أدب الرعب والعام

عهد الدماء

بقلم : رنا رشاد – المغرب

تمتلئ المرآة بالدماء و تخرج أمرأة منها
تمتلئ المرآة بالدماء و تخرج أمرأة منها

 

بشرود حدقت صفية إلى أبنها الباكي ولم تحرك ساكناً لمسح دموعه كعادتها أو تخفيف ألمه ، كانت بعالم أخر بعيداً عنه تماماً ، وعيناها الواسعتان استقرتا على مجموعة من أوراق الرسم البيضاء التي كررت فوقها رسمة سوداء مرعبة .

عقلها غائب يحاول فك رموز تلك الرسوم المرعبة ، فهي كأم لن تقبل بتحليلات المعلمة منال ، و التي أشادت و أقرت بأن طفلها يعاني من مرض نفسي خطير هو الجنون !  نعم ، فلذة كبدها و وحيدها نُعت بالجنون و هو لم يتجاوز خريفه الخامس ، و هي لن تقبل بذلك  أبداً !.

لكن ماذا عن تلك الرسمة المرعبة التي لا ينفك عن تكريرها كلما لمست يداه أقلامه ؟ في الأوراق ، في جهازه اللوحي ، فوق مكتبه ، و في الرمل ، أنها بكل مكان تحيطه من كل جانب و كأن شخصاً ما يدفعه ليرسمها غصباً عنه ، لقد احتلته و ملكت كيانه فطردت كل شيء من عقله الفتي سواها .

أنه يصر على أن هناك ثلاث فتيات يعشن داخل المرآة يحدقن به كلما مر من الرواق متوجهاً نحو روضته ، كما أنه أقر بأن هناك  أمرأة بشعر أحمر تزوره في أحلامه و بيدها سكين يقطر دماً و تناديه : ولدي !.

أنها لم تعلّم طفلها الصغير الكذب و هو لا يكذب ، و لكنها تأبى أن تصدقه ، و عقلها يرفض بشكل قاطع نسب الجنون اليه .

حركت صفية عيناها الذابلتان نحو صغيرها لكنها لم تجد له أثراً ،  فخفق قلبها برعب ليس له مثيل و نهضت من فورها تبحث عنه بجنون بين أروقة المنزل و غرفها مناديه أسمه بكل حرقة .

– حسام … حسام …. أين أنت يا صغيري ؟.

وجدته أخيراً واقفاً في الظلام يحدق بتركيز في مرآة بيضاوية الشكل و مؤطرة بإطار فضي لامع ، نعم أنها المرآة الملعونة ، بخطى مترددة اقتربت منه و انحنت إلى مستواه :

– ماذا تفعل يا صغيري ؟.

أشار نحو المرآة قائلاً :

– كانوا ينادونني .

 

سقط قلبها بين قدميها وهطلت دموعها مدراراً غير أنها تمالكت نفسها و نهضت بحزم ناوية إزالة تلك المرآة من حائط منزلها للابد ، لكنها ما أن قابلت سطح المرأة المصقول بعينيها حتى خُيّل اليها ثلاثة أشباح سوداء تتهادى ببطء وتقترب من السطح لتحتله في غمضة عين ، بحركة غريزية تراجعت صفية للوراء ممسكة بيد طفلها و حين اتضحت لها صورة ثلاث فتيات في المرأة ضمته إلى صدرها بقوة لتحميه من أي خطر قادم .

بصوت ضعيف منهك قالت إحداهن :

– أرجوك ارحمينا … أرأفي بنا و أخرجينا.

أجابتها صفية بصوت مهتز :

– من انتن ؟.

– نحن ثلاث فتيات مغتربات فرقتنا الدماء وجمعتنا المخاطر في مرآة واحدة فبتنا أخوات.

تجمعت قطرات العرق اللامعة على جبين صفية و تساقطت على شعر أبنها الفحمي ، فيما سارعت للقول :

 

– لا أفهم .. كيف دخلتن مرآتي ؟.

تقدمت فتاة أخرى :

– لقد أدعينا الشجاعة و اتصفنا بالجبن ، فتحدينا ملكة الدماء لنصبح خادمات لها.

عيل صبر صفية من كل تلك الألغاز فصرخت :

– كفى .. كيف أخرجكن ؟.

تبادلن نظرات غامضة و قلن:

– قفي في الظلام وتجردي من الخوف  و رددي عهد الدماء.

ثم اختفت الفتيات و عادت المرآة لطبيعتها ، فيما ارتعدت صفية و الكلمات ترن بعقلها طويلاً ، لقد فهمت الأن.

تلك الليلة في ظلمة الرواق و قرب المرآة الملعونة أشعلت صفية شمعة حمراء و نادت الاسم المحرم ثلاث مرات – ماري الدموية – لتمتلئ المرآة بالدماء و تخرج أمرأة منها ، أمرأة بسكين دامي و شعر أحمر ، و همست بفحيح قرب أذنها :

– أبني ..

 

لم تقوى على الكلام ، على الاعتراض ، فهي التي مارست السحر لتستدعي أقوى ساحرات القرن التاسع عشر لتوقع زوجها الحبيب في شراكها ، أخبرتها أن الثمن سيكون غالي ،  لكنها تغاضت عن العواقب ، حين رأت الفتيات الثلاث يخرجن من المرآة مبتهجات ليسحبن حسام نحو المرآة أكتفت بإشاحه بصرها عنه و دموعها تسقط مدراراً لتحتضنه المرآة و هو يصرخ و تبتلعهما المرآة معاً ، ثم انكسرت إلى أشلاء و توقف الصراخ والهمس إلى الأبد ، و قد حصلت الساحرة أخيراً على رضيعها المزعوم.

حين سمعت صفية صوت زوجها ينادي وقفت أمامه ممسكة بقطعة زجاج حادة ، و حين وقعت في أحضانه محتضره و هو يصرخ بها خائفاً ، همست :

– أنا أسفة..

النهاية……

تاريخ النشر : 2020-12-05

رنا رشاد

المغرب

مقالات ذات صلة

13 Comments
Inline Feedbacks
شاهد جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى