تجارب ومواقف غريبة

في تلك الغرفة شيطان!

بقلم : رانيا أحمد – مصر

منذ عدة سنوات قمت بكتابة مقال هنا يحكي عن منزل طفولتي الذي كان وظل مسكونا ، منزلا ارتكز في أعماقي حتى اليوم وحتى بعد رحيل تخطى العشرة سنوات بكثير، منزل لم أكن فيه طبيبة ولم أكن فيه كاتبة كنت فقط طفلة وشابة تخرج إلى أولى خطوات الحياة الحقيقية، ثم رحلت عنه وعدت إلى بلدي الحبيب مصرحيث بدأت أتحول من من طالبة مدرسية إلى طالبة جامعية أكل راحتها الطب أكلا ، ولكن اليوم أعود .. أعود لأحكي لكم قصة جديدة، قصة لمنزل آخر لم يكن أشد ميلا للطبيعة عن ذاك، منزلا انتقلت اليه لعدة شهور وكانت كافية لأحزم ما تبقى من شجاعتي واحتمالي واهرب، اليوم أنا طبيبة وكاتبة.. كاتبة قصص فانتازيا ورعب فلا تتهمني بالكذب والخيال عندما أقول لك أنني جئت اليوم لأحكي قصة رعب حقيقية حدثت لكاتبة رعب ومستمعة رعب جيدة لا كاتبة رعب تحكي قصص مخيلتها صدقني.

دعني أخبرك بما حدث ولك الحكم ، لك كامل الحرية في التصديق أو التكذيب، قد أكون ملاحقة بالمنازل المخترقة من حياة الأرض الأولى، قد أكون سيئة الحظ أو أن ذلك العالم يلمس في نفسي شيئا أجهله!، لا اعلم ولا أريد أن أفهم كثيرا لما ، كل ما أعرفه ان ذلك يحدث أو ذلك حدث وإليك قصة صغيرة أرعبتني وقعت منذ ثلاثة أعوام من الآن ..

في العام 2019 انتقلت إلى شقة جديدة كليا حيث كنت أنا أول من يسكنها، كانت شقة متسعة كبيرة لها غرف واسعة راقية وثلاثة دورات مياة أحدها يختص بغرفة نومي أنا، منزلا هادئ متسع جديد ونظيف وهو كل ما تتمنى أن تحصل فيه على صمت طويل لأفكارك وهواجسك وأوجاعك، كنت مرحبة بفكرة الانتقال وارى أن العالم سيكون أفضل يوما بمجرد أن تصمت أفكاري قليلا في هذا الهدوء الجديد.

ومضت مرحلة انتقالي سريعا ، وفي لحظة وجدت نفسي أمام المكان الجديد فاردا ذراعيه ليلتقطني داخله، ودخلت الى المنزل وأنا ارمق الشقة الممتلئه بالأثاث للمرة الأولى ولكن.. لما انتابتني رهبة غريبة تلك المرة!، تلك الشقة كنت أزورها يوميا وانقل أشيائي اليها بكل ارتياح أما اليوم وأنا فيها بكاملي بلا مهرب أشعر بضيق وخوف ورعشة تسربت إلى قلبي لا افهمها!، شيئا غريبا دخل إلى ذهني وأنا أحدق من مكاني إلى الغرفة على امتداد بصري للحظات وحدس تلقائي يرن في سمعي ألا أقربها!، كان إحساسي في تلك اللحظات مريبا ولكني كنت أهاجمه بالطرد من ذهني محاولة أن أسميها وساوس لامنطقية لساكن جديد لمكان مختلف لم يتآلف معه بعد، أصررت أن أنطلق كاسرة خوفي وأدخل غرفتي متجاهلة حدسي الصاخب الذي لم يفعل بي ذلك من قبل بهذا الشكل، وخطوت أولى خطواتي للغرفة وحينها دبت قشعريرة وقبضة في قلبي جديدة أطاحت بسوء ظني في حدسي نهائيا، كنت أقف داخل الغرفة وينتابني شعور أن كارثة ستحدث لي هنا!.. في تلك الغرفة، قرأت آيات من القرآن الكريم طردت تلك الأفكار المرعبة عن رأسي أو لو أردت الحقيقة أسكنتها جانبا وهدأتها لوقت ليس إلا.

1) لا أنام

مرت ليال لي في هذا المنزل، ولك أن تفهم أن في كل ليلة لا أنام!، عندما أضع رأسي على وسادتي كل يوم لا أنام مهما كان جسدي محتلا بالاجهاد ، لم أنم ولا ليلة واحدة في تلك الغرفة.. بل عندما أخرج إلى غرفة الجلوس وأجلس على الأريكة أغط في نوم عميق، مع أيامي في تلك الشقة كنت أتأكد أن النوم يهرب مني كلما اقتربت من غرفتي اما ما دون ذلك فلا ولم أكن أفهم لما ، وفي إحدى الليالي كنت وحدي بالمنزل لا أحد من أسرتي موجود وشيئا قويا يضرب في صدري ويخبرني أن المكان ليس آمن ، ذات الشعور الذي انتابني في الليلة الأولى كان ينتزعني نزعا من نفسي ولا افهم، عيناي كانت تقف محدقة طويلا على امتداد الممر للغرفة المضاءة وأشعر ان هناك شرا بها، وللمرة الثانية يخونني ذكائي وتستفزني شجاعتي بأن أقفز إلى الغرفة واكسر حواجز وهمي نهائيا وهذا مافعلته للأٍسف، لقد دخلت الى غرفتي وبدأت في إخراج ملابسي من الخزانة وبدأ قلبي ينبض بقوة وأنفاسي تثقل وللحظة بدأت استمع إلى أنفاس أخرى في الغرفة!، ابتلعت ريقي وأخذت أتجول بعيناي فيها ولم أجد شيئ، ولكن عاد الصوت مجددا في زاوية محددة .. تلك الزاوية التي تقترب من دورة المياة الخاصة بالغرفة، صوتا لأنفاس مرتفع ثم صوتا يناديني شخصيا بصوت خفيض!، لم أشعر سوى بجسدي يهرب ويركض بكل قوته، كنت مرتعبة واهرب من تلك الغرفة بفزع حتى توقفت في غرفة الجلوس وانا اتنقل بين قنوات التل فاز باحثة عن قناة تذيع القرآن الكريم حتى وجدت واحدة منها وقمت برفع الصوت إلى أقصاه وعيناي معلقة نحو الغرفة هناك وكأن الوحوش جميعها تنتظرني فيها.

ليال وليال تمر كنت فيها قد تعرفت إلى سر طمأنينة أي مكان، كانت سورة البقرة رفيقي في كل لحظة أنفرد فيها وحدي، عندما اتواجد بالمنزل وحيدة اضغط زر هاتفي النقال على سورة البقرة بصوت عبدالباسط فاشعر بطمأنينة وسكون وارتياح حتى انني اعتدت غرفتي ذاتها بالرغم من فشلي النوم فيها حتى الآن، في تلك الفترة كنت انقطعت كليا عن كتابة أو سماع اي قصة رعب، قبل انتقالي حتى لتلك الشقة كنت معتزلة كل مايخص العالم الآخر ولا أبحث فيه ولا اسمع عنه، كان الجميع يخبرني أن مجرد قراءة أو كتابة الرعب يصنع للمخاوف وجوها.. ويدب في الأوهام روحا وقد صدقتهم وقتها وحققت نصيحتهم وابتعدت لسنة كاملة!

لذا فقد كان انتقالي لتلك الشقة بداية مخاوف أخرى لم تتدخل فيها مخيلتي التي أخبروني عنها بل رسمتها الحقيقة كاملة، الحقيقة التي حولت قصتي في هذا المنزل من قصة كاتبة رعب منسحبة إلى كاتبة رعب غرست أظافرها في قصة منزل مسكون رغما عنها!

2) الأحلام

وفي يوم ما كنت نائمة على أريكتي في غرفة الجلوس كالعادة وصوت القرآن يعلو من هاتفي القريب مني، كنت أشاهد من موضعي وكأني في حالة بين الحلم الواعي أشخاص كثر يتحركون ويأتون من غرفتي نحوي ولكنهم يتوقفون فجأة على مسافة مني ولايستطيعون الاقتراب أكثر، كانوا كبار الأعين وكأن أعينهم دائرية وينظرون نحوي بغضب وانا أراهم تماما وأرى جسدي النائم على الأريكة في نفس موضعي ولا أتحرك، وعندما أفقت من الحلم التزمت صمت ، كنت أتساءل أهذا حلم أم حقيقة فقد بدأت أشعر بالاختلاط بين الاثنين مؤخرا!، وحلم آخر أتى لينضم للأخير ويشابهه في الغرابة، كنت أشاهد في نومي جسدي النائم على الأريكة للمرة الثانية وهو يشاهد رجلا عجوز يخرج من غرفتي متكأ على عصا طويلة ويرتدي قبعة كبيرة وسروال قصير متسع ويسير بحركة غير متوازنة ومخيفة ليقف على مسافة مني مجددا ولا يستطيع الاقتراب .. ثم يقفز على باب الشقة ويخرج وفي تلك اللحظة يظلم المكان تماما!

3) قطتي

الأحلام كانت متجددة وكثيرة، وكنت وقتها أفهم ان ذلك حقيقي ولكن الله يحميني، وعندما جلب إلي أحدهم قطة كانت تلك القطة غريبة الأطوار، تجلس لساعات وهي ترمق الغرفة من بعيد فاشعر بالخوف!، تختفي احيانا وابحث عنها مطولا ثم تأتي من تلقاء نفسها من مكان بحثت فيه كثيرا من قبل!، كانت تلك القطة لا تسمع .. صماء ، وكانت متعلقة بي بشكل يتعجب منه الجميع لأنه على غير عادتها، وفي أحد الأيام كان المنزل فارغا وكنت بالخارج وعند عودتي اكتشفت ان الكهرباء قد قطعت فدخلت المنزل على ضوء كشاف هاتفي باحثة عن القطة وأصابتني قشعريرة عندما وجدت عينا القطة حمراء تماما!، استعذت بالله من الشيطان الرجيم ولم أعطي الموضوع اهتماما نظرا لمعرفتي بأن انعكاس الضوء على عين القطط ربما ان له دور في ذلك.

وفي يوما ما حدث شيء غريب، كنت في غرفتي اخرج بعض ملابسي وقطعت الكهرباء!،ولسوء حظي كان هاتفي النقال بالخارج والمسافة للخروج الى هناك طويلة خاصة في الظلام، وقبل ان أفكر في كل هذا سمعت صوت القطة تقف أمام غرفتي، كانت تصدر صوتا غريبا وكأنها تناديني!.. وخرجت بالفعل لأجدها بانتظاري لتبدأ بالسير وانا خلفها، كانت تسير قليلا ثم تنظر للخلف لتتأكد اني خلفها ثم تعاود السير مجددا!، شعرت في تلك اللحظة ان القطة ترشدني للخروج .. وكأنها تنقذني!

4) دماء واختفاء

اما عن الغرفة فدعني أحدثك عما حدث فيها طيلة تلك المدة، دعني ابدأ الحديث لك بقطرتين من الدم بين وسادتي على السرير!، نعم .. لقد وجدت قطرتين طازجتين من الدماء على سريري ولا اعلم من أين أتوا وكيف!.. قطرتين صغيرتين بين الوسادتين على سريري، وحتى اليوم .. لو أمسكت بملاءات سريري لوجدت بقعا من الدماء لا أفهم من أين أتت!

وفي ليلة ما كنت أجلس في غرفة الجلوس وارتفعت بنظري على الجدار المقابل لي لأجد شيئا غريبا!، لقد وجدت على ارتفاع من الجدار وعلى مقربة السقف كفا مطبوعا واضحا!

ليس هذا وحسب، لقد بدأت أغراضي بالإختفاء، وكان أكثر ما تعجبت لإختفاءه هو سلسلة ذهبية على شكل فراشة، اختفت تلك السلسلة وكنت أبحث عنها بضراوة وعقلي كان يقاتلني، كانت في عنقي وفجأة اختفت ولا اثر لها كليا فكيف حدث هذا، كنت ابحث حتى يئست تماما من إيجادها ، وعندما خرجت من هذا المنزل وعدت لمنزلي القديم اخذت ابحث مجددا ولم أجدها، وفي ليلة ما فتحت احد العلب لأجد السلسلة أمامي مباشرة!.. تلك العلبة التي بحثت فيها الف مرة اجد على سطحها السلسال وكأنه وضع للتو!


5) الليلة المرعبة الأخيرة

لقد رأيت في هذا المنزل الكثير مما حرك في قلبي ذكرياتي القديمة مع منزل طفولتي، وكنت أدرك ان الأمر لم يعد وساوس ولم يعد أوهام، كما أدركت أن كتابتي عن الخوارق لم تكن سببا بل الخوارق التي عاصرتها هي السبب في خلق شغفي وليس العكس.

وفي ليلتي الأخيرة كنت أشعر بمشاعر حدسي الأول أن شيئا سيئا هنا لا تقربي الغرفة، وكنت احاول النوم على سريري، احاول ان اغلق عيناي وارتاح من تعبي الشديد، لقد سئمت أريكتي الضيقة ونومي المشرد واريد ان انام يوما واحدا هنا.

تحصنت قبل استلقائي على السرير ولم يلتقطني النوم فأخذ ذهني يلتقط الأفكار ويراجع اليوم وما مر فيه، واثناء التفاتي انتفضت فزعا وانا اميز ان شخصا يقف بجوار سريري!، كيانا طويلا يشبه الدخان الأسود يقف بالقرب من السرير يراقبني وعندما رأيته اختفى!، كدت اسقط من الرعب واخذت اردد كل ما احفظه من الآيات وركضت خارج تلك الغرفة اللعينة وانا انوي الرحيل بلا رجعة.

وها أنا .. ها أنا خارج الغرفة وخارج الشقة، اليوم بعد ثلاث سنوات احكي قصة أرعبتني أنا مع منزل عجيب اختفت فيه أشياء كثيرة ووجدتها اثناء خروجي منه وبعد خروجي!، وكان ما أكتشفته ان جميع من كانوا بالمنزل ومن زارني فيه كان يشعر ان المنزل مقبض، ولكن الأحداث والرعب فيه كان يكمن في غرفتي، وكأنها هي من تبدأ الشر وهي ما ينتهي عندها!، والغريب في الأمر ان حتى يومنا هذا أخاف من الخزانة التي امام سريري!، لا اعلم سببا حقيقيا لخوفي ولكني اخافها، اخافها من ذلك اليوم الذي وضعت فيه بداخل تلك الغرفة امامي ..وكثيرا ما أغطيها قبل ان انام ليطمئن قلبي.

وفي نهاية قصتي أردت ان أخبر الجميع ان في ذلك المنزل ولد خوفا جديد يتخطى قلمي ودراستي وموهبتي ولم تكن مخيلتي حاملة فيه الذنب، هو فقط خوف.. خوفا أكتبه اليوم لأتخلص منه لأني أقوى منه بالفعل، وكل ما يتبقى منه ذكرى.. وبضع بقع من الدماء ومفقودات تعود ، لقد تخطيته.. والله خير الحافظين.

تحياتي
د.رانيا أحمد

مقالات ذات صلة

50 Comments
Inline Feedbacks
شاهد جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى