مكتبة كابوس

لا تخبري ماما

بقلم : نور الهدى الاخضرية – الجزائر

سرد طويل ومفصل لحياة ومعاناة الكاتبة
سرد طويل ومفصل لحياة ومعاناة الكاتبة

قال أبي لأمي ذات مساء لقد اشتغلت انطوانيت كثيرا في البيت هذا الاسبوع ثم ان المسافة الطويلة التي تقطعها الى المدرسة ذهابا وايابا ارهقتها سآخذها في نزهة بالسيارة. قفزت انطوانيت الى السيارة وهي في منتهى الحماس تساءلت وهي تنظر من خلال زجاج النافذة اين ستنتهي بهماهذه الجولة؟ ولم يتأخر الجواب ففي طرف الطريق انعطفت السيارة لتعبر الحقل الذي يوجد فيه المخزن الصغير المستأجر ، سيصير هذا المكان هو مقصد كل نزهات انطوانيت ووالدها الاسبوعية.
وصلنا الى المخزن كان شكله موحشا قلت لبابا ابي هيا نرجع الى البيت هذا المكان مخيف ، قال بابا لا تخافي يا صغيرتي تعالي لقد احضرت لك هدية جميلة .

من يقرأ هذه الاسطر سوف يعتقد ان هذه مجرد قصة او مغامرة لأب مع ابنته لكن الحقيقة انها مأساة وجريمة ليست ككل الجرائم التي نسمع عنها كل يوم والغريب ان عنوان هذه الجريمة بسيط جدا هو (لا تخبري ماما).

ربما هناك من قرأ كتاب او رواية (لا تخبري ماما) للكاتبة الايرلندية انطوانيت ماغواير اما من لم يقرأها بعد فانا انصحه بنصيحة اذا كنت ذو قلب حساس ومشاعر رقيقة او ممن يكتئبون بسرعة فلا تقراها لأنها قد تحطمك . اما عن الرواية فهي عبارة عن سرد طويل ومفصل لحياة الكاتبة الايرلندية انطوانيت او توني كما ينادونها حياة ليست كما كل البنات خاصة انها عاشت في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية حيث الكساد والبطالة والجوع.

blank
الكاتبة الايرلندية انطوانيت ماغواير

ولدت توني لاب من ايرلندا الشمالية وام انجليزية كانت امها تحب والدها حبا جنونيا لأنه الوحيد الذي تقدم لها واعجب بها واصرت على الزواج به رغم كونه ايرلنديا فالانجليز كانوا يعتبرون الايرلنديين اقل مكانة منهم وكان هو فخورا لان امراة انجليزية قبلت الزواج به ، وهكذا تزوجا وعاشا في بريطانيا كان هو مجندا في الحرب العالمية وبعد نهايتها واصل العمل في الجيش لأن العمل كان شحيحا.
بعد الحرب العالمية الثانية انجبت زوجته ابنتهما الاولى والوحيدة انطوانيت ، ولان العمل في الجيش كان يتطلب من الاب الغياب لفترات طويلة فقد نشأت توني مع امها في منطقة كينت وكانت حياتهما سعيدة رغم صعوبة المعيشة فقد عملت والدتها في مرآب لتوفر متطلباتهما وكانت توني تبقى احيانا مع جدتها لامها وقد اعتبرت توني تلك الايام من اجمل ايام حياتها وكأنها عرفت ما ينتظرها ، تقاعد والدها من الجيش وعاد الى المنزل لم تكن توني تعرف والدها او طباعه جيدا سوى تلك الهدايا التي كان يرسلها في الاعياد والمناسبات وبعد استقراره في المنزل بدأت الشجارات بين والديها بسبب ادمانه على الكحول والقمار ، فقرر والدها ان ينتقلوا الى ايرلندا حيث موطنه الاصلي وعائلته وعاشوا هناك في كوخ صغير وبدأت توني الذهاب الى المدرسة ولانها كانت صغيرة في الخامسة من العمر فقد رأت الدنيا جميلة ووردية وتنظر الى والدتها وكانها ملاك من السماء فقد احبتها كثيرا واعتبرتها اعز ما تملك في هذه الحياة، اما والدها فقد احتارت فيه فمرة يعاملها بلطف ومرة يصرخ في وجهها ويعنفها فاعتبرت ان لها أبوان واحد لطيف والآخر عنيف ومن خلال ابتسامته كانت تفرق بين الشخصيتين .

بداية الكابوس: عندما كانت توني في سن السادسة قرر والدها وعلى غير عادته ان يأخذها في نزهة بالسيارة ففرحت توني كثيرا وانطلقا بين الحقول حتى وصلا الى مستودع كان قد استأجره ليصلح فيه سيارته وهناك احست توني ان والدها اللطيف قد تحول الى الوالد العنيف فتملكها الرعب من نظرته الحيوانية ومن المكان الموحش الذي جاء بها اليه فطلبت منه العودة فقال انه احضر لها هدية ولم تعرف المسكينة ان الهدية هي سلبها كل شيء في هذه الحياة فقد امسكها بعنف واغتصبها بوحشية في لحظات مرت عليها كدهر وبصدمة لن تنساها مدى الحياة ، بعد ان انتهى من فعلته امرها بارتداء ملابسها وهي ما زالت في صدمتها والدموع متجمدة في عينيها والخجل يكاد يقتلها فقد اعتقدت انها هي المخطئة وليس الحيوان الذي يدعى والدها وهنا امسكها وهزها قائلا لا تخبري ماما يا انطوانيت انه سر بيننا اسمعت.

منذ تلك اللحظة فارقها الاحساس بالامان الى الابد تاركا مكانه شعورا بالقرف والخوف والذنب . لقد عرف والدها انها تحب امها بشدة فليس لها في الدنيا سواها فهددها ان قالت لامها بان امها ستكرهها ولن تحبها بل قد تتركها وصدقته توني الصغيرة وهنا بدات معاناتها التي ستستمر سبع سنوات. فقد بدأ والدها بتكرار فعلته في كل مرة متحججا بأخذ ابنته في نزهة وهي لا تستطيع الرفض او اخبار امها وحتى عندما حاولت ذلك وبختها امها بشدة.

اصبحت انطوانيت اكثر عزلة وانطوائية في البيت والمدرسة وسط سخرية اصدقائها فهي لم يكن لها اصدقاء تلعب معهم وكانت دائما وحيدة وحتى عندما انتقلوا الى مكان اخر استمر والدها في فعل ذلك بانتظام تقريبا وتوني تزداد خوفا ويملأ ليلها الكوابيس وفي عمر الثانية عشرة تحمل ومع ذلك يستمر والدها بفعلته وبعد ان ينكشف حملها تحظر لها والدتها طبيبا ليجهضها وهنا تكون صدمتها الثانية فأمها كانت تعرف من البداية بفعلة زوجها ولم تمنعه او تدافع عنها ، امها التي احبتها بشدة خذلتها وفضلت الصمت المهم ان يبقى زوجها معها ولا يتركها بغض النظر عن مأساة ابنتها الوحيدة.

بعد اجهاضها تتعرض توني لنزيف كاد يودي بحياتها فتنقل الى المشفى حيث ينكشف الامر ويتم القاء القبض على والدها لكن مثل هذه الحوادث كانت في الماضي من المحرمات ولا يتم البحث والتحقيق فيها كثيرا فحكم والدها لسنة واحدة فقط في السجن واعتبرت هي المذنبة لأنها اغوت والدها !!!!!.
وحتى والدتها اصبحت تكرهها فقد اعتبرتها السبب في ما حدث لها وانها اغوت والدها بشكل غير مقصود وكل اهل والدها جدها وجدتها اعمامها كلهم تنكروا لها وحتى في المدرسة تم فصلها واعتبرت فتاة عاهرة رغم كل ما حصل لها ورغم نجاتها من الموت بصعوبة.
تتواصل معاناة توني مع المجتمع ومع امها وتفقد ثقتها بنفسها وتزداد وحدتها وكرهها للمجتمع.

هذا ملخص بسيط عن هذه الرواية واحداث كلها حقيقية بالتفاصيل والاشخاص والمعاناة فقد قررت الكاتبة رواية معاناتها وطفولتها التعيسة كنوع من التحدي لتجاوز كل ما جرى رغم صعوبة نسيان ما حدث وحقيقة من يقرأ الرواية سيتعجب من كمية الشقاء والمعانات والخوف في حياة الكاتبة وانا صراحة عندما قرأتها لم استطع تصديق ما اقرأ وبقيت مكتأبة لمدة من احداثها فكل جريمة يمكن ان تكون لها مبررات اما ان يسلب منك كل الحياة بما فيها من ثقة ودفئ واطمئنان وحب وحنان الوالدين والاصدقاء والاهل من اجل شهوة حيوانية فهاذا ما صعب علي تصديقه وما جعلني اشمئز اكثر هو موقف والدتها أيعقل ان تفضل زوجها بكل سيئاته على ابنتها البريئة حقا هذه الحياة غريبة.

اعزائي القراء ارجوا ان تعذروني على اختيار هذه الرواية لكن كان لابد من القاء الضوء على مثل هذه الجرائم التي كان مسكوت عنها وما زال الى يومنا هاذا وتعتبر الضحية وهي المرأة وكأنها هي الجانية ، وكما قلت سابقا الرواية فيها كمية كبيرة من الحزن والالم والغدر والخيانة والغدر فانتبهوا لقلوبكم اذا ما قررتم قرائتها ، اما لاصحاب القلوب الحديدية فأنصحكم بعد اكمالها ان تقرؤوا الجزء الثاني منها! مفاجأة اليس كذلك وطبعا الجزء الثاني له نفس القسوة لكن على الاقل ستعرفون مصير انطوانيت ووالدها ووالدتها وهو بعنوان (لقد تركوا بابا يعود). قد يقول البعض ان الرواية ذات موضوع مكرر لكن في الحقيقة اسلوب الكاتبة في وصف مشاعر فتاة في السادسة من العمر تتعرض لأسوء جريمة لهو امر صعب خاصة وان هذه الطفلة هي نفسها الكاتبة .

المصادر :

رواية لا تخبري ماما ، رواية لقد تركوا بابا يعود

تاريخ النشر : 2021-01-06

مقالات ذات صلة

60 Comments
Inline Feedbacks
شاهد جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى