أدب الرعب والعام

كلٌّ له خطايا

بقلم : آدم بوقطف – تونس
[email protected]

بسم الله الرحمن الرحيم
“لا أقسم بهذا البلد و أنت حل بهذا البلد و والد و ما ولد لقد خلقنا الانسان في كبد “

إنبعثت هذه الآيات من جهاز الراديو القديم بصوت القارئ عبد الباسط عبد الصمد تبعث الحياة في هذا المحل الذي إنتشرت في أرجائه الكراسي القديمة و الخزائن المستعملة التي تكسوها الأغبرة , إذ قلّ شراء الناس للآثاث المستعمل , بعد ان افتُتح مصنع للاثاث في المدينة …

عدّل مصطفى صوت المذياع مستمتعا بالتلاوة بصوت قارئه المفضل , و اخذ يسير بين كراس و طاولات كُدّس بعضها فوق بعض ينفض عنها الغبار لعلها تسر الناظر فيقبل احد الزبائن على شرائها . 

حتى وقف أمام تلك المرآة التي يحيطها اطار من الخشب المنقوش بدقة و التي كان من المفترض أن يبيعها لكن لم يشترها منه أحد فعلقها على أحد جدران المحل الفارغة و أصبح يستعملها لتعديل لحيته المبعثرة بين الحين و الآخر . مرر يده على رأسه متأملا الشيب يغزو سواد شعره , و في زلة منه لعن الدهر و الأيام , فجلس على أحد الكراسي الخشبية يستغفر ربه متذكرا ان الدهر هو الله , أخرج أحد السجائر من جيبه و أخذ منه نفسا عميقا بعد أن أشعله بعود ثقاب مكسور , و أراح رأسه على ضهر الكرسي ينظر إلى سقف المحل المتداعي.
-“السلام عليكم يا صاحب المحل”
أتى هذا الصوت من خارج المحل مبشرا بدخول أحد الزبائن, فوقف مصطفى سريعا من جلسته و ذهب ناحيته مبتسما
-“و عليكم السلام و رحمة الله و بركاته, تفضل تفضل سيدي المحل محلك لدي كراسي و طاولات و خزائن بجودة عالية  فالسلع القديمة دائما  ما تكون أفضل من تلك السلع التي ينتجها هذا المصنع الجديد و انا على يقين ان اسعاري مناسبة و معقولة “
لم يجبه الرجل و ضل ينظر في أرجاء المحل حتى وقع نظره على جهاز الراديو القديم 
-“كم تريد ثمنا مقابل هذا المذياع .”
ابتسم مصطفى ابتسامة بلهاء قائلا
-“عذرا سيدي, و لكن هذا الراديو ملك لي و ليس ضمن السلع و هو عزيز على قلبي فقد ورثته عن أبي , و لكن لو أردت إرجع لي في الغد و سآتيك بمذياع جديد أحسن من هذا”
قاطعه الرجل قائلا
-“لا لا… أريد هذا المذياع سأعطيك خمسمئة دينار مقابلا له لو وافقت على بيعه “

صدم مصطفى من الثمن الذي عرضه الرجل و قد بدت عليه ملامح الدهشة واضحة و لكنه اجاب مصرّا
-” عذرا سيدي و لكن هذا المذياع ليس للبيع انا آسف ، ولكن أن أردت شراء أي غرض آخر أنا في خدمتك “. إستدار الرجل و همّ  بالخروج يجر ساقه و التي على ما يبدو ان اصابة قديمة سببت له هذا العرج  ، ولكن قبل خروجه ناداه مصطفى 
-” لحظة لحظة !! هل أعرفك ؟؟ ملامحك لا تبدو غريبة عني !”.
-” لا أظن ذلك ، ولكني كنت أقطن هذا الحي منذ زمن “
-” محمود !! هذا انت ! محمود !!”
فوجئ الرجل قائلا -” هل اعرفك !!”
– ” يا محمود هذا انا مصطفى الا تتذكرني ! لقد كنت اسكن في المنزل المجاور لمنزلكم ، الا تتذكر حين كنا نسرق حذاء ابيك من الجامع ونبيعه في السوق حتى أمسكنا ابوك و أوسعنا ضربا ؟؟ وهذا العرج في ساقك ! هذا العرج ناتج عن سقوطك من فوق مبنى الحلاق انت واخوك رحمه الله وقد توفي اثر تلك السقط والله ما عرفتك يا محمود  لقد تغيرت ! “.
-” مصطفى !!! ما الذي فعله بك الزمن يا رجل !! اصبحت شيخا قبل أوانك “.

وأخذ مصطفى يعانق محمود بحراره ويقول وإبتسامته لم تفارق وجهه
-” هو هم الدنيا الذي يكاد يقسم ظهري يا رجل ، تفضل يا محمود أدخل المحل محلك أدخل نشرب كأسا من الشاي والله اشتقت لك “.
-“مدام الشاي جاهزا سأدخل”

دخل الرجلان وجلسا وبينهما إبريق الشاي قد وضع على جمر الكانون فناول مصطفى كأس الشاي لمحمود وبادره بالسؤال قائلا  -“عيب عليك والله يا رجل كيف لك ان ترحل عن البلد دون ان تخبرني ؟ “.
-“لقد كان الأمر محض صدفة فإستعجلت بالرحيل ولم يسعني الزمن لإخبار احد .. دعك مني و أخبرني عن حالك ما الجديد ؟..ما الذي حدث بعد غيابي والله قد إنقطعت أخبارنا ولا احد يعلم احوال الاخر ” 
-” ما عساي اخبرك يا محمود .. بعد ذهابك انقطعت عن الدراسه وظللت اتنقل من عمل الى آخر حتى جمعت من المال ما جمعت وإستأجرت هذا المحل القديم وها انت ترى حالي انفض الغبار عن السلع فلا أحد يشتري هذه الايام “
اجابه محمود ضاحكا -” وهل تزوجت ام ما زلت تبحث عن فتاة احلامك كالايام الخوالي “.
-” تزوجت يا رجل وانجبت طفلا ، ولكن صار الطلاق وهو الان  مع والدته ..لا عليك مني يا محمود فلا شيء يذكر عني اخبرني انت ! الى اين سافرت ؟ “
-” في الواقع لقد ارتحلت الى مصر و من ثم الى السودان وقررت ان أعود بمناسبة المولد النبوي الى مسقط رأسي ولو اني لم يعد لي احد في هذا البلد …لقد تغير الحي وتغيرت الناس حتى اني لم اعرفك يا مصطفى !”.
-” ولا انا عرفتك يا محمود لولا عرج ساقك.. هل تزوجت ؟”
-” لا و الله “
-” كل هذه السنوات ولم تتزوج !! هل كنت تعمل ؟ “
-” ساخبرك بكل شيء لو اضفت المزيد من الشاي “

صبّ مصطفى الشاي في كأس محمود وكانت تبدو عليه ملامح الإنتظار و عدم الصبر حتى اجابه محمود قائلا 
-” أعلم ان ما سأخبرك به غريب بعض الشيء.. ولكني أخبرك هذا لانك الوحيد المتبقي من أحبتي .. لقد سافرت الى مصر للبحث عن عمل فقد أخبرني أحد أقاربي هناك ان العمل متاح و أن الأجر مجز ، فذهبت وأقمت مع أحد أقاربي لبعض من الوقت ، لكن شاءت الأقدار ان تغير الحال ، فإنضممت الى أحد المعاهد في مصر وهو معهد يدعى معهد الفتوح الفلكي و يقال انه مختص بعلم الفلك ..أو بالاحرى هذا ما سمعته قبل ان انضم الى المعهد.. ولكن ما تعلمته في هذا المعهد وما رأيته هناك ، بحر شاسع إنحدرت منه قطرة علم الفلك ..فقد تعلمنا الجلب والتفريق ، وتسخير الجن والحديث مع الميت والكثير الكثير من الامور التي لا يصدقها عقل ولا تخطر على بال ، ومن ثم ارتحلت الى السودان بعد ان أغلق المعهد من قبل السلطات  وتعلمت من علمهم في هذا المجال ..فلهم من علوم القدماء ما لا يدرس ولا تحتويه كتب ..”

توقف محمود عن الحديث متأملا ملامح مصطفى والتي ان دلت فتدل على التكذيب وعدم التصديق ولكنه كان يحاول جاهدا اخفاء تلك التعابير بهز رأسه ، فقال محمود -” أعلم انك لا تصدقني ولكن في الحقيقة لا يعلم أحد سبب ذهابي غيرك .. في الواقع لو كنت مكانك لما صدقت نفسي .. ولكن ان اردت ان اثبت لك صحت كلامي فأتني بورقة واكتب فيها ما شئت بهذا القلم ، وساعرف فحواها ..” 

قام مصطفى من كرسيه بتراخ فاحضر ورقة من دفتر مبيعاته القديم وكتب فيها ( كفاك كذبا يا محمود ) ثم طبقها ووضعها في جيبه قائلا -” ها قد وضعتها في جيبي كيف لك ان تعرف ما كتبت “

فقرّب محمود يده من الكانون وكان يرتدي خاتما فضيّا يزينه فص احمر اللون قربه من النار قائلا -” يكفيني كذبا !!  ألا تصدقني ؟؟ لقد كتبت كفاك كذبا يا محمود ..”

تعجب مصطفى لبرهة لكنه لم يكن مقتنعا تمام الإقتناع فأجاب في عناد لا مبرر له -” لا والله فهذه الخدعة حتى ابني يستطيع فعلها… او لعلك رأيتني اكتبها ! “.

ضحك محمود من كلامه وقال -“حسنا إذا هات ورقة أخرى وسأريك”.

أحضر مصطفى ورقة وناولها الى محمود الذي أخذ يكتب فيها بينما يحدثه قائلا -” خذ هذه الورقة و ضعها فوق تلك الخزانة ..” وأشار بيده إلى أحد الخزائن مكملا حديثه -” ولا تفتحها ان أردت البرهان وسأعود لك في الغد لتخبرني ان كنت على حق “

اخذ مصطفى الورقة من يد محمود ووضعها فوق أحد الخزائن بتكاسل بينما يسأل صديقه -” ما هذه الورقة ؟؟”.
-“فقط ضعها هناك وصدقني ..انا أسدي لك معروفا “.

أنهى محمود كلامه وهو يحتسي ما تبقى من كأس الشاي ثم ألقى السلام على مصطفى وغادر المحل .
ومر ذلك اليوم ومصطفى يتساءل عمّا كتبه محمود على الورقة و كان يمنع نفسه من فتحها بصعوبة الى ان غادر المحل .

حل الصباح ففتح مصطفى محله .. وجلس على كرسيه كعادته يدخن أحد السجائر  ،  حتى أقبل مجموعة من الزبائن واحدا تلو الاخر يتوافدون على شراء الاثاث القديم حتى ما بقي في المحل شيء غير الكرسي الذي يجلس عليه .. ولم يكن الرجل مستوعبا لما يحدث فجلس في محله ينتظر قدوم محمود  .. حتى أقبل محمود يعرج كعادته ..فاستقبله مصطفى يصيح
-“ها انت ذا يا وجه السعد .. لن تصدق لو أخبرتك ما حصل معي اليوم ؟؟ “.

فأخذ محمود يضحك قائلا -” على مهلك على مهلك يا مصطفى.. اعلم اعلم .. لقد بعت كل السلع و ما بقي في المحل غير كرسيك !” 
-” كيف لك ان تعلم ؟؟.. لا أفهم !!”
-“على مهلك يا مصطفى .. ساوضح لك كل الامر فقط املأ كاس الشاي ..”

أخذ مصطفى يصب الشاي في الكأس وعيناه لا تفارق وجه محمود في إنتظار ان يجيبه.. حتى تكلم محمود قائلا -” ألم تفهم الأمر بعد ؟  كان هذا بسبب الورقة التي اعطيتك اياها البارحة ،ما جعل الزبائن تتدافع على محلك سحر يدعى سحر جلب الزبون “
-”  هذا يعني.. انك تتعامل مع الجن ؟؟ “
-“نعم يا مصطفى أتعامل مع انفار من الجن واراهم كما اراك الان.. حتى انه يوجد نفران من الجن في محلك وهم عمار المكان”
-” ولكن اليس بيننا وبينهم حجاب ..وهم مستورون عنا ؟ اليس هذا ما اتى في كتاب الله ؟؟ فكيف لك رؤيتهم ؟”.
-” أعلم عما تتحدث يا مصطفى اذ يقول الله تعالى ﴿ انه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم ﴾ ولكن هذه الآية لم تمنع رؤيتهم.. “
-” كيف ذلك ؟!”
-” يقول استاذي عبد الفتاح السيّد الطوخي وهو من درسني علوم الجان في مقدمة كتابه حديث الطوخي مع الجان .. ان الجان مثل ثعبان يختبئ في جحر فيطل برأسه هو و أولاده دون علمنا ، فيرانا ونحن لا نراه فإن تتبعنا جحره وكشفنا ستره لرأيناهم ، وهكذا الجن إن بحثت عنهم وجدتهم ولكن بالسحر يكشف سترهم..  .. لكن لا عليك يا مصطفى فلن تفهم هذا الان.. واخرج انظر في أمر الرجل القادم ناحية الباب”.
نظر مصطفى الى الرجل وإذ به صاحب المحل يطالب بالايجار فسارع مصطفى وأخرج من جيبه بعض النقود التي كسبها من بيع الاثاث واعطاها للرجل لينصرف عائدا .
قال محمود وهو يحتسي الشاي -” هل هذا صاحب المحل ؟”.
-” أجل .. لكم اكره حين يأتيني طالبا النقود.. هذا الرجل لا يتأخر يوما عن طلب الايجار .. ليتك تمسخه قردا بسحرك يا محمود “

ضحك محمود و إتكأ على ظهر الكرسي قائلا
-” بسيطة لا عليك ..”
-” حقا !! “
-“امزح معك يا رجل هل تظنني خادم المصباح؟”
-” تبا لك يا محمود كدت اصدقك ! لكن اريد ان اسألك بخصوص الراديو الذي أردت شرائه البارحة بـ 500 دينار  ؟؟ هل تجمع المقتنيات القديمة ؟”
-” دعك من هذا فأنت لن تبيعه على اي حال “
-” فقط اخبرني يا رجل لعلي اساعدك !”
-“حسنا اذا أصغي جيدا ، هذا النوع من الراديو القديم يحتوي على مادة شديدة الندرة ، فقد استخدموا في صنعه مادة تسمى وهي مادة قيّمة جدا.. ليس للبشر بل للجان ، فإن قدمت ذلك الزئبق لاحد ملوكهم سيهبك خداما وكنوزا او اي كان ما تطلب.. ولكنك لن تبيع مذياعك اليس كذلك ؟ “
-” طبعا لن ابيعه … ولكن ان صح حديثك عن الكنز سأعطيك المذياع مقابل ان نتقاسمه !”
-” ايقنت ذلك والله يا مصطفى ، وقلت في نفسي انك لا تضيع فرصة كهذه …على اي حال نصف الكنز خير من لا شيء  ! “
إنقض مصطفى يعانق محمود بحرارة حتى كاد يسقطه ارضا ثم إبتعد عنه قائلا -” اذا متى يحين وقت اخراج الكنز ؟! “
-” على مهلك يا مصطفى صبرا جميلا يا رجل ، عندما يحين الوقت سأخبرك بذلك ، ولكن علي الانصراف الان “.
أنهى محمود كلامه وهو ينظر في ساعة يده 
-” حسنا يا محمود ارجو ان يحين ذلك الوقت قريبا جدا “.

وهم محمود بالرحيل بينما يترقبه مصطفى بتلك الابتسامة التي تظهر كل اسنانه من شدة الفرح .. حتى تذكر شيئا فنادى على صديقه
-” محمود محمود انتظر لحظة ! “
عاد محمود ادراجه متسائلا
-” نعم يا مصطفى هل نسيت شيئا ام انك تراجعت عن كلامك !”
-” لا لا..  لم اتراجع فقط اردت ان اطلب منك شيئا وأرجو ان يكون باستطاعاتك ذلك.. “
-” نعم تفضل ارجو ذلك ايضا “
-” كنت اتساءل ان كان بامكانك ان تكتب لي ورقة او اي من تلك الاشياء التي تفعلها فترجع لي زوجتي.. لا أريد أن أظل بعيدا عنها وعن ابني بعد الان “
ضحك محمود قائلا -” لا تقلق يا مصطفى ستعود باذن الله فقط انتبه جيدا لم ساخبرك به “
-” منتبه والله منتبه كنت اعلم انك لها “
اخرج محمود من جيبه قلما و ورقة واخذ يكتب فيها بينما يحدث مصطفى -” تقرأ هذه الكلمات عند النوم 30 مرة وتذكر مبتغاك بعد كل مرة وهو ان ترجع زوجتك ،  فيأتيك في المنام أحد خدام الجن على شكل شخص تعرفه فاخبره باسم زوجتك واسم والدتها فترجع لك باذن الله ..وتوضأ قبل ان تنام ولا تدع أحدا يدخل المنزل “
-” شكرا لك يا محمود ..لن انسى أبدا معروفك هذا “
-” الى اللقاء يا صديق الطفولة سأعود لك قريبا “
-” انتظر لحظة سأقفل المحل فلا شيء لابيعه ، لقد جلست انتظرك طوال اليوم “.

اقفل مصطفى المحل وأخذ يمشي رفقة محمود حتى وصل الى منزله فودعا بعضهما وانصرف كل منهما الى شؤونه .

وعند حلول الليل أخرج مصطفى الورقة التي كتبها له محمود و شرع يقرأ كلماتها ( تماغس ، بعدان ، يسواد ، وغداس ) وأخذ يكرر الكلمات بصوت واضح ويقول كل مرة  -“اني اريد ان اعيد زوجتي الي محبة راضية “
حتى اكمل الثلاثين مرة فإستلقى على فراشه حتى غلبه النوم … واذ به يرى في منامه انه في مكان قافر قاحل لا ينبت فيه شيء غير الشوك و الأحراش.. فجاءه شخص بملامح ابيه يسأله عن اسم زوجته فقال له مصطفى ” زينب بنت صالحة الهـ…. ) وفجأة انقطع المنام على صوت الباب يغلق بقوة ، فإستيقض مصطفى من منامه فزعا ينظر ناحية الباب فلم يجد أحدا ..فعاد الى النوم آملا ان يكمل منامه ولكنه لم يرى شيئا حتى استيقظ في صباح اليوم التالي.

إتجه الى محله آملا ان يمر به محمود فيشرب معه كأس من الشاي ويخبره بما حصل معه،  وجلس ينتظره حتى احمرت السماء واخذت الشمس تغرب .
واذ به محمود يتوقف امام باب المحل وهو يقود شاحنة قديمة ، فنادى على مصطفى الذي اتاه مسرعا يطل براسه من نافذه الشاحنة
-” مبروك عليك الشاحنة “
-” ليست ملكي ..احضر الراديو بسرعة واركب علينا الذهاب”
-” هل حان الوقت !!! “
-” اجل اجل فقط اسرع “

عاد مصطفى الى محله مسرعا ناحية الراديو فحمله وعاد به يجري رغم ثقله ليسقط المذياع فجأة من بين يديه على الأرض ، فقد نسي مصطفى ان سلك المذياع موصل بالمقبس فانقطع سلكه.
حمل مصطفى المذياع وذهب صوب الشاحنة ففتح الباب وجلس على المقعد المجاور لمحمود وهو يحضن الراديو قائلا -” لقد سقط الراديو من يدي وانقطع سلكه ..ارجو ان لا يكون لنا حاجه بالسلك ؟! “
-” لا بأس لسنا في حاجه له ..فقد انتبه ان تكسره “
-” هل نحن ذاهبان لاخراج الكنز ؟ “
-” اجل , ولكن قبل ذلك سنذهب الى مكان اخر اريد ان اطلعك على امر مهم ..كذلك سنلتقي بشخص ما سيساعدنا على إخراج الكنز “
-” وهل سينال هذا الشخص نصيبا معنا ؟؟ “
-” اجل ..سيعطيه كل منا قليلا من حصته ان لم نجد ما يكفي من الذهب “
-” وما حاجاتنا بهذا الشخص ؟؟ الا نستطيع ان نخرجه بمفردنا !”
-” وهل تقدر على ذبح القربان يا مصطفى ؟ “
-” ماذا !! أي قربان ؟ أرجو ان لا يكون ما بدر على بالي صحيحا ! “
-” اجل هو ما يخطر على بالك ، القربان البشرية فرض من فروض إخراج الكنوز.. لذلك سنحتاج هذا الشخص “
-” تبا ! فيما ورطتنا يا محمود ؟؟ لما لم تخبرني منذ البداية ؟ “
-” لا تخف فهذا الرجل قد تعود على هذا او بالاحرى هذا عمله.. وان كنت تخشى ان ترى ذلك المشهد فسنجلس بالسيارة بعيدا عنه حتى ينهي عمله ومن ثم نذهب نحن… ولكن اولا سآخذك الى مكان آخر “

سكت محمود قليلا شاردا بنظره ناحية الافق و كأنما تذكر شيء ما ثم اكمل حديثه قائلا -” في هذا المكان سنقابل احبّ شخص إلى قلبي”
-” ومن هذا ؟ ألم تقل لي انك لم تتزوج بعد ؟؟”
-” انتظر فقط حتى نصل ..”
-” كنت أنتظرك طوال اليوم لأخبرك بشيء ما ، لكن لا عليك الآن “.

وبعد زمن من القيادة توقفت الشاحنة امام احد المقابر، فنزل محمود وخلفه مصطفى يساله وهو ينظر يمنة ويسرة وقد تملكه الخوف من منظر المقابر في الليل -” لما اتيت بنا الى هذا المكان ؟ لا تقل لي اننا سنحفر احد القبور؟ فأنا أخاف منظر المقابر ولو في وضح النهار يا رجل “
-” لا تخف يا مصطفى لن نحفر شيئا ، بل نحن نتجه صوب ذلك المقام ..انظر هل ترى تلك القبة الخضراء هناك؟” وانها محمود كلامه وهو يشير ناحية قبة خضراء تقع في نهاية الطريق الذي يقطع المقبرة، ليظيف قائلا -” انصت يا مصطفى ..هل تسمع هذا ؟ ” اخذ مصطفى ينصت فجاءه ذلك الصوت الجميل مبددا صمت المقابر المخيف.

((يا رسول الله اجرنا… يا رسول الله اجرنا… الغوث رسول الله… الغوث رسول الله ))

وتناهت رائحة البخور الى انف محمود فاخذ يستنشق الرائحة قائلا -” كم احب هذه الأجواء ..يقال ان من يأتي حضرة الذكر بقلب صاف مريدا وقاصدا مدح الله ورسوله يمكنه رؤية مراده مهما كان بعيدا “

انهى محمود كلامه وقد وقف امام باب المقام فقال -” انزع حذائك يا مصطفى .. واترك همومك خلفك وادخل المقام بقلب صاف خال من اي حقد او عداوة ” اجابه مصطفى بضحكته البلهاء المعتادة
-” اعذرني يا صديقي.. لكني ظننتك ساحرا لا تأتي هذه الاماكن .. ولم اكن اظن ان كلاما كهذا يخرج من فمك يا محمود “
-” كل له خطايا لا تغتفر يا مصطفى.. اليس كذلك ؟ لكن هذا لا يمنعني ذاك “
-” ربما انت على حق ..”

نزع محمود حذاءه وفتح باب المقام فاعترضتهم رائحة البخور وقد عمّت المكان ، و تبعه مصطفى من خلفه ينظر الى الناس وقد كونوا حلقة دائرية ، ويتوسطهم ذلك الشيخ ذو الصوت العذب وكان يحذوه رجلان يحملان البنادير 
فيسايرون ايقاع المديح ، وكان الناس يتمايلون في حركة واحدة منظمة مع ايقاع البنادير.. فاخذ مصطفى يتمايل معهم بحركة خفيفة دون وعي منه مستمتعا بصوت الشيخ 
((++ بي وجد لا يدريه.. الا من يسكن فيه… ابديه او اخفيه.. هو ملك رسول الله ++))

اقترب محمود من مصطفى وهمس في اذنه -” انسى الهم والغم فكل هم منقض وكل غم مار كمرورنا بهذه الدنيا وانسجم معهم فبعد قليل سيحضر محبوبي و ستراه كما تراني “

واخذ الرجلان يتمايلان مع الجماعة بإنسجام و تماه

((++ اوقفت العمر عليه ..بمديح بين يديه.. وشكوت الامر اليه.. ثقه برسول الله ++))

وانطلقت الزغاريد من النساء اللاتي يجلسن في اركان المقام تضفي رونقا خاصا لاجواء الحضرة ، فأمسك محمود يد مصطفى يضغط عليها وهمس في اذنه مجددا -” الان يحضر الان يحضر يا مصطفى فلا تفزع ..انظر هناك وسط الناس هل ترى ذلك الطفل بينهم”.
-” ااااه !!!!”
صاح مصطفى دون قصد وجحظت عيناه وهو ينظر لذلك الطفل والذي تعرف عليه منذ الوهلة الأولى.. فضغط محمود على يده مجددا كاشارة لخفض صوته.
همس مصطفى -” هل هذا !! هل هذا عليّ !! اخوك ؟؟ لكن اليس ميـ.. !! “
فضغط محمود على يده مجددا قائلا -” أعلم أعلم ..أليس جميلا .. اخي الصغير لكم اشتقت اليه “
-” لكن كيف ! ..” 
-” فقط تأمله قبل ان يذهب “

وواصل الرجلان التمايل مع المديح وضرب البنادير ولم تفارق عينيهما ذلك الطفل علي الذي يقف وسط الناس حتى تلاشى وسط ضباب البخور.
فنظر مصطفى الى محمود وقد انهمرت دموعه على خديه فرفع يده مربتا على كتف صديقه وهمس في اذنه -“هون عليك يا محمود.. هون عليك يا صديقي لقد انتهى الامر الان هيا نخرج و استنشق بعض الهواء النقي .. هيا يا محمود ..”

انسحب الرجلان من الجماعة ومصطفى يجر محمود الذي اخذ يتبعه مطاطئ الرأس خائر القوى ، حتى خرجا من باب المقام واتجها نحو صخرة على مقربة منه فجلس مصطفى يواسي صديقه ويربت على كتفه قائلا -” لا عليك يا محمود أنا معك يا صديقي ..”
-“هل اجد عندك سيجارة؟”
-“اجل اجل بالطبع!”

اعطى مصطفى صديقه سيجارة وعود ثقاب وهو يساله في تردد -” هل لازلت تذكر ذلك الحادث يا محمود ..؟ أرجو اني لا ازعجك بسؤالي هذا.. “

-” لا لا ..لا تقلق ، اجل ..استطيع تذكر الحادث كما لو انه قد حصل البارحة… كنا دائما ما نلعب في ذلك المبنى، كنا نصعد الى أعلى السطح عبر ذلك السلم الحديدي الملتصق بالجدار ونرمي الناس بالحجارة لنختبئ بعد ذلك خلف جدار صغير لم يكتمل بناؤه بعد .. واتذكر انه في ذلك اليوم لم يود الصعود الى السطح ، كما لو انه كان يشعر انه لن ينزل منه مترجلا ابدا … لكني اخذت اصرخ في وجهه حتى ذهب معي .. وكنا نتحدث حينها ، اتذكر انه كان يقول لي انه يخاف ان يعلم ابانا بالامر فيبرحنا ضربا .. وكان يقف قرب حافة السطح مدبرا بظهره عنها ..كنت اقف امامه فاقابله وجها لوجه ، وفجأة رايته ينظر تلك النظره التي ملئها الرعب والتي لن انساها ما حييت.. وكان قد فتح فمه ليقول شيئا ما ، لكن قبل ان يتفوه بأي كلمة دفعني احدهم من الخلف فاندفعت ناحية اخي وسقطنا من الحافة.. فوقعت فوقه وانكسرت رجلي ..وأما علي فقد وقع على راسه مباشرة ومات… لكنه انقذني.. ابتعدت عنه واستلقيت على ظهري وانا لا اقدر على النظر في وجهه الملطخ بالدماء و رأسه المهشم اثر السقطة..و عندما نظرت ناحية السطح رايته… رايت ذلك الشخص الذي دفعنا من على الحافة.. ولكن ما يؤسفني انه لا يسعني تذكر وجهه مهما حاولت ” انهى محمود كلامه واخذ نفسا عميقا من السيجارة ثم رماها ونظر في ساعته قائلا
-” هيا يا مصطفى لقد حان الوقت ..”. 

وقف الرجلين وعادا ادراجهما ناحية الشاحنة فأدار محمود المحرك وانطلق في طريقه الى وجهته .
وبعد زمن من القيادة انعطفت الشاحنة واخذت تسير في طريق زراعي وعر  تحده اشجار الزيتون من كلى الجانبين . حتى توقف محمود امام أحد حقول زيتون فخاطب مصطفى قائلا -” ناولني جهاز الراديو يا مصطفى و إفتح ذلك الدرج ستجد مفك براغ أعطني اياه ” 

اعطى مصطفى جهاز الراديو والمفك لمحمود الذي اخذ يفتح الجهاز ويفك براغيه حتى اخرج منه انبوبا نحاسيا صغيرا أُغلق طرفه بقطعة من البلاستيك ففتحها واخرج من جيبه قنينة بلورية صغيرة فسكب فيها السائل الذي خرج من الانبوب .
فساله مصطفى قائلا -” هل هذا الزئبق الاحمر ؟؟ “
فاجابه محمود وهو ينظر الى القنينة  -“اجل هذا هو.. لقد كنت تضع كنزا في محلك يا مصطفى ولم تدري بذلك.. والان القي بهذه الخردة في الخارج وأحضر الاكياس التي في صندوق الشاحنة “.
-” اكياس !! هل سنقطّع الجثة ؟؟”
-” لا يا رجل سنضع الذهب في الأكياس.. فقط تخيّل ذلك المشهد يا صديقي “
-” اكاد لا اصدق اننا سنفعلها ” انهي مصطفى كلامه 

وانقض يقبل محمود كعادته ليخرج بعد ذلك مسرعا وقد كاد يكسر باب الشاحنة من شدة حماسه ، فرمى ما تبقى من جهاز الراديو خارجا وأحضر بعض الاكياس القماشية من صندوق الشاحنة ليعود مبتسما وهو يتخيل تلك الاكياس مليئة ذهبا ومجوهرات فركب الشاحنة وهو يسأل محمود 
-” هل ننتظر احدا ام .. لا اعلم ما الذي ننتظره ؟”

أجابه محمود وهو ينظر الى ساعته 
-“ننتظر ذلك الرجل الذي اخبرتك عنه فقط راقب تلك الشجرة هناك سوف يأتي الآن “
وانهى حديثه وهو يشير الى احدى اشجار الزيتون
-” لا ارى شيئا يا رجل الظلام حالك ..”
-” لا تقلق ستراه يحمل مصباحا زيتيا …انظر ها هو هناك لقد اتى “

نظر مصطفى الى المكان الذي يشير له محمود فرأى وسط الظلام رجلا يحمل مصباح ، وامامه شخص اخر يسقط تارة ويقف اخرى والذي على ما يبدو انه القربان .
تكلم مصطفى متلعثما وقد اعتراه القلق 
-” هل سننزل !! ارجو ان نضل بالشاحنة.. لا اقدر على رؤيه ذلك يا محمود “
-” حسنا سننتظره في الشاحنه حتى يكمل ايا كان ما يفعله “
-“فكرة سديدة والله “

جلس الرجلان في الشاحنة ينتظران قدوم الرجل.
وبعد عدة دقائق اقبل الرجل في الظلام يحمل على كتفه جثة الذبيح وقد لفه في لحاف ابيض يغطي جل جسده ، وظل يمشي حتى اقترب من نافذة مصطفى الذي اخذ يتأمل ذلك الرجل ضخم الجثة وتلك اللحية الحمراء الكثيفة التي تغطي وجهه . واشاح مصطفى نظره عن منظر اللحاف الذي يقطر دما ..حتى اطل الرجل براسه من النافذة فامره محمود ان يضع الجثه في صندوق الشاحنة وان يركب الشاحنة الى حين رجوعهم.

وترجل الرجلان ناحية شجرة الزيتون فوجدا بركة من الدماء ، و بمجرد ان راها مصطفى ارتكز على احد الاشجار الزيتون واخذ يتقيا ..حتى ناداه محمود قائلا -” اقبل يا مصطفى ولا تفزع فلا خيار لدينا “

فإلتفت مصطفى الى محمود ليجده يجلس القرفصاء وسط بركه الدماء .
أكمل محمود حديثه قائلا و هو يعطي مصطفى ورقة -” اجلس يا مصطفى و ردد هذه الكلمات التي على الورقة بتزامن مع قرائتي وعند اشارتي توقف عن ذلك وتراجع الى الخلف “.
-“لقد تقيأت بمجرد النظر الى الدم.. فكيف تريدني ان اجلس فيه ؟؟”
-” فقط تحمل ذلك يا مصطفى في سبيل الثراء و رغد العيش !”

فجلس مصطفى جنبا إلى جنب مع محمود الذي شرع في القراءة ومصطفى يردد خلفه الكلمات بتزامن وحرص على ان لا يتلعثم في نطقها حتى اشار له محمود بيده فوقف وابتعد عن بركه الدماء وظل يراقبه في صمت بينما سجد محمود قائلا وجبهته ملتصقة بالارض اللزجة
-” يا ملك ملوك الجان ، قد قدمنا القربان فأمّن لنا المكان ، يا سيد العشائر الاكبر إظهر لنا و احظر جئناك بالزئبق الاحمر ، اتيناك الكنز نطلب فاخسف الارض وأخرج الذهب واتركنا في سلام نذهب .. الوحا ، العجل ، الساعة “.

وبمجرد ان انهى محمود هذه الكلمات انطلق صوت من خلف الاشجار وكانها مئات النساء تولول وكان الصوت صاخبا لدرجة تكاد تثقب الاذان ، فرفع محمود رأسه والتفت ينظر الى مصطفى و الذي كان يضع يديه على اذنيه محاولا خفض ذلك الصوت بكل ما اوتي من قوه .
وفجأة انقطع الضجيج فظهر كيان من بين الاشجار وأخذ يقترب من بركة الدماء مقبلا ناحية محمود.. اما مصطفى وبمجرد رؤيته لذلك المشهد اصابه الم حاد في عينيه واخذت دموعه تنهمر دون ارادته ولكنه كان يحاول جاهدا فتح عينيه وتامل ذلك الكائن الغريب ذو راس الماعز ..

اقترب ذلك الكيان من محمود حتى ما بقي بينهما سوى بضع خطوات ، فطأطأ محمود رأسه ورفع يديه يناوله قنينة الزئبق . مد الكائن يده واخذ القنينة واختفى بين الاشجار بسرعة لا تصدق .. فوقف محمود من قعدته وتراجع الى الخلف مبتعدا عن بركه الدماء حتى صار يحاذي مصطفى والذي لم يكن بعد مصدقا لما يحدث ، فتكلم محمود قائلا -“دائما ما يكون ذلك صعبا عند الوهلة الاولى.. ان ترى شيئا كهذا بأم عينيك ..شيء لا يصدق …اما الان وبعد كل هذا القبح و الألم ، سترى اجمل مشهد تبصره عيناك ، فقط التقط الاكياس بسرعة “
-” لو لم اكن انتظر ذلك المشهد لكنت في المنزل الان بمجرد رؤية ذلك الشيء ، يا رجل كادت عيني تخرج من رأسي .. ما هذا الكائن ؟؟؟ “
-” ذلك احد ملوك الجن واسمه حبراقيل .. احضر الاكياس يا مصطفى فقد بدأت الارض تبتلع الدم !”

نظر مصطفى ناحية بركة الدم التي اخذت الارض تمتصها ،  وكانت تلك البقعة من الارض قد اصبحت طينية واخذت تنخفض شيئا فشيئا حتى سقطت فجأة ..فاصدرت صوتا كصوت وقوع جسم ما على حفنة من النقود .

اقترب الرجلان من الحفرة بحذر ونظرا داخلها لتعتلي وجهيهما تلك الابتسامه الواسعة… فقد كانت الحفرة مليئة بالعملات الذهبية والمجوهرات الثمينة.

نظر الرجلين لبعضهما البعض واخذا يقهقهان من شدة الضحك .. فقفز مصطفى في الحفرة و اخذ يمسح وجهه بالعملات الذهبية ، ثم استلقى على كومة من الذهب يحرك يديه عليها وكانه يسبح ، فقال محمود في عجلة -” هيا يا مصطفى املئ الاكياس قبل ان تغلق الحفرة !”
-” اخبرني اني لست احلم يا محموووود !! أكاد اظن اني نائم يا رجل.. لو كان هذا حلما ! ارجو ان لاااا استيقظ ابدا ..”
فاجابه محمود مبتسما -” لست تحلم فقط املا الاكياس ..”.
اخذ مصطفى يغرف الذهب بيده ويملأ الاكياس حتى ملأها عن اخرها ، فقال له محمود -” هيا اخرج يا مصطفى هذا يكفي لنذهب ..”
-” كيف اخرج وكل هذا الذهب يملأ الحفرة ؟؟ “
-” اخرج يا مصطفى والا انغلقت عليك !”
\_” انغلقت!! لا والله ها انا اخرج… لا يسعني الانتظار حتى اعود الى المنزل ومعي كيس من الذهب.. لا اصدق ان هذا يحدث فعلا “.

انهى مصطفى كلامه وهو يخرج من الحفره ويخرج الاكياس منها فاجابه محمود ضاحكا -” ولا انا اصدق ذلك ايضا !..لقد اخرجت بعض الكنوز من قبل ولكن لم ارى في حياتي شيئا كهذا .. ولكن للاسف يا مصطفى ، لن تراني مجددا ..”
-” ما الذي تقوله ؟ ماذا تقصد ؟ “
-” ساعود الى مصر ، هذا لقاءنا الاخير يا اخي..”
-” ساشتاق لك يا محمود.. والله ليتك تبقى.. ولكن على ما يبدو انك اتخذت قرارك مسبقا .. ” 
-” انا ايضا والله ساشتاق لك يا مصطفى “.

تعانق الرجلان عناق الوداع ، واخذا الاكياس وعادا ادراجهما فحمّلا الذهب في صندوق الشاحنة وركباها ومعهم ذلك الرجل ذو اللحية الحمراء .. وانطلق محمود يقود الشاحنه.. حتى صارو على مقربة شارع من منزل مصطفى فاوقف محمود الشاحنه ونزل هو ومصطفى واتجها ناحية الصندوق فناول محمود كيسا من الذهب لمصطفى الذي كادت دموعه تفيض على خديه لولا انه تمالك نفسه فعانق محمود عناقا اخيرا وودعه قائلا -” انت رجل صالح يا محمود… انتبه لنفسك يا صديقي ..!”
-” وانت ايضا يا صديقي انتبه لزوجتك وابنك وأحسن التصرف في هذا الذهب ..”
-” لا تقلق علي يا محمود.. في امان الله يا صديقي “
-” الى اللقاء يا مصطفى ..”.

وانطلق محمود بالشاحنة بينما حمل مصطفى كيس الذهب على ظهره وتوجه نحو منزله في الشارع المجاور والابتسامة تعلو محياه … ولكن بمجرد ان اقترب من المنزل ، لاحظ مصطفى مجموعة من الناس وقد اكتظو امام منزله ، وكانت تتوسطهم زوجته.. فهرول ناحياتها محاولا موازنة الكيس على ظهره ، فاقترب منها يسالها بعد ان راها تبكي -” ما الذي يحدث يا زينب ..!!وما كل هذه الجلبه ؟؟ ما الذي يجري !! “
-” ابنك يا مصطفى ابنك… لقد اخذته البارحة الى المستشفى وعنـ…”
قاطعها محمود صارخا -” مستشفى !!! هل هو بخير !!! ما الذي حل به اخبريني !!! ” 
-” لقد تشاجرت معه ليلة البارحة فخرج من المنزل ..وقال لي انه متجه الى منزلك .. ولكنه عاد من عندك يتصبب عرقا و كان مضطربا ..وقال انه دخل عليك المنزل فوجدك نائما ويبرك على صدرك مخلوق غريب ..فغادر المنزل بسرعة وعاد اليّ وقد اصابته الحمى وارتفعت حرارته فاخذته الى المستشفى ..”
-” ليلة البارحة !!! “
وتذكر مصطفى صوت الباب الذي ايقظه من منامه.. فسأل زوجته والقلق يبدو على وجهه -” هل هو بخير الان !! هل اصابه مكروه !!! “
-” لا اعلم يا مصطفى… لقد ذهبت الى المستشفى فلم اجده.. وقالت لي أحد الممرضات انها رأته يخرج مع رجل ضخم ذو لحية حمراء ادّعى انه والده ..”
-” لحـ… حمـ … حمراء !!!!!! “.

صعق مصطفى مما سمعه ، فخارت قواه وسقط الكيس من على ظهره وفاض ما به ، لتتناثر قطع من الحديد تحت اقدامه بدلا من الذهب الذي كان قد ملأه بيديه …
لم يكن مصطفى مستوعبا لما يدور حوله من أحداث …ونظر الى قطع الحديد التي فاضت من الكيس ، فوقعت عينه على ورقه صفراء خرجت من الكيس مع قطع الحديد .
انحنى مصطفى بحركة يائسة فحمل الورقة وأخذ يقرأها وسط الناس …

(( اعلم انك مرتبك الان ، بعد ان ادركت ان ابنك كان القربان .. وانك كنت تحمل كيسا من الحديد طوال الوقت ، واعلم انك تتساءل عن كيفية تحول الذهب الى حديد.. ولكنك نسيت اني ساحر مثل ما كنت تقول …لقد كذبت عليك يا مصطفى واردت ان ازيح ذلك عن صدري، فعندما اخبرتك قصة الحادث كنت قد غيرت بعض تفاصيلها… عندما وقعت واخي من حافة السطح.. لقد رايت ذلك الشخص الذي دفعنا ولم انسى وجهه لحظة… لقد كان انت يا مصطفى.. لقد كنت الفاعل منذ البداية ..لكنك اخفيت ذلك عن الجميع .. كما أخفيته انا أيضاً طيلة حياتي ..لقد كنت السبب في موت اخي وكنت السبب في اعاقتي الدائمة… اعلم انك لم تكن تقصد ذلك فقد رايت ملامحك في تلك اللحظة …وكنتَ خائفا جدا ، لكن كما اخبرتك سابقا ..كل له خطايا لا تغتفر .
صديقك محمود .))

مقالات ذات صلة

42 Comments
Inline Feedbacks
شاهد جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى