جوليا ، لم يكن يمزح فملامح وجهه توحي بالغضب ، فهمت على الفور ماذا يقصد ، اعتذرت لجون قائلة : أوه لقد نسيت صديقتي صوفيا ترقد في المستشفى فهي تمر بوعكة صحية ، أعتذر يجب أن اذهب ، ثم اتجهت بعد ذلك إلى المنزل ، كانت غاضبة من تود و راحت تصرخ بوجهه : لماذا أتيت ، ماذا تريد ؟ امسك بكتفيها و أجلسها بقوة على الكرسي قائلاً : ألم تفهمي ماذا يريد منك ؟ أنه يشك بنا أيتها الغبية ، لن أسمح لك أن تدخلينا السجن ، أتفهمين ؟ لن أسمح لك بلقائه مرة أخرى ،  لم تحتمل كلامه راحت تصرخ : من أنت لكي تأمرني ؟ لقد مللت منك ، ماذا تفرق عن كامليا ؟ أنت تشبهها ، توجهت إلى غرفتها و ارتمت على سريرها و  بكت بشدة ، لقد سئمت كل شيء و لم تحتمل فراق جون فقد أحبته .

في المساء كان تود قد أعد لها العشاء و طرق باب غرفتها و لكنها لم ترد ، فتح باب الغرفة و كانت هناك ممدة على السرير و عيناها محمرة تنظر إلى النافذة و تراقب القمر ، اقترب منها ثم قال : جوليا ، كل ما أفعله لأجلك لكي تعيشي بسعادة ، فقد كنتِ مُهانة في هذا المنزل ، و قبل أن يكمل جملته قاطعته قائلة : كف عن تذكيري بأنك فعلت ذلك من أجلي ، لم اطلب منك أن تقتل أحد ، اطلع .

 تنهيدة صغيرة :  حسناً ، لقد أعددت طعام العشاء ، نظرت اليه ثم قالت : أشعر بنعاس شديد ، خرج من غرفتها متجها إلى غرفته ، راح يفكر بجوليا فقد كان يحبها منذ الصغر و لطالما أحس أن من واجبه حمايتها ، و لكن ذلك الاحمق جون يريد أن يدخل التعاسة إلى حياتها ، و لكن لا ، لن اسمح له .
 
لم تستطع النوم و كانت تفكر كيف بأماكنها التخلص من تود ؟ فهو يعيق طريقها إلى الحرية ، لم تشأ أن تكمل حياتها في منزل عائلة وندري ، أرادت السفر و أحبت أن تكون لها حياة اجتماعية ، في ذلك الوقت عزمت على الرحيل من المنزل ، توجهت إلى تود ومن دون أن تطرق الباب أدارت مفتاح الباب و دخلت ، كان يقف أمام الشرفة ، توجهت نحوه ثم قالت : تود ، سوف أسافر ، لا أريد العيش هنا ، تود و قد تسمر مكانه أخذ ينظر اليها ثم أطلق ضحكة ساخرة : ألم أقل لك أنكِ غبية ، اذاً ستسافرين ، و كيف ، و من أين لك بالنقود ، و من سوف قد يأخذك ؟.

–  جون ، هو يحبني و سيفعل أي شيء من أجلي .  – و هل هو من قال لكِ ذلك ؟.
جوليا و قد أحمر وجهها : لا ، و لكنه قال لي أنه معجبا بي .

أمسكها من كتفها و دفعها إلى الجدار : يحبك لماذا ، و من أنتِ لكي يحبك ؟ هو فقط يحاول معرفة ما جرى لباولا حبيبته ، لم تحتمل كلامه فهربت إلى غرفتها ، أخذت بتوضيب أمتعتها في حقيبة ثم همت بالخروج ، و لكن تود اعترض طريقها و وقف أمامها محاولاً منعها من الخروج ، لم يعد يحتمل هو الأخر و راح يصرخ و يهدد : لن أدعك تذهبين اليه ، أتسمعين ؟ و لكنها لم تدعه يمنعها و راحت تركض متجهة إلى منزل جون ، كانت الأمطار غزيرة ، ركضت و ركضت حتى رأته  من بعيد ، كان يتحدث إلى أحد الرجال ،

كان مظهره يوحي بأنه شرطي ، لم تستطع الاقتراب منهما و راحت تراقب من بعيد ، و لكنها فهمت أخيراً سبب تودد جون لها ، عادت إلى المنزل ، ذلك المنزل الذي لطالما كرهته فهي لم تذق طعم الراحة فيه ، عادت و هي خائبة ، كانت متعبة جداً ، فتحت باب المنزل و قد كانت ملابسها مبللة ، نظرت إلى تود الذي كان يقف قرب المدفئة ، اقتربت منه ثم قالت : تود ، هل ما زالت جدتك تصنع تلك العشبة ؟  ألبسها معطفه و أجلسها قرب المدفئة ، ثم أتجه إلى المطبخ ليحضر لها كوب من القهوة الساخنة ،

لم تستطع النوم تلك الليلة ، راحت تفكر في خطة للهرب و ترك كل شيء خلفها ، و لكنها لم تكن تمتلك تلك الشجاعة الكافية للهرب ، أخذت تفكر حتى أشرقت  شمس صباح يوم جديد ،

في الصباح كانت جوليا تجلس على مائدة الطعام عندما اقترب منها تود ، كان ينظر اليها و كانت الدهشة تعلو وجهه ! و لكنها لم تعره انتباه ، جلس على كرسيه يشرب قهوته ثم قال لها : ما سبب هذا التغيير في شكلك ؟ نظرت اليه كانت قد غيرت لون شعرها الأشقر إلى أسود ، ثم قالت سوف أقوم بدعوة جون لتناول العشاء الليلة ، عقد حاجبيه وهو يقرأ الصحيفة و كأنه مندمج في القراءة .
 
في المساء كانت تجلس على الكرسي تنظر إلى الساعة التي كانت تشير إلى العاشرة مساءً ، نهضت من مقعدها و قامت بفتح خزنة الملابس ، اختارت منها فستان باللون الأبيض ، وقفت أمام المرآة تسرح شعرها ، كانت متأنقة جداً ، توجهت عبر السلالم إلى طاولة الطعام و راحت تتفقد الطعام و تقوم بترتيب الأواني الفضية ، عندها سمعت طرقات الباب ، كان جون بكامل أناقته و وسامته ، أمسك يدها وقام بتقبيلها ثم توجها إلى الصالة ، لم يكن المنزل بتلك الفخامة ، و لكن كان يوحي بذوق أصحابه ، راح ينظر إلى الصور المعلقة في الحائط ، كانت صور تعود لعائلة وندري ، كانت تقف خلفه تنظر اليه عندها اقترب منها راح يحدثها عن مدى حبه لها و إعجابه بها ، كان تود يراقبه.

كان وجهه محمر وعيانه تشعان بالشر ، نزل من أعلى السلالم هرولة ، أقترب من جون و دفعه على الحائط ، جوليا و قد بان عليها الارتباك أمسكت بيد تود تحاول إبعاده عن جون قائلة : كفى تود ، أرجوكم دعونا نجلس على المائدة لتناول العشاء  ، كانت تحاول تهدئتهما ، و لكنهما لم يعيراها انتباه ، كان كلاً منهما ينظر إلى عين الأخر بحقد و كراهية ، قال جون وهو يمسح بيده لباسه : رائحة الأكل لذيذة ، عزيزتي جوليا عليكِ أن تقومي بالطهي من أجلي دائماً ،

فهم تود ما يقصده فهو يحاول إثارة غضبه قائلاً له : أؤكد لك أنها ستكون أخر مرة ، عندها أطلق ضحكة ساخرة و هو يجلس على كرسيه ، جلس الكل على مقعده راحوا يحتسون شربة الحساء ، و لكن كلاً منهما كان يكن البغض و الكراهية للأخر ، ماعدا جوليا لم تكن على طبيعتها تلك الليلة كانت تنظر إلى الساعة و قد بان عليها  التوتر ، فجأة نهضت عن مقعدها قائلة : لقد كان اليوم طويل و شاق ، سأذهب لارتاح قليلاً ، ثم اتجهت إلى غرفتها ، نظر تود إلى جون قائلاً : ها نحن الأن اصبحنا بمفردنا ، هل لي أن أعرف سبب اهتمامك بها ؟ .

جون وهو يمسح فمه بالمنديل : أنا لا أفهم لماذا قد ترحل عائلة وندري دون سبب  ، ألا ترى أن هذا شيء غريب ؟ قالها و هو ينظر في عيني تود و كأنه يحاول معرفة الحقيقة.
 تود و قد بان عليه البرود قائلاً : لماذا لا تسأل باولا ، ألم تكن حبيبتك ؟  لم يحتمل جون أكثر و ضرب بيده على طاولة الطعام و راح يصرخ بوجهه : باولا ، يستحيل أن تتركني ، لا بد أنها في خطر ، يجب أن اعرف الحقيقة  ، و فجأة وقع أرضاً دون حراك .

كانت جوليا تستمع إلى حديثهما و بعد ذلك اتجهت إلى غرفتها لتغيير ملابسها ، ارتدت فستان ناعم باللون الأحمر و لبست معطفها ثم نزلت على السلالم ، كان جون مرمي على الأرض ، دارت بنظرها و كانت تبحث عن تود و لكنها وجدت بقع من الدماء تتجه نحو غرفته ، اطلقت تنهيدة طويلة ، و راحت تحدق بنظرها نحو الغرفة قائلة : عزيزي تود ، أنا اعتذر ، و لكن أنت من قال لي أن لا اسمح لأحد بإهانتي ، و لكنك نسيت أن تعلّم نفسك كيفية احترامي ، لذلك كان علي أن أتخلص من أي شخص يعيق طريقي ، إلى اللقاء عزيزي ؛ ثم اتجهت إلى الخارج لتترك ورائها المنزل الذي لطالما كرهته ، في هذه الأثناء كان تود يراقبها من الشرفة وهو يقوم بربط يده لإيقاف النزيف قائلاً : سوف تظلين غبية ، و لكني سأظل أحميك جوليا !.

النهاية……

 

تاريخ النشر : 2020-12-11

مقالات ذات صلة

9 Comments
Inline Feedbacks
شاهد جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى