أدب الرعب والعام

قميص الجان

بقلم : عطعوط – اليمن

أُصيب بذهول تام ، فقد كان هذا الحمار يفهم لغة الكلام
أُصيب بذهول تام ، فقد كان هذا الحمار يفهم لغة الكلام

شديد الغباء ، كثير الجفاء  ، فاقد الذكاء ، نبش قبور الجان في داره فتشوشت  أفكاره ، فلم يكن هناك فرق بينه و بين حماره ، أنه فرج  ، في حقبة ذي نواس الحميري ، عاش قبل دخول الأحباش ، أكل العلق فزال عن جسده الشعر و البهق ، شرب دم الخفاش فشفُي من الرعاش ، اليكم روايته و سيرة حياته.

بعد زواجه بسعاد اعترته العِزة فتثاقل نفسه لمكوثه عند أهل زوجته ، بحث عن موضع  يبني فيه دار ، لف و طاف و في نهاية المطاف عثر على خرائب كثيرة الأحجار ، وجد داخلها حمار فعرف به فلم يُعرف له صاحب ، استأنسه فكان يمشي خلفه أينما ذهب كان خلفه ذاهب ، استغرب فرج و أُصيب بذهول تام ، فقد كان هذا الحمار يفهم لغة الكلام ، فأسماه دندار .
فإن قال له سير سار ، و إن نادى عليه تعال يا دندار حضر أمامه في الحال.
كذلك الحال إذا نصب أمامه الكف توقف ، و إن أشار إليه بالإصبع آتى و أسرع ، فكان خليله لا يفارقه ليله و نهاره ، فقُرن أسمه باسمه و كأنه صفة من صفاته أو نعت من نعوته بحمار فرج ، فاذا ظهر الحمار قالوا أتى فرج ، حتى لو لم يكن قد ظهر فرج.

أنهمك فرج في التفكير والتدبير فاستقر رأيه أن يبني داره في هذه الخربة .
عمل ليل نهار في حفر الأساس و رفع الأحجار و قلع الأشجار.
أحضر العمال فضل فترة زمن شغال ، أكمل البناء فشيد و أحضر الأخشاب و الحديد ، فنجر و حدد ، سقف السقف  و  ركب الأبواب ، ذبح كبش أسود فديه و على العتبة أسال دمه ، سكن فرج و سعاد الدار و ثالثهما الحمار ، أحس فرج بأرضية احدى الغرف ترتج ، أخبر سُعاد فحضرت و بقدميها دقت ، فأحست بتجويف يحدث رجفة .

قالت : لعلها أحجار متشابكة ،  سنتجاهل ذلك الأمر و نتركه .
في احدى الليال سمع فرج ضجيج أصوات ، فقرص سُعاد عدة قرصات ، استيقظت فهمس في إذنها فتنصتا فعثرا على مصدر الضوضاء ، تنبعث من غرفة التجويف ،خافا فعادا للرقاد في الحال ، تكرر ذلك عدة ليال .
قال : سندخِل الحمار الغرفة و نراقب ما يحدث له.
فأيقظهما نهيق الحمار الشديد المتكرر و رفسه المتسارع  و وثوبه المتعثر.
فذهبا و فتحا له الباب بحذر ، فخرج مسرع  رافع ذيله مستنفر .
 
ارتعبت سعاد فتركت بيت زوجها و ذهبت بيت أهلها.
ظل بمفرده  يسمع ليلاً أنين و أوقاتاً طنين و أحياناً أصوت متداخلة.
و ذات يوم أحضر فرج عِتلة و بدأ بالحفر في قاع الغرفة ، بعد حفر عميق وجد تابوت ، ففتحه فشاهد داخله راجل ميت مكفن ، كاشف وجهه فاتح فمه وعينيه .
بلمح البصر انتفض الراجل من التابوت واقفاً على قدميه ، أرتعب فرج ففر و ركب حماره و ترك داره و غادر.

استقر حاله في بلدة مجاورة ، استضافه أحد السكان يُدعى بجاش ، حكى له ما جرى و كيف انتبش الميت من التابوت انتباش !.
قال بجاش : الأخبار تتناقلها الأجيال ، أن هذه الخربة التي بنيت عليها الدار ضربها زلزال فمات جميع سكانها رجال ونساء و أطفال ، فطُمروا و لم يُعثر على أجسادهم ولم يدفنوا ،
لذلك يُسمع فيها أنين وصياح و،  ليلاً تظهر فيها الأشباح.

يُقال أن من كان يزورها يعثر فيها على عظام و جماجم بشر بشكل مستمر ، و كانت هذه العظام تختفي لفترة ثم تعود من جديد فتظهر ، فهجرها الأهالي و سكنتها الأرواح ، فظلت على ذلك الحال حتى أتيت وعليها بنيت فرأيت فيها الذي رأيت .
كان لبجاش بيت واسع بباب مزدوج ، فقال : يا فرج أسكن إلى جانبي هذا البيت أنت إليه أحوج ، لي باب و لك باب و نبني بيننا حجاب ، سنزرع الحقول و نحصد المحصول فنأكل من الحول إلى الحول.

ذهب فرج فاحضر سعاد و حكى لها ما جرى ، فكذبته حسب المعتاد.
ذات يوم طلب بجاش من فرج أن يصحبه في زيارة أبنه القاضي في احدى النواحي ، فوافق في الحال فقد كان في شوق شديد للترحال ، فوصلوا و دخلوا المحكمة ! فتساءل فرج وقال :
– كيف أصبح ابنك قاضي و تبوء هذه المكانة ؟ ألا ترى كيف أن الناس تخشاه و تهابه ؟ لماذا لا ترتدي مثله ثياب  نظيفة بأكمام طويلة وتضع على رأسك عمامة ؟.

قال : أعلم يا صديقي فرج أنه كان حمار أحمق ، فأرسلته إلى الفقيه درسه المعاني و نظم الحروف و القوافي ، و بعد شهرين صار كما ترى قاضي.
يجزل علينا بالنعم و يفرج عننا الهم ، و كان حالنا قبل ذلك عدم.
(  كان قصد بجاش أن ابنه كان كالحمار لا يفهم ، بينما ذهب فكر فرج إلى أنه كان حمار حقيقي وعندما درسه الفقيه صار قاضي ) نظر فرج إلى القاضي و دقق النظر عله يرى للحمار عليه أثر.

أنتظر بجاش و فرج لساعات حتى فرغ القاضي من نظر الخصومات و حسم النزاعات فنزل من المنصة و أمام أبيه طأطأ رأسه فحياه بازهى العبارات و أنهال على رأسه بالقبلات ، فعرّفه على صديقه فرج ، فصافحه بحرارة.

ثم صحبهما و قام بواجب الضيافة ، و عند المغادرة اجزل عليهم العطايا و أثقلهم بالهدايا ، و أثناء الطريق قال فرج : من فضلك دلني على عنوان الفقيه أدفع اليه بحماري يقريه ؟.
وصل فرج داره و حط هداياه و أطماره ، نظر إلى الحوش فاطمأن على حماره.
قالت سعاد : زوجي العزيز أتيت بغير المعتاد تحمل الهدايا والزاد ، هل قمت بسرقة تاجر أم قطعت طريق مسافر ؟ تعودتك تعود مثلما تغادر.

جلس فرج و بعينيه إلى سعاد حدق ، شرح لها قصة بجاش و كيف تغير عيشه والمعاش ، و أن بجاش كان لديه حمار مثل حماري ، أرسله إلى الفقيه تعلم العلم فصار قاضي في احدى النواحي ، هو من أعطانا العطايا و بالهدايا حملنا ، بعد أن أضافنا فأكرمنا.
وضعت سُعاد يدها على جبينه فقالت: لا حمى لديك و لا سخونة ، هل تعي ما تقول ؟ أنه هذيان لا تستوعبه العقول !.
 
قال فرج : يا سُعاد ، بعد أن صحبت بجاش في عدة رحلات تعلمت منه التجارب واكتسبت المهارات فلم أعد فرج الغبي الأحمق الذي فتح الأقفال و ساعد السرق.
قالت : سبحان مغير الأحوال في كل الأوقات !

هل نسيت أنك ذريت الحقل بملح الطعام فجلست شهرين تنتظر ظهور النبات ، نسيت أنك تركت البقرة و حلبت الثور و وضعت على الرماد البخور ؟ تذكر ليلة الدخُلة كيف أكلت العجين و قطعت كفك بالسكين حماية من الشياطين ، نيست أنك حسبت النحل ذباب فهشيتها فهجمت عليك فأضحى وجهك منفوخ كطبل الرباب ؟.

أليس أنت من طبخ الجبن على النار و ظن الأرنب فار ، ألم تلبس على كفيك الخفين و مشيت حافي القدمين ، هل أصبحت صاحب أفكار و أنا أعهدك طبل وطار ؟.
غضب فرج من سعاد غضب شديد بعد أن عيرته بماضيه العتيد ، فقال : يا سعاد ، هل تعلمي أن التكرار يعلم الحمار ؟.
أجدر بك أن تفخر و تتباهي بتنامي مواهبي و ذكائي.
قالت سعاد: أسمعني وأمتعني يا فرجي.

قال: لدينا حمار جميل و قد أصبح عبئ ثقيل ، فنحن نزرع الشعير ضمن المزارعين و بعد أن نحصده يأكله الحمار من حين إلى حين و بالتالي نحن غير مستفيدين ، سنرسل الحمار إلى الفقيه يدرسه و يقريه فيصير قاضي في احدى النواحي ، تتغير أحوالنا والمعاش أسوة ببجاش.
ضحكت سعاد ضحك شديد ، فقالت: يا فرج اكتسبت غباء فوق غباء فأضحيت عِلة وبلاء.
لم يعير لكلام سعاد اهتمام فذهب إلى الفقيه يعرض عليه قبول حماره بين طلابه.

وصل إلى الفقيه منتصف النهار فوجده في منتصف حلقة و الطلاب حوله ، و بعد أن القى السلام ، قال : يا فقيهنا الكبير هل كان كل هؤلاء الطلاب حمير ؟.
غضب الفقيه لكلامه فنهض من مجلسه وعلى ظهر فرج حط خيزرانته ، فأغار عليه الطلاب فلاذ بالفرار بعد أن انهالت عليه الأحجار.
وصل إلى سعاد جريح و دماه تسيح من أعقابه و مرافقه وهو يتألم ويصيح.
سألته : عمٌن أدماه و مزق ثيابه من قفاه ؟.
قال :  أنه الفقيه و طلابه .
ضحكت سعاد ضحك مميت فقالت: لو كنت أنت بدل حمارك قريت.
مرت الأيام….
لم يغيب عن ذهن سعاد ما حدث في دارهم القديم.
قالت: لنعود ربما نعثر على كنز في التابوت.
 وافق فرج ، فنادى دندار فحضر، امتطاه  و ذهبا
، فدخلا الدار مرعوبين متماسكين ، شاهدا الغرفة مفتوحة فلم يجدا فيها حفرة و لا تابوت ، عدى روث الحمار مفتوت.
 
قالت: إلى متى ستظل يا فرج كذاب ؟.
فخرجا  وعند الباب وجدا بومة وغراب ، حطت البومة على ظهر الغراب فطار بها و حط في النافذة ، فدخلت البومة بينما طار الغراب.
 
فرج عاد للداخل و بقيت سعاد في الخارج ، فوجد في الغرفة عروسة تزفها الجواري من غرفة إلى غرفة ، فدخل فزف مع الزافات و رجف مع الراجفات و عزف مع العازفات فطابت لديه الأوقات.

انتظرت سعاد خروج فرج فملت ، فدخلت فوجدت غرف الدار مليئة بالقطط و الفئران  في حالة مطاردة مرعبة في الزوايا والجدران ، وبينهن يقف حمار عديم الشفتان بارز الأسنان متدلي اللسان ، خرجت سعاد مسرعة ، التفتت فإذا بفرج خلفها يناديها : توقفي … توقفي ، لماذا تركتي الفرح والزفاف وغادرتي ؟ كنت أناديك ، أدخلي فخرجتي.
قالت: إذاً أنت كنت الحمار ومن حولك قطط تطارد فئران ؟.

لقد أصبحت يا فرج أحد مردة الجان ، و لكن لا زلت بصورة إنسان !.
عادا خائبين متباعدين متنافرين .
رأت سعاد أن فرج لم يعد كما كان ، كأنه كائن أخر وُلد في هذا الزمان ، محيت من ذهنه كل فكرة
، لا يعلم شيء عن ماضيه ، أضحى في عالم النسيان ، حكت له سعاد عن القطط والجرذان
، أنكر ذلك و قال : إنما هن جواري وعرائس وعرسان.
يئست منه و تأكدت أنه أصيب بالخبل والجنان ، ففارقته المنام و بقيت فقط كي تحضر له الطعام.
 
في احدى الليال رأت سعاد في المنام أن دارهم القديم مليء بالعصافير والحمام ، فطلبت من زوجها أن يذهبا إلى دارهما القديم ليريا ما حل بها.

ركب فرج حماره و سارت سعاد خلفه ، قبل وصولهم لاحظا عدد كثير من الغربان البيض تحوم و تحط على سطح الدار ، ربط فرج حماره على جذع شجرة ، فتقدم نحو الباب تتبعه سعاد ، فتح و دخل فأحس بلفحة هواء و كأن شخص عبر مسرع من جواره ، توجه باتجاه غرفة التجويف و سعاد تمشي خلفه يديها على أكتافه ، فتح باب الغرفة ، كانت مظلمة فطلب من سعاد إحضار السراج و أيقاده ، بحث فرج عن العتلة والمنجل و قرر أن يبدأ العمل و أن يحفر من جديد أرضية الغرفة ،

استمر في الحفر و سعاد تساعده في نقل التراب ، فوجد غطاء دائري فانتشله ، فظهرت فتحة وسلالم نحو الأسفل معلقة ، فأعطته سعاد السراج ، نزل على السلالم  و كانت سعاد كلما نزل درجة تناديه فيجيب ، اختفى الضوء وغاب فرج عن نظرها ، فنادته فلم يرد عليها ، قلقت سعاد و حاولت النزول دون جدوى ، اعتراها خوف شديد بعد أن سمعت  ضجة من الأعماق و طرق حديد ، كررت النداء : فرج ، فلم يرد .

فخرجت مسرعة تريد أن تستنجد ، بحثت حول الدار  فلم تجد مُنجد ، عادت و دخلت البيت وهي تصيح : فرج ، فرج ، وعند اقترابها من باب الغرفة سمعت فرج يقول : أنظري يا سعاد ماذا وجدت ؟.
 
نظرت فلم ترى فرج ، كرر فرج مناداتها : انظري ماذا وجدت في البدروم.
تلفتت فلم تشاهد أحد عدى صدى صوت فرج.
صرخة و توجهت نحو الخارج بخطى متعثرة و صوت فرج يلاحقها : توقفي يا سعاد ، انتظري ، لماذا تفرين عني ؟.
 
و بعد أن خرجت من الباب وقفت في الحوش بالقرب من الحمار ، التفتت فلم تشاهد أحد..
، فإذا بصوت فرج يقترب منها أكثر فأكثر ، فقالت : أنا لا أراك ، أين أنت ؟.
قال : أنا أقف أمامك ، هل أصابك العمى ؟ خذي هذا لك.
فشاهدت كرة صغيرة في الهواء وقعت عند قدميها ، لم تجرؤ على أخذها.
قال : كيف يبدو علي هذا القميص ، أنه في غاية الجمال ، أليس كذلك ؟.
فهو لا شك محاك من جلد غزال.
 
قالت : أسمع صوتك و لا أراك .
ظن فرج أن سعاد فقدت بصرها ، انحنت سعاد و أخذت الكرة و فركتها فإذا بها لؤلؤة في غاية الجمال ، احتار فرج كيف أنها لم تراه بينما رأت اللؤلؤة.
فخلع القميص الذي يرتديه من على ظهره و وضعه على الأرض جواره  ، فانكشف سره و ظهرت صورته لسعاد .
2
 
فاستعاذت بالله من الشيطان.
فقالت : الأن ظهرت و بنت للاعيان .
أدرك فرج سر القميص ، أنحنا و لمسه  فاختفى من جديد .
فلاذت سعاد بالفرار ، بينما فرج ينادي : سعاد ، لا تخافي ، لا تخافي ، أن سبب اختفائي هو القميص ، سأضعه الأن على ظهر الحمار .
فجأة أختفى الحمار و ظهر فرج في نفس المكان.
أيقنت سعاد بما قال فرج فتوقفت عن الهرب ، فدنى منها و أقترب.
فقالت : ماذا رأيت ؟.

قال : بعد أن نزلت إلى القاع أنطفأ السراج ، فلمحت وميض في الظلام ، تقدمت نحوه فمسكت مصدرة فشع نور ، وهي هذه اللؤلؤة استنارت بها فدخلت غرفة واسعة فشاهدت عدد كبير من التوابيت ، و فوق كل تابوت قميص ، فأخذت هذا القميص من فوق أكبر تابوت و ارتديته ، مباشرة انفتحت كل التوابيت من ذات نفسها ، فشاهدت في التابوت الذي أمامي وهو الذي أخذت من فوقه القميص ، شاهدت هيكل عظمي لملك والتاج على جمجمة رأسه ، بينما بقيت التوابيت مليئة بالذهب ، وكلما مددت يدي للذهب صاح الملك : توقف ، توقف.

خرجت و دخلت غرفة أخرى فوجدتها تعج بالنمل الأحمر و في سقفها نحل يقطر العسل على قاع الغرفة من سقفها فتلتهمه النمل ، فلم أستطيع الوصول للعسل ، دخلت غرفة أخرى ،
فشاهدت أسد رابض وبين فكيه أمرأة عارية تصيح و قد أوشك أن يقصها إلى نصفين.
وعندما راني ألقاها من فمه و خر ميت ، فخرجت المرأة مسرعة و فجأة اختفت ، فمشيت في الممر ، فوجدت نفسي واقف أمام شيخ كبير جالس على مقعد فمد يده و أعطاني خمس حبات خرز و قال : احتفظ بها لوقت الحاجة … … … خُذهن إلى جانب اللؤلؤة .

أخذتهن و صعدت ، لكن لن نعود إلى هذا المكان مهما كان .
قالت سعاد : يا فرج فُك للحمار الرباط .
التفت فرج فلم يجد الحمار ، كان قد اختفى بعد أن وضع عليه القميص ، فك الرباط فشدة فوجده فارغ.
قال : أضعنا حمارنا والقميص !.
دنت الشمس من المغيب فعاد فرج و سعاد إلى البيت بعد معاناة و أهوال تشيب لها الأطفال .
 
وضعت سعاد في صندوقها الخرز و في طاقة بيتها اللؤلؤة فكانت بمثابة سراج.
فاستمر الحال و مرت الأشهر والسنوات ، حملت سعاد فأنجبت ولد و بنت توأم ، غمرتهم السعادة ، فنشاء وشباء باهتمام و رعاية ، استأذنت سعاد من فرج أن تذهب مع الأولاد لزيارة والديها ، و أثناء الطريق هجم عليهم مجموعة من قطاع الطرق ، فطلبوا من سعاد أن تتخلى عن أبنتها بعد أن سلبوهم ما بحوزتهم ، رفضت سعاد فشدوا وثاقها مع أبنها و أخذوا البنت و هموا بالمغادرة ، فنهق الحمار بعد أن أثار الغبار ، فرفس اللصوص قُطاع الطرق و مزقهم شر ممزق ، فأنقذ البنت من الاختطاف ، ففكت رباط أمها و أخيها ، فنظرت سعاد فلم تجد الحمار و كأنه فص ملح ذاب !.

طاف طائف على فرج في المنام و أنبأه بما حل بسعاد و الأولاد ، فشد الرحال فتلقاه غضنفر في منحدر فحدث بينهما كر وفر.
فظهرت أمرأة عارية اطلقت على الأسد لهب من بوق في يدها و أحرقته  فلاذ بالفرار ثم اختفت عن الأنظار.
 
وصل فرج فحكت له سعاد ما حصل ، فقص عليها ما حل به هو الأخر ، ارتعبت سعاد مما حكى لها فرج ، بينما فرج انشرح صدره لسماعة أخبار حماره ، بعد عدة أيام عادوا إلى البيت ، و أثناء الطريق سمعوا نعيق غراب و كان ينزل ويصعد ،

و فجأة ظهر  يمشي إلى جوارهم الحمار بعد أن أخذ الغراب القميص من على ظهره وطار ، تبسم فرج و مسح بيده على ظهر حماره بينما ظهرت الدهشة على وجوه أولاده و زوجته.
كان بجاش في استقبالهم بعد أن أزعجه غيابهم ، حطوا الرحال واستراحوا من عناء السفر عدة ساعات.

قال فرج : احضري اللؤلؤة والخمس خرزات نطلع الأولاد عليها ونستمتع بمنظرها.
أحضرتها ونثرتها على الأرض فالتقطها فرج ، قال : سنقسم الخرز بيننا.
فرجم بالأولى إلى سعاد فتحولت إلى صندوق.
قال: يا إلهي أنه من الصناديق الذي وجدتها في البدروم ! أفتحيه .
 فتحته فإذا هو مليء بالذهب.
قال الأولاد : أعطنا قسمنا يا أبي.

فدفع اليهم بخرزتين تحولتا إلى صندوقين في الحال.
فتحاهما على استعجال فكانا بالذهب مليئين.
قال : بقي نصيبي ، فألقى بخرزة أمامه
فصارت صندوق مليء كالصناديق السابقة.
عمت البهجة والسرور فقد انتقلوا من حال إلى حال ، من فقر مدقع إلى ثراء فاحش …
بقيت خرزة بيد فرج يقلبها
فقال: من يكون صاحبها….
نهق الحمار …

نظر اليه فرج ثم قال : هي نصيبك ، خذها ، و ألقاها أمامه ، ألتقمها الحمار فبلعها فاضطرب على الأرض ثلاث ضربات فأثار الغبار ، ثم انقشع الغبار فظهر عبد أسود وجهه يشبه وجه الأسد.
 
قال : أشكرك سيدي على تخليصي من أسري.
قالت سعاد : ألم أقلك يا فرج أنك صرت مارد من الجان ؟ الأن ظهر خُدامك والأعوان .
قال: دعينا الأن من كان و كان.
ثم التفت نحو العبد وقال: أريدك تأتيني بالبيان والبرهان عمن سجنك و قيدك و بصورة الحمار صورك ، وعن أسمك و بلدك و ديانتك ؟.
 
قال : أعلم يا سيدي أني  أدين بالإسلام ،
و أن ما جرى لي كان أشد من ضرب الحسام.
ولدت يتيم الأب فلم يكن لأمي غيري ، غمرتني بعطفها والحنان ، كانت تجوع كي أشبع و تسهر كي أنام و أهجع ، تفترش العراء و تلتحف السماء
، فتغطيني و تلفني بالرداء ، بلغت مبلغ الصبا و بدأت أتحمل الأعباء ، فكنت أذهب إلى الشعاب و أجمع القش و الأحطاب.

كان يشمئز الناس من لون بشرتي و بشاعة منظري ، فعملت أجير راعي للبعير ، فنلت من أمى رضاها والدعاء الغفير ، تاه بعير في الصحراء فتتبعت أثره
فأوصلني إلى كثيب ، فشاهدت قطيع أغنام مركومة ميتة تظهر منها أطراف والأطراف الأخرى تغمرها الرمال.

فلمحت خلف الكثيب قبو ، ذهبت إلى بابه فسمعت آنين ، كان يبدو مهجور من سنيين ، فتحت الباب المكون من سعف النخيل ، دخلت فوجدت حصير ملفوف و دلو ماء ، كنت أعاني من الظماء وعندما شممت رائحة الماء جلست القرفصاء و حضنت دلو الماء فشفطت ما فيه ثلاث شفطات ، ثم وضعته والتفت نحو الحصير كي أتبين ما بداخله و مصدر الأنين ، فوجدت داخله فتاة بين الموت والحياة…

، حاولت إيقاظها مما هي فيه من الإغماء دون جدوى ، أحضرت الدلو والقيت ما تبقى من الماء على وجهها ، فنزل مع الماء من الدلو ثعبان ميت قد تفتت منه بعض الأجزاء ، أيقنت أني هالك لا محالة ، فغرزت أحد أصابعي في البلعوم كي أتقيء ، كانت الفتاة قد استيقظت و إلي نظرت و قالت:

ليس لك مما أنت فيه شافي إلا أن تطيعني وتسمع كلامي.
فقلت : خلصيني و ستجديني طائع ولكلامك سامع.
فقامت و أخذت جعف ثم انحازت  وبالت فيه و أعطتني و قالت : أشرب إن كنت لا زلت للعيش ترغب .
فقلت : ألا يوجد غير هذا ؟.

قالت ، يوجد ،  فانحازت و تبرزت وقالت كُل و أشرب.
قُلت: نفسي تعاف هذا و لا تقوى ، هل هناك غير هذا ؟.
فأخرجت مشرط وقطعت قاع كفها و أسالت الدم على البول ، فقالت : لا تضيع الوقت ، إن لم تأكل البراز وتشرب البول و الدم ستندم حيث لا ينفع الندم ، ستموت بمجرد أن تخرج من هنا .

قُلت : الموت أهون من هذا  البلاء.
فقامت بإخراج منديل و ربطت عيناي ، ثم خرجت و بعد لحظات عادت .
فقالت : مد يدك كُل هذا ثريد خبز و لبن ناقة .
كُل حتى لو لم يكن لك به  فاقة ، إن لم تفعل بعد لحظات ستفارق الحياة.
فأكلت و بلعت مرغم ، و في اللقمة الثالثة تذوقت طعم الدم ، فنزعت من على عيني العصاب ، فضحكت و تمايلت وقالت : الآن صرت جزء مني بعد أن أكلت برازي و شربت بولي و دمي ، فلن تستطيع أن تفارقني أو تعصي أمري.

نظرت إلى ما تبقى في الجعف فإذا به براز وبول و دم ، فأكلت ما تبقى فكان حلو المذاق فقد تغيرت لدي حاسة الطعم و الاستنشاق.
فقلت: من أنتِ ولمن هذه الأغنام التي ماتت ؟.
قالت : أنا بارقة احدى بنات إم الصبيان ، و هذه الجيف والعظام طعام أخواني و أخواتي من الجان .
طلبت منها تدلني على مكان البعير ؟.
قالت : إن ما حدث لي من عياء و أغماء كان سببه البعير ، عندما راني هاج فلحق بي مسرعاً فكاد أن يفتك بي ، فدخلت القبو واختفيت عنه ، فبحث عني وعندما لم يعثر علي اتجه نحو المغارة تلك ، فتركتها و ذهبت إلي البعير أنخته فامتطيته…
و عدت من حيث أتيت…

وفي المساء اتت امي بطعام العشاء كسرة خبز و ماء ، فعافته نفسي ، فخرجت إلى الخلاء و عثرت على براز جاف و عظام جيف نخرة فأكلت منها ، ثم هممت بالعودة فظهرت أمامي تلك المرآة الملعونة فقالت : عليك أن تنام بمفردك بعيد عن أمك و تترك رعي الإبل فنحن معشر الجن نخشاها و منها ننفر.

نفذت ما طلبته فكانت تأتيني في الخلاء فيجري بيننا ما يجري بين الذكر و الأنثى.
شعرت والدتي بتغير أحوالي و عزوفي عن الطعام و الاختلاء والانفراد في المنام.
فقالت : ابني درغام ، ماذا جرى لك ؟.

أصبحت نادر الطعام قليل الكلام ، استبدلت طاعتي بعصياني ، و رضائي عنك بسخطي عليك ، و لكن اتضح لي ما أنت منه تعاني ، فاخترت لك حليلة تطعمك الطعام و تبادلك الكلام ، هي من أجمل بنات حواء ، إن حل بك الداء كانت هي الدواء.
فمسكت بيدي و ذهبت بي إلى بيت خالي
فطلبت من خالي خطبة ابنته شمس ، فوافق .

حضرت شمس بالقهوة ،  رؤيتها فأسرت ناظري و انشرح خاطري.
و في المساء حضرت بنت أم الصبيان .
فقالت: عصيت أمري و خرجت عن طوعي و خطبت غيري ، فغيرت المسار ، لذلك ستكون من الأن فصاعد حمار .
صرت حمار أبات في الخلاء و خرائب الدور ، آتي أمي و أنهق باب بيتها فتخرج إلي بدلو ماء ، وعندما ماتت مشيت خلف المشيعين و كان حزني عليها شديد ، أمضيت وقت طويل أنام جوار قبرها ، فاتت بارقة فقالت :
 
سأعيدك إلى هيئتك بشرط أن تطلق خطيبتك و تتخذني زوجتك ، رفضت طلبها فاشتد غضبها
فحذرتني و منعتني من حضور المقبرة ، فانتقلت إلى تلك الخربة فوجدتني فأنستني و أنستك . و صحبتني و صحبتك ، و ها أنت خلصتني
، و هذه حكايتي.

فهم فرج قصة حماره دندار و أشفق عليه مما جرى له وصار.
فقال: أخبرني يا دندار عن قصة الغربان والقطط و الجرذان و بدروم الجان ؟.
قال دندار: الغربان البيض هي أرواح الأطفال الذين دفنهم الزلزال ، بينما القطط والجرذان هما سكان المكان من الجان ، والبدروم فيه مخازن المردة والخدام.
قال فرج : ماذا إن ظهرت بارقة عليك الأن ؟.
قال دندار : من الأن فصاعد لم يعد لها علي سلطان بعد أن ابتلعت خرزة الشيطان فاضحت لي أمان .

قال فرج : و تلك المرأة العارية ؟.
قال دندار: هي زوجة ملك الجان كانت له عاصية
فأمر الأسد أن يعذبها باستمرار ، فخلصتها أنت فهي الأن تعيش في فروع الأشجار .
– و من الشايب الذي أعطاني الخرز؟ .
قال دندار: هو حاكم العمار ، و هو من أعطاك الأمان فلم يعد للشياطين عليك سلطان أنت و ذريتك و قرابتك والأعوان.

قال فرج : يا دندار أعلم أنك أضعت أمانتي من على ظهرك ، أين قميصي ؟.
قال دندار: صاحب التاج استعادة بعد أن لم يعد لك به حاجة ، فبعد أن وضعته على ظهري لم يعد أحد يراني أو يشعر بي ، فجُبت المزارع والحقول و أكلت أحلى الثمار و أطيب المحصول ، و في أحد الحقول أتى صاحب الحقل يطوف و يدور ، فنهقت بجواره ففر شارد بعد أن أنكب على وجهه ، فظن أن الحقل مسكون فهجره و لم يعود اليه ، و عند مرافقتي لكم في الطريق أرسل صاحب التاج غراب التقطه من على ظهري فانكشف أمري .

 سمعت سعاد ما قاله دندار فأحبته رغم بشاعة منظرة و همست في إذن فرج أن يعرض عليه الزواج من أبنتهم طنج ، انشرح خاطر دندار و ابتهج فتزوج بطنج ، فجمعوا صناديق الذهب
و بنوا القصور والقلاع و شيدوا الدور و زرعوا الحقول بكل أنواع البذور ، فانفقوا و تصدقوا و أعتقوا وكفلوا وتكفلوا وقضوا وطافوا واعتمروا وحجوا.

تذكر فرج صديقه بجاش فذهب  لزيارته في بيته ، استقبله في فناء الدار فجلسا يتجاذبان اطراف الحديث و يتناقلان الأخبار ، فحكى فرج لبجاش قصة الحمار ، ضحك بجاش ضحك شديد .

فقال : كان يجب قبل أن تذهب  إلى الفقيه أن تخبرني .
قال : طلب مني فقيه الزمان أن استعين على قضاء حوائجي  بالكتمان .
ثم طلب من فرج أن يعيد عليه حكاية القصة من جديد ، فضحك حتى استلقى على قفاه فاستمر فاتح فمه و عيناه ، انتظر فرج لبجاش حتى يستوي جالس ، لكن بجاش بقي على حاله.

اقترب فرج فطب طبه و جس نبضه فوجده قد فارق الحياة صاح فرج : بجاش مات .
حضرت سعاد
3
فحملوا  بجاش لينقلوه إلى الحكيم فتعثر فرج فألقى ببجاش من على ظهره إلى الارض ، أسرع فرج فرفع رأس بجاش فوجده يتنفس ، دلّك صدره و رشه بالماء فدبت فيه الحياة فصحى ، فطلب من فرج أن لا يعيد عليه قصة الحمار مرة أُخرى.

النهاية …..

رعى الله من قرأ و أثاب من علّق ، و أحسن إلى من نشر و دقق ، و سلم من سلم الناس لسانه و يده ، وغفر لمن سمى و أستسمى و على النبي صلى.

 
ملاحظة :
هذه القصة مستوحاة من التراث الشعبي اليمني …
 

تاريخ النشر : 2020-12-09

عطعوط

اليمن

مقالات ذات صلة

35 Comments
Inline Feedbacks
شاهد جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى