أدب الرعب والعام

طلاسم العشق

بقلم : ميار الخليل – مصر

بدأت عيناي تغرق بدموعها وأنا أحاول جاهدة أن أخفيها و لكن بلا فائدة
بدأت عيناي تغرق بدموعها وأنا أحاول جاهدة أن أخفيها و لكن بلا فائدة

 
ورقه بداخل زجاجه كُتبت عليها ما لم يستطع لساني النطق به أمام أحد و رميتها في البحر فرمت بها الأمواج إلى شاطئكم فقارئوها لعلكم تتعظون.
 
و ماذا لو خلق الله أمرأة أخرى بعد حواء ، ألم يكن يحق لأدم حبها ، أكان يكفي أنها من بدأت معه الحياه و أن القدر هو من أختارها له لعدم حب أمرأة أخرى ، ألا يحق لأي رجل الاعتراف بأن اختياره الأول لم يعد كافياً لاحتواء روحه ؟ .
 
المعضلة هنا أن النساء يخضعن الرجال لقوانين وضعت لهن ، فأن حبك لأخر ما هو إلا خروج عن النص و ذلك خيانة ، ولكن الحياه لم تضع كلمة خيانة في قاموس الرجال إنما حبه لأخرى ما هو إلا فطرة خُلق بها ، الأولى دائماً تجربة و الثانية إبداع ، الأولى هي النص الممل و الثانية هي جائزة خروجك عن ذلك النص ، الأولى تحفظ معها القواعد والثانية تكسرها معك ، تلك التي تأتي فتفك قيود مسئولياتك و توقظ شغف قتله الروتين .

تلك لم تكن أفكاري قط بل كانت لدي أراء شديدة نحو الرجال تصل إلى حد الاستهزاء بأن أبدية وجودهم لا نفع لها إلا للتكاثر ، و لكنه أتى بتلك الجاذبية ليهزم معتقداتي و يجعل مبادئي كالحرباء تتلون لتبرر علاقتي به ، لا أعلم كيف تسارعت الأحداث و وصلنا إلى ذلك الحد ؟ فقط ما أعلمه أنني رحلت يومها تاركه دمائه تغرق فستانها الأبيض و لا أدري من منا قتلته أولاً ؟.
 
– هل يمكن أن تصفي لي علاقتك بالمجني عليه يا أنسه لحن ؟.
بدأت حبات العرق النابعة من توتري تتجمع على جبيني و أجبت بنصف الحقيقة :
– كان قائد الفرقة الموسيقية التي أنا بها ، نظر إلي و كأن عيناه اخترقت عقلي و علم أنني أكذب فقال بشك :
– فقط ؟ أكان قائداً لفرقتك الموسيقية فقط ، ألم تجمعك به أي علاقه من نوع أخر ، صداقه مثلاً ؟.
– كنا نتبادل أطراف الحديث بين الحين والآخر و لكننا لم نكن أصدقاء مقربون.
أسند وكيل النيابة ظهره إلى كرسيه و بدأ يطقطق أنامله على المكتب و هو ينظر لي بوجه جامد و قال بهدوء :

– إذاً كيف تفسري تلك الرسائل الغرامية التي وجدناها على هاتفه مرسلة من رقمك الشخصي؟.
وقعت كلماته على أذني كالصاعقة و كأن لساني قد أنعقد و بدأت أوصالي ترتعد ، و لعنته بداخلي ألف مرة ، هذا الأحمق كيف يترك تلك الرسائل على هاتفه ، ألم يخف أن تراها زوجته ؟.
ليكمل وكيل النيابة حديثه قائلاً :
– الأن هل تودي أن تخبريني عن علاقتك “بالمايسترو” رامي شاهين بدون كذب هذه المرة؟.
 
بدأت عيناي تغرق بدموعها وأنا أحاول جاهدة أن أخفيها و لكن بلا فائدة ، و ذكرياتنا تتجمع لأشاهدها أمام عيني و أسمع أنينها مختلطاً مع مراره شعوري بفقدانه ليصنعوا معزوفة حزينة أخرى تُضاف إلى معزوفات الفراق.
 
ما كان سؤاله ؟ علاقتي به ! و كيف لكلمات أن تصفها ؟ لقد كان مفردي الذي لا أجمعه أو يُقارن بشيء ، شمس لم تشرق إلا لأجلي ، كان يبتسم لي تلك الابتسامة المشرقة التي لن تراها في حياتك إلا مرة واحدة فيبعث السعادة بي و تنبت جذور الطمأنينة بداخلي ، ما زلت أتذكر لحظة وقع عيناي عليه ، كان أول أيامي في الأوبرا ، أحمل آلتي الموسيقية على ظهري و أخطو أولى خطواتي إلى تحقيق ما تمنيته في الربع قرن الماضي ،

و كان هو يعطينا ظهره ممسكاً بعصاه الأنيقة محركاً إياها كما لو كانت نغمات الموسيقى تتدفق بسلاسة من بين يديه ، توقف العازفين بعد إشارته بالانتهاء ليصفق المتدربين منبهرين بأداء الأوركسترا و هي مجرد بروفه ، و اسرعوا جميعاً إلى الشاب الذي يجلس على “البيانو”، أدهم عواد ذلك الاسم الذي تلألأ في سماء الموسيقي منذ بضع سنوات ، كانت حركات يديه الانسيابية على المفاتيح قادرة على نقلك إلى عالم أخر و إثارة أحاسيس الحزن أو السعادة بداخلك كيفما شاء ، بالإضافة إلى مظهره الجذاب ، و حضوره الظاهري الطاغي جعله فتنه لكل من رآه.

– هل حقاً عرضت عليك أميرة عربية الزواج منها ؟ سألت أحداهن ، فأبتسم أدهم لتظهر غمازتيه و تطيح بالقلوب أرضاً و رد ممازحاً :
– لقد تزوجت الموسيقي منذ سنوات و هي لن تسمح لي بالعبث مع أمرأة أخرى.
أتي صوت رامي الذي كان يتابع الحديث من الصف الأمامي و قال ساخراً :
– إن الموسيقي بريئة من زهدك بالنساء يا صديقي ، لتترك المتدربين الجدد يرونا ما لديهم لعلنا نكتشف أدهم عواد جديد.

نزل أدهم ليجلس بجانبه و بدأت آلة تلو الأخرى في العزف حتى أتي دوري ، جلست ممسكه ” الكمان” بيدي و أنا أشعر بالتوتر والاختناق و كان الهواء أصبح ثقيلاً ، فخطأ واحد و يُقضى على حلمي أمام عيناي ، كنت قد اخترت أحد معزوفات “كلاس” التي شبهها البعض بالمسكرة ، أغمضت عيناي و بدأت بالعزف بنغمات متتابعة كثيفة ، و بعد دقائق من عزفي تلاشي توتري و بدأ جسدي يتمايل مع الموسيقي و كأنه أصبح جزءاً منها ، و قبل أن أنهي مقطوعتي سمعت صوت التصفيق لأفتح عيناي بعد انتهائي و أراه جالساً ينظر لي بوجهه الهادئ ، حييت جمهوري الصغير و نزلت تاركة مكاني لعازف أخر .
 
– ما الذي يفرق عازفاً عن أخر في اعتقادك ؟.
كنت أقف وراء الستار بعد انتهاء ” البروفة ” أستمع لبعض الألحان العشوائية و حديث بعض المتدربين مع العازفين القدامى لأسمع ذلك الصوت قادم من ورائي ، فنظرت لأراه ممسكاً بآلتي الموسيقية بيديه ، فرددت مبتسمة :
– التدريب المستمر و تعلم مقطوعات جديدة على ما أعتقد مايسترو.
أعطاني الاله و أشار لي أن أضعها في وضع الاستعداد للعزف ، و أقترب مني حتى أصبحت المسافة بيننا صغيرة جداً و تبدو حميمية ، فتراجعت إلى الوراء خطوة ، فقال بوجه جاد وملامح خالية من أي تعبير :

– التدريب مهم ، و لكنه ليس سر النجاح ، السر هو المزج.
– مزج ؟.
– الامتزاج بآلاتك الموسيقية ، كل حركة من أصابعك على زند الكمان ، كل انزلاقه للقوس يجب أن تحرر طاقتك الداخلية وتجعلك أنت وآلتك واحد.
مرت بنا ساعات و نحن نجلس نتحدث عن الموسيقي ، ثم تحولت إلى أيام ثم شهور ، كنا نرقص فيها على إيقاع لم يسمعه غيرنا ، حتى أتى ذلك اليوم الذي جلس فيه رامي بجانبي وأبتسم لي قائلاً :
– سأتزوج الشهر المقبل.

كنت أعلم أن خاتمه يزين يد فتاة أخرى قبل حتى أن يقابلني و أن تلك اللحظة أتية لا محالة ، و لكن كيف يخبرني بذلك بوجه مبتسم و كأنني سأسعد بأن أمرأة أخرى ستشاركني به ؟ وددت لحظتها أن أصرخ به ” أيها الوغد ، كم مرة قلت لي أنك تحبني ، كم مرة أتيت لي ناقماً على أفعالها معك ، كم من مرة أحزنتك هي وأسعدتك أنا ؟ تلك الأحلام عن أوركسترا عظيمة خاصة بك ، ألم تشاركني إياها لأنها غبية ولا تستطيع قراءة نوته موسيقية ولا حتى فهم لغة الموسيقي ؟ في كل مرة كانت تشعرك بعجزك عن تحقيق مطالبها الساذجة كنت تجد قوتك معي ، لقد استغللتني كوغد حقيقي ، و لكنك الوغد الخاص بي ولن أتركك لأخرى أبداً.
ابتسمت له بهدوء ثم أعطيته ظهري مبتعدة وقلت
– أتمني لك زفافا سعيدا
****

– اذاً أنتِ تنفين إي علاقة لك بقتله ؟.
قالها وكيل النيابة وهو يفك أزرار أكمام قميصه و يثنيه إلى الأعلى ، فنظرت له بثبات و قلت بلهجه تشوبها السخرية :
– سيدي ، أنا لا أعلم حقاً لما تحققون معي ، هل أنا من طعنته في صدره أمام الناس ؟.
– أنني لا أبحث عن جاني بل أبحث عن سبب ، ما الذي يجعل فتاة تقتل زوجها ليلة زفافهم إلا اذا كانت اكتشفت خيانته مثلاً ؟.
– حتى و إن كان يخونها معي ، فهل ذلك شيء يعاقبني عليه القانون ؟.
قطع حديثنا طرقات على الباب أتبعها دخول رجل أدى التحية العسكرية ، ثم قال :
– نتائج الطب الشرعي سيدي.

أعطاها لوكيل النيابة ثم خرج ليستغرق الأخير في قراءتها عدة دقائق ثم نظر لي و على وجهه ابتسامة تحدي :
– هل تعتقدي أنه كان يخونها معك ، أم يخونك معها ؟.
– ما الفرق ؟.
– الفرق أن رامي كان ميت بالفعل قبل أن تطعنه زوجته.
بلعت ريقي بشيء من الخوف و سألت بصوت مرتعش :
– كيف ذلك و قد طعنته أمامنا جميعاً ؟.
– ذلك ما أود معرفته منك ، كيف قتلتي رامي شاهين ؟.
*******

كنت أمشي بذهن شارد في البهو الواسع لدار الأوبرا حتى سمعت صوت أدهم ينادي علي و هو يمشي بخطوات مسرعة تجاهي ، وأمام أعين الجميع الفضولية عرض علي إيصالي في طريقه ، في وقت أخر كنت لأرفض ، و لكن شعوري بأن رامي يقف على بعض أمتار ورائنا جعلني أوافق لعله يشعر بالغيرة.

مرت الأيام و قد توطدت علاقتي بأدهم الذي لم يستطع إخفاء حبه لي و قد اعترف بذلك أمام الأوركسترا بأكملها و هو يجثو على ركبتيه و يطلب مني الزواج منه ، و وافقت حتى أشعلت نيران غيرته أكثر و أكثر، كنت أعلم جيداً أن رامي لا يحبني كما يحب تلك الفتاة ، و لكنه أيضا، يكره وجودي مع رجل غيره ، ذلك الوغد الأناني كيف أحببته ؟.
 
و لكن ما لم أضعه في الحسبان كان صداقة رامي بأدهم ، و يبدو أنهما كانا صديقان إلى درجة جعلت رامي يتجنبني و كأنني لست موجودة ، و ذهبت خطتي أدراج الرياح بل أكاد أجزم أنني صنعت حاجزاً أشد صلابه بيني وبينه ، وغد شريف يخون أمرأته ولكنه يرفض خيانة صديقه.
 
كنت قد استنفذت كل محاولات التقرب من رامي والتي كان يواجهها دائماً بالرفض متحججاً بأن أدهم صديقه منذ الطفولة ولا يستطيع خسارته ، و لم يبقى على زواجه إلا بضعة أيام ، و هنا ظهرت (أم هلال) و من لا يعرفها ؟ أذا أردت عريساً لابنتك العانس فأم هلال لديها الكثير منهم في جعبتها ، إذا أردت من يعاونك في المنزل و يكون أميناً كالذئاب فأم هلال هي اختيارك الأنسب ، كانت تجلس القرفصاء على الأرض و تحكي لأمي أسرار نساء المنطقة جميعهم كما تحكي لهم أسرار بيتنا على ما أعتقد ، في ذلك اليوم جلست بجانبها على الأرض و سألتها ما أن كانت تعرف ساحراً حقيقياً ؟ فخبطت بيدها على صدرها وهي تشهق قائلة باندهاش :

– و ماذا تريدين من رجل كهذا يا أبنتي ؟.
– أريده أن يأتيني برجل أحبه ليتزوجني.
– ألست مخطوبة يا أبنتي ؟ إن كان لا يناسبك فالرجال على قفا من يستطيع أن يحمل ، فلما لا تجربين حظك مع رجل أخر و لا داعي لدخولك ذلك الطريق الأسود ؟.
– لم أسالك النصيحة بل سألتك إن كنتِ تعرفين واحداً أم لا ؟ و يبدو لي أنكِ لا تعرفين.
 
قلت تلك الكلمات بنفاذ صبر ، ولكنها عندما رأتني أدخل ورقة المائة جنيهات في جيبي سال لعابها و شدتني لأجلس بجانبها مجدداً ، و قالت و هي تشدها من بين أصابعي و تضعها في صدرها :
– و من قال إني لا أعلم ؟ أم هلال تعرف كل شيء ولكن وجب علي أن أنصحك حتى لا أحمل ذنبك ، غداً بعد صلاة العشاء سنذهب للشيخ عطيه.
 
بيتاً عادياً في أحد ضواحي مصر القديمة يظهر على أثاثه الحالة المتوسطة لصاحبه ، كانت هناك رائحه بخور غريبة ليس لها مصدر تملئ المكان ، و لكن بخلاف تلك الرائحة لم يظهر شيء مختلف أو مرعب بالشقة أو بالغرفة التي جلس بها الشيخ وراء مكتبه ، فتقدمت أم هلال و قبّلت يده ثم أخذتها المرأة التي أدخلتنا و خرجتا ، كنت أنظر حولي باستغراب فقاطع الشيخ عطية أفكاري و كأنه قرئها و قال بسخرية :

– تلك الأجواء العادية لا تنبا بأنني ساحر أليس كذلك ؟ كان يجب أن أعلّق رأس جدي على الحائط فوقي و أضع إضاءة حمراء خافتة و أصرخ في وجهك بـ ” أشتاتا أشتوت”.
فلتت مني ضحكة رغماً عني و قلت :
– أعذرني ، تلك أول مرة أذهب بها لساحر ، ولكن لا اعتقد أن طلبي سيكون صعباً على رجل مثلك ، لقد أحببت رجلاً ولكنه سيتزوج من فتاة أخرى الخميس القادم.
جلس في الكرسي المقابل لي و رد :
– و أنتِ تريدين وقف ذلك الزواج .
– ليس فقط إنهائه ، بل أريده أن يكرهها ، أن يبغضها كما يبغض المتعافي من النيكوتين رائحة السجائر ، و أن يأتي إلي راكعاً متذللاً طالباً عفوي و حبي.
 
******

دفنت وجهي بين يدي و بكيت بحرقة و أنا أردد :
– لم أقتله يجب أن تصدقني يا سيدي ، لم أكن أبداً لأؤذي رامي.
ارتشف وكيل النيابة من قهوته و قد ظهر على وجهه علامات التفكير العميق و قال :
– اذاً من فعلها برأيك ؟ من لديه الدافع لتسميم رامي في ليلة زفافه ؟.
نظرت له من بين دموعي و قلت بصوت متهدج :
– لا أعلم ، و لكنه ليس أنا ، لقد قلت لك لم أكن أبداً سأؤذي رامي.
****
 
بعد منتصف الليل بقليل و البيت كله يغط في نوم عميق ، دخلت إلى الحمام وأغلقته جيداً و خلعت ملابسي كلها كما أمر الشيخ ، و بدأت برسم تلك الحروف على جسدي التي كتبها لي الشيخ عطيه في ورقه وأعطاني نوع من الطباشير الأحمر كريه الرائحة لكتابتها ، و بعد انتهائي أشعلت شمعة و أطفأت الإضاءة و جلست أمامها على الأرض و قلبي يرتجف بين أضلعي و أشعر بأن شيء ما يراقبني و سينقض علي في أي لحظة ، و لكنني أكملت ، فغايتي تبرر أي وسيلة و تمحو أي خوف ، شبكت أصابعي ببعضها و أغلقت عيناي و بدأت في ترديد تلك الجملة مائة مرة.

– أقسمت عليك يا أبليس ، يا أبن مره ، يا ابن الطاغوت ، بالذي أخرجك من الجنة و أمرك بالسجود لادم فلم تسجد إلي يوم الوقت المعلوم ، أقسمت عليك أن تجيب قلب رامي أبن زينب لمحبة و طاعة و عشق لحن بنت فريدة العجل ، العجل ، الساعة ، الساعة.
 
بعدها أخذت ثلاث ورقات مقطعة بطريقة معينة وغير مسطرة ، مكتوب بداخلها طلاسم بخط يد الشيخ وأحرقتها ، انتهيت من تلك الأشياء اللعينة التي طلبها مني الشيخ واستحممت سريعاً و دخلت غرفتي ، و لكنني لم أنم تلك الليلة من الخوف.
 
في الصباح ذهبت إلى دار الأوبرا و أنا على أمل أن شيء قد تغير ، و لكن لا شيء ، لم تتغير معاملة رامي لي ولو قليلاً ، ما زال يتجنبني كما هو ، أسرعت إلى الشيخ و أنا غاضبة ، هل قام ذلك الدجال بالنصب علي ؟ أقسم أن أبلغ عنه فليس لدي شيء لأخسره ، دخلت مكتبه و الشرر يتطاير من عيناي بعد أن دفعت سكرتيرته بعيداً ، فشاور لها أن تخرج و تغلق الباب ورائها وابتسم لي ابتسامه فاترة و شاور لي أن أجلس فجلست و كنت علي وشك الحديث ليقاطعني قائلاً :

– أعلم أن السحر قد فشل.
فرددت بسخرية :
– هل فشل السحر أم لم يكن هناك سحراً من الأصل ؟.
لم يفقد وجهه الابتسامة و فتح درج مكتبة وأخرج نقوداً و وضعها أمامي و قال :
– خذي مالك فأنا لست دجالاً ، سأعذر جهلك ولن أحاسبك على ما قلتِ.
أرحت ظهري على الكرسي و قلت بطريقة أكثر تهذيباً :
– لماذا فشل السحر ؟ لقد فعلت ما أمرتني بالضبط.
كان يعد على مسبحته و هو ينظر لي دون أن يظهر على وجهه أي مشاعر و قال بلهجه تقريرية :

– لأننا لا نستطيع صنع سحراً فوق سحر ، عندما غادرتي أمس تذكرت أن هناك فتاة أتت لي منذ سنة أو أكثر بقليل و أعطتني صورة ذلك الشاب وطلبت مني ما طلبتيه أنتِ.
– ما كان أسم تلك الفتاة ؟.
تردد الشيخ قليلاً ثم قال :
– سارة.
صُدمت عندما سمعت ذلك الاسم ، فسارة تلك هي الفتاة التي سيتزوجها رامي بعد أيام ، العاهرة لم يكن ليحبها لولا أنها سحرته ، أن مشاعره نحوي كانت حقيقة اذاً ، و رفضه لي لأنه تحت تأثير السحر ، قلت سريعاً :
– أبطله ، أبطل سحرها.
– لا أستطيع ، فللسحر مدة لا يمكن تقليلها أو إبطاله و إلا انقلب علينا.
– كم مدته ؟.
– عشر سنوات مرت ، منها أكثر من سنة و بقي ثمانية ، و لا أنصحك أن تصارحيه بذلك فللسحر خادم شديد سيؤذي من يحاول فك السحر.
خرجت من عند الشيخ عطيه و قلبي مُثقل و قد تأكد لي شيء واحد فقط أن رامي قد ضاع مني للأبد.

******
– عندما فشلتي في سحره قتلتيه ، أليس كذلك ؟.
– لقد اعترفت بأنني حاولت أن أسحره و لكن قتله لم أكن أبداً لأفعل ذلك.
– ليس هناك شخص أخر لديه الدافع لقتل رامي غيرك ، و يبدو أن حظكً سيء حتى في القتل ، فالسم قتله قبل أن تطعنه زوجته.
 
قاطع حديثه طرقه على الباب ، دخل بعدها رجل أدى التحية و قال : أن هناك رجلاً يقول أن لديه أدله جديدة في القضية ، أمر وكيل النيابة بدخوله ، لأتفاجأ أن ذلك الرجل هو أدهم ، كان وجهه شاحباً للغاية و قد استطالت لحيته ، دخل و وقف أمام وكيل النيابة و قال بهدوء :
– أسمي ادهم عواد ، و أنا من قتلت صديقي رامي شاهين.
 
انتفضت في مكاني وأنا استمع إلى حديثه ! هل يحاول ذلك الأحمق إنقاذي و توريط نفسه ؟ و لكنه أكمل حديثه :

– منذ سنتين تعرفت على سارة وأحببتها كثيراً ، و لكنها لم تبادلني الحب ، و كنت أحكي لرامي عنها كثيراً ، و في يوم وليلى أتى إلي قائلاً : بأنه يحب ساره و هي أيضا تحبه و أنه سيخطبها ، لم استطع أبداً استيعاب أن صديقي يمكن أن يطعنني في ظهري بذلك الشكل ، و حاولت أن أتحدث مع ساره أكثر من مرة و لكنها كانت ترفض دائماً ، وعندما ظهرت لحن و شعرت بأنه يحبها خطبتها لكي يذوق ما أذاقني إياه لأكثر من سنة ، كان غضبي منه يزداد يوماً بعد يوم كلما اقترب موعد الزفاف ،

و في صباح زفافه ذهبت إلى ساره بصور لرامي مع لحن كنت قد التقطتها لهما دون أن يعلما وأخبرتها بأنه سيتزوج لحن عليها لعلها تتركه ، ولكنها تعاملت بهدوء و طردتني ، لم أكن أعلم أبداً بأن تلك الصور ستجعلها تُجن و تقتله ، تركتها يومها  و ذهبت لاستعد مع صديقي لزفافه ، و لكنني كنت اغلي من الداخل ، فوضعت له مقداراً ضئيلاً من السم بداخل العصير دون أن أفكر في عواقب تلك الفعلة ، و ذلك كل ما حدث يا سيدي.

 
مرت خمس سنوات ، تزوجت رجلاً أخر و أنجبت منه طفلتان ، و حتى الأن لا أعلم من منا الجاني و من الضحية ، أم كنا جميعاً ضحايا الحب ؟.
النهاية ……. 

تاريخ النشر : 2020-12-01

مقالات ذات صلة

19 Comments
Inline Feedbacks
شاهد جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى