أدب الرعب والعام

عقوق ابن

بقلم : النصيري – مصر

يضحك مردداً بشماتة : هكذا أنت لا ينفع معك إلا القسوة والعنف
يضحك مردداً بشماتة : هكذا أنت لا ينفع معك إلا القسوة والعنف

جلس رأفت علام على قارعة الطريق لا يشعر بما حوله ، فهو مهموماً باكياً بحرقة ، من الصعب بكاء رجل مسن طاعن في الشيخوخة .

 أثار ذلك فضول المارة ، ما الذي يبكي هذا الرجل ؟ البعض نظر إليه في عجالة وأشار إليه بعطف منصرفاً عنه ، و البعض الأخر و معظمهم من الشباب اقتربوا منه يسألوه عم ألم به ؟ و كان سؤالهم هذا هو الوقود الذي جعله يزيد من البكاء والنشيج ، إلا أنه توقف برهة ليرد عليهم بصوت متقطع ، هل يفصح لهم عم حدث ، أم يطوي ألمه بين جنبيه و يخبرهم بشيء أخر ليصرفهم عنه ؟.

و فضّل الرجل أن يصرفهم بأن الأمر لا شيء . عرضوا عليه بتوصيله إلى منزله ، و لكنه رفض شاكراً لهم ، و لكن ما الذي حدث له و جعله يبكي بحرقة ؟ هذا الرجل كان يعمل مساعد أول في جهاز الشرطة الذي يُعرف لدي العوام ( برتبة صول) ، أنجب من الأبناء ثلاثة ذكور و ابنتين ، زوجهم جميعاً إلا الابن الأصغر وتوفيت زوجته . لم يمر علي زواج ابنته الكبرى خمس سنوات حتى توفي زوجها تاركاً لها ثلاثة أطفال ، لم يترك لهم ما تنفق به عليهم و لم يكن من أهله له القدرة على تربيتهم ، فلم تجد إلا بيت والدها تلجأ اليه ليرعاهم ، ليست المشكلة هنا فالأمر هين ،

المشكلة في أبنه كرم ، هو عاطل  ليس لأنه لم يجد عملاً و إنما لأنه لا يحب أن يعمل ، على الرغم أنه يتمتع بجسد قوي وصحة يُحسد عليها ، فإذا عُرض عليه عمل رفضه بحجة أنه عمل حقير لا يليق به ، و كان يستولي على معاش والده عنوة و لم يبقي له شيء ينفق منه ، حاول مرة أن يمنعه أو يأخذ جزءاً من راتبه ، لم يقبل ذلك و استولى عليه بالقوة ، قام بدفعه بقوة فأسقطه على الأرض ، أصبح الرجل في مأزق ، من يتحمل نفقات أحفاده و مصاريفه ؟ هل يتسول الناس ؟ أم يبحث عن عمل ؟ و لكن أي عمل يصلح له و قد بلغ من العمر أرذله و أعتلت صحته ؟. ذات صباح فتح الرجل الباب ليجد إعلان من قسم الشرطة يستدعيه فوراً ، حاول أن يستفسر من المحضر فلم يجد إجابة ، عرف أخيراً أمام الضابط المسئول بأن أبنه قدم فيه شكوى مضمونها أن والده يرفض الأنفاق عليه و يحاول طرده من المنزل ،

 طلب الضابط منه أن يجيب و يدفع عن نفسه التهمة و ذلك في محضر رسمي ، شلت الصدمة تفكيره وأخذ يردد كلمة تهمة ، موجهاً سؤاله للضابط : أي تهمة ؟ يا سيدي لقد عملت بالشرطة أربعين عاماً ، كنت أحرم نفسي من كل شيء حتى أوفر لهم ما يحتاجونه ، الضابط بصوت غليظ يخلوا من الرحمة بهذا الشيخ الضعيف : ألم يكن أبنك ؟ يجيب منكسر النفس : نعم يا سيدي ،  أذن من ينفق عليه يا رجل ؟ وهو مازال قاصراً ، حاول الرجل أن يرد و لكن الضابط لم فيعطه الفرصة قائلاً له بصوت حازم : أذهب يا رجل أنت وأبنك و إلا أحيلك للنيابة .

 خرج منكسراً فاقد الإحساس بمن حوله ، لا يرى إلا أبنه وهو يضحك مردداً بشماتة : هكذا أنت لا ينفع معك إلا القسوة والعنف ، تعثرت قدماه وسقط مغشياً عليه طلب ، أحد المارة الإسعاف ، و بعد توقيع الكشف عليه وجد أنه فارق الحياة كمداً وحزناً علي ما ناله من جزاء من أبنه.

النهاية …..

تاريخ النشر : 2021-09-12

مقالات ذات صلة

11 Comments
Inline Feedbacks
شاهد جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى