نساء مخيفات

ماري بيتمان : ساحرة يوركشاير الجشعة

بقلم : قدسيَّة الرُّوح – أرض الأحلام

استخدمت السحر وسيلة لاشباع اطماعها
استخدمت السحر وسيلة لاشباع اطماعها

عندما تبحث عن الأضطهاد في العصور المظلمة ، ستجد أن ظاهرة السحر والشعوذة هي الأكثر اضطهادا ، والأكثر وقوعا تحت طائلة الشكوك والبغض على مر التاريخ ، فعلى مدى مئات السنين ، أتهمت الكثير من النساء بممارسة الشعوذة والتزاوج مع الشيطان والتسبب في المرض وسوء الطالع للآخرين ، وكان يتم مطاردتهن والهجوم عليهن ومعاملتهن بوحشية ، وغالبا ما كن يعترفن تحت وطاة التعذيب بما يتهمن به وفي النهاية يتم أحرقهن ..
بالطبع اغلب اولئك النسوة كن بريئات ، لكن هناك عدد قليل منهن كن مذنبات فعلا .. وعليه فأننا اليوم عزيزي القارئ لم نتخذ جانب الضحية ، بل سنسافر إلى أحلك فترة بتاريخ بريطانيا العظمى لنتعرف على الوجه الأخر للشر .. تعالوا لنتعرف على ماري بيتامن المعروفة بأسم “ساحرة يوركشاير”.

البداية

blank
تم أرسالها لتعمل كخادمة في المنازل

ولدت ماري لعائلة بسيطة في مزرعة بشمال يوركشاير عام 1768م ، ورغم أن طفولتها كانت مريحة إلا أنها منذ نعومة أظافرها كانت مولعة بالسرقة ، لاحظت عائلتها ذلك ولكنهم لم يحاولوا بجدية أن يعالجوا هذه العادة السيئة فتفاقمت مشكلتها بمرور الأيام.

عندما بلغت سن 12 عاما تم أرسالها لتعمل كخادمة في المنازل ، وسرعان ما تغلب حب السرقة عليها فكانت تسرق كل ما يقع تحت عينيها ، و دائماً ما يتم أكتشافها وطردها ، لذا  أخذت تتنقل من منزل إلى أخر وتعيد الكره مرة بعد أخرى فيتم طردها ، وفي نهاية المطاف جعل هذا سمعتها سيئة بين أرباب المنازل فأصبح من الصعب عليها العثور على وظيفة جديدة.

ومع الأبواب المغلقة وخياراتها المحدودة في العمل أنتقلت ماري إلى مدينة ليدز في أواخر ثمانينيات القرن 18 ، وهناك بدأت حياة جديدة وعملت كخياطة بمساعدة صديقة لوالدتها ، وفي عام 1792م تزوجت من صانع العجلات “جون بيتمان” ، وكان بمثابة النقيض لشخصية ماري ، إذ كان شخصاً أميناً بعكسها تماماً ، ومع ذلك كان يعلم بأنه تزوج أمرأة  شريرة تحب السرقة ولكنه الحب وما يفعل .. فقد أعمى بصيرته!

كانت ماري لا تستطيع كبح جماح نفسها ، مما جعل الزوجان يفران من وجه العدالة في كل مرة خوفاً من الأكتشاف والعقاب ، وحتى بعد أن أنجبت أطفالاً لم تقلع عن السرقة، بل صارت تفكر الآن بطريقة سريعة تكسبها أموالاً طائلة .. وهكذا أضافت نوعاً جديداً من الأحتيال كان رائجا في ذلك الزمان حيث تمقصت دور وسيطة روحية على اتصال بروح تدعى ” بلاث ” فأصبح الزبائن يتهفتون إلى منزلها على أمل سماع ما يخبئه لهم مستقبلهم، وسريعا ذاع صيتها في أرجاء المدينة فأصبحت تعرف بالعرافة حلالة المشاكل وصارت تبيع مجموعة متنوعة من الجرعات السحرية والتعاويذ التي أدعت أنها تستطيع ردع الشر وصد اللعنات وحتى علاج وشفاء المريض على فراش الموت .. لقد غدت ماري سيدة أعمال ، ولم توفر عملا يدر المال إلا واقتحمته ، حتى أنها عملت بأجهاض الأجنة.

هذه الأعمال كانت تدر على ماري أموالا طائلة ، لكن ذلك لم يكن كافيا لاشباع طموحاتها  فأرادت المزيد والمزيد .. ولم يطل الوقت حتى اصبح القتل ضمن قائمة تخصصاتها الاجرامية!

منتصف الطريق

blank
تمقصت دور وسيطة روحية على اتصال بروح تدعى بلاث

في عام 1803 ، بدأت ماري بتكوين صداقة وطيدة مع ثلاث نساء من عائلة أسمها “كيتشن ” ، هذه الصداقة لم تكن بحسن نيه حيث علمت بأنهن يملكن متجر أقمشة وأرادت الاستيلاء على ما لديهن.

وفي أحدى الأيام مرضت احدى النسوة لسبب غير معلوم ، فسارعت ماري بصنع ترياق لعلاجها ، ولم يكن الدواء سوى سم يفتك بجسدها ، ولم تكتفي ماري بتسميم المرأة المريضة فقط بل سممت ايضا باقي الأخوات لتستولي على كل ممتلكاتهن، وكانت هذه أول جريمة قتل ترتكبها.

ولكي تبعد عن نفسها الشبهات القت ماري باللائمة في موت الاخوات على مرض الطاعون لتخرج من الموضوع كالشعرة من العحين!.

عندما نظر الدائنون في تركة الاخوات كيتشن ، أكتشفوا أن جميع ممتلكاتهن قد نهبت حتى الملابس والمجوهرات وأن دفاتر الحسابات مفقودة ، لكن لم يفكر أحد بألقاء اللوم على ماري.

في سعيها لكسب المزيد من المال بدأت ماري عام 1806م بنشر أشاعة مفادها أن هناك نبي يدعى “حنه ليدز” قد أسرى اليها بنبوءة نهاية العالم ، وأن لديها معجزة تعضد كلامها ، دجاجة مباركة تضع بيضا كتب عليه عبارة : “المسيح قادم”!

وبالفعل بدأت دجاجات ماري تضع بيضا يحمل هذه العبارة مما خلق حالة من الفوضى وصار الناس يتدفقون من كل حدب وصوب الى مزرعتها ليروا المعجزة بام اعينهم ويشتروا هذا البيض المبارك بأغلى الاثمان .. خصوصا وان ماري وعدت المشترين بأن نهاية العالم لن تمسهم بأي أذى.

blank
دجاجة مباركة تضع بيضا معجزة

بالطبع الحمقى وحدهم كانت تنطلي عليهم الخديعة ، ولم يكن جميع الناس يصدقون هذا الهراء! ومن بين هؤلاء المشككين كان طبيب البلدة الذي أراد أن يثبت أنها خدعة فشرع بمراقبة ماري والتجسس عليها حتى تمكن من أكتشاف الحقيقة .. فبكل بساطة كانت ماري تنقش الكلمات على البيض بأستخدام نوع من الحبر الحمضي قبل أن تعيدها ببراعة إلى قن الدجاج.

افتضاح الحيلة أدى إلى اعتقال ماري ولكن بطريقة ما يبدو أنها نجت من العقاب واستمرت في ممارسة النصب والاحتيال ، وفي عام 1806 وقع في مصيدتها زوجان طيبان هما ” ويليام وريبيكا بيريغو” ، حيث عانت ريبيكا من أضطراب عصبي كان يسبب لها رجفة ، وقد قيل لها أن السبب ربما يرجع لمس شيطاني ، لذلك لجأت ريبيكا إلى ماري طلباً للمساعدة ، ووافقت ماري بلطف على إحالة القضية إلى روح الآنسة بلايث.

كانت ماري تزعم انها مجرد وسيطة تنقل ما تقوله روح الأنسة بلاث .. وفي احدى المرات قالت ماري أن الانسة بلايث تطلب من الزوجين فتح بطانة سرير ريبيكا وحشوها بمبالغ مالية و يجب أن لا يمس احد البطانة إلا بعد 18 شهراً..

كانت الانسة بلاث تطلب من حين لاخر مبالغ مالية وخزف وفضة .. وحتى سرير جديد! .. وكان الزوجان يلبيان جميع هذه الطلبات مقابل وعد بالشفاء وبعض التريقات السحرية. وكانت ماري تبعث بطلبات الانسة بلاث للزوجين مكتوبة في رسائل وتطلب حرق الرسالة بعد فتحها حتى لا تتمكن الأرواح الشريرة من قراءة محتواها!

وذات يوم بعثت ماري برسالة غريبة الى الزوجين مفادها :

“أصدقائي الأعزاء ، يؤسفني أن أخبركم أنكم ستصابون بمرض غامض في شهر مايو القادم” .. وقد صدق الزوجان هذه النبوءة ودفعهما خوفهما الى ارسال مبالغ كبيرة لماري من اجل عمل ترياق سحري يبعد عنهما المرض.
ولم يطل الوقت حتى ارسلت لهما ماري الترياق المزعوم على شكل مسحوق سحري ، ونصت التعليمات التي تلقوها مع العلاج أن يؤكل المسحوق مع حلوى البودينغ ، ولا يجب مشاركة الحلوى مع اي احد سوى الزوجين ، وأن لا يستدعيا الطبيب مهما حدث لهما ومهما شعرا بالألم بعد تناول المسحوق لأن ذلك لن يزيد حالتهما الا سوءا.

مرة اخرى صدق الزوجان كلام ماري والتزما بتعليماتها حرفيا ، وفور تناولهما للحلوى والمسحوق مرض الزوجين بشدة على الفور. وفي 24 مايو 1807م توفيت ريبيكا ونجى ويليام من الموت بأعجوبة. وقد وصف وليم ما حدث بالتالي :

“جلسنا أنا وزوجتي على الطاولة وتناولنا الحلوى لكنني لم استطع أكمالها وتناولت النصف فقط بعد ان شعرت بالأعياء والتعب وبحرارة شديدة تخرج من فمي ، كانت شفتاي قد تحولتِ إلى اللون الأسود ، وصداع شديد يفتك برأسي، وبت أرئ الدنيا باللون الأخضر .. بعكسي تماماً تناولت ربييكا الحلوى كلها ، ولم تتحمل المسكينة الأوجاع وعلى أثرها فارقت الحياة بسرعة”.

blank
ماري تعطي الزوجان الترياق السحري المزعوم

رغم هذه الكارثة الا ان وليم استمر في علاقته بماري! لكن بمرور الوقت بدأ أيمانه يتراجع بالأنسة “بلاث” حيث شعر أن الأموال والهدايا التي يرسلها لم تجلب له سوى الحظ العاثر ، وقرر ان يتوقف عن اتباع كلام ماري وتعليماتها ، فذهب إلى سرير زوجته ومزق البطانة الحريرية لاخراج المال الذي وضعاه هناك ، لكنه لم يجد سوى اوراق بيضاء فأدرك حينها أنه تعرض للأحتيال.

وذهب وليم لمواجهة ماري التي تحججت بأن المال اختفى لأنه لم يلتزم بتعليماتها وفتح البطانة قبل المدة المحددة ، لكن وليم رد عليها قائلا : “أعتقد أن الأوان قد فات على هذه الاكاذيب” ، ووعد بالعودة في صباح اليوم التالي لتسوية الأمور.

وعندما عاد أحضر معه شرطي يدعى “دريفيلد” ، وجعل الشرطي يختبيء في زاوية قريبة ليتسنى له التنصت على المحادثة التي ستدور بينهما ، وسرعان ما سمع الشرطي كل شيء وتم الامساك بماري بالجرم المشهود.

النهاية المنتظرة

بعد ألقاء القبض على ماري في أواخر عام 1808 م أخذت الصحف تكتب عنها ومن بينها صحيفة “هال باكيت” التي ذكرت في صفحتها الرئيسية : ” هذه الجريمة لم يسبق لها مثيل بسبب الحيلة التي أستهدفت الضحايا و كمية الشر من جانب الجاني والسذاجة العمياء من المجني عليهم”.

خلال محاكمتها انكرت ماري كل التهم الموجهة لها ، وأنها لم تقم بأرسال السم لأي شخص ، وأن الأمر مجرد ألتباس لا أكثر”. وقد بدا كلام ماري مقنع لبعض الناس ، وقيل أنها بدت رزينة ومحترمة في المحكمة وتملك لسان تستطيع أن تسحر الناس به ، حتى الشيطان كان سيصدقها!

لكن سحر البيان لم يصمد كثيرا امام تدفق الشهود من جميع أنحاء مقاطعة ليدز ليخبروا القاضي عن الاحتيال الذي تعرضوا له على يد ماري بيتمان ، سرعان ما أصبح كل شيء واضح كوضوح الشمس وأن نطاق جرائمها أوسع بكثير مما كان يُعتقد في البداية، وتذكر البعض حادث موت الاخوات “كيتشن” الغامض ولم يستبعدون أنها قتلتهن بالسم ، اما قصة الانسة بلاث المزعومة فقد لاحظ المحققون تشابه خط بلاث المزعوم مع خط ماري ، اي انهما نفس الشخص.

ووجد الطبيب الذي قام بأخذ عينة من جثة “ربيكيا ” أن هناك بقايا مادة زئبقية تدل على التسمم ، وتم أجراء أختبارات على زجاجة ترياق كان قد عثر عليها في منزل ماري فوجد انها تحتوي على مزيج من  نبيذ الرم ودقيق الشوفان والزرنيخ.

هذه الأدلة الدامغة جعلت هيئة المحلفين تصدر حكما على ماري:  بأنها مذنبة ، وعندما طلبت ماري الرحمة قال القاضي لها : “بالنسبة لجرائم كجرائمكِ فأن أبواب الرحمة مغلقة”.

أخيراً عندما شعرت أن كل الأبواب مغلقة بوجهها خرجت ماري عن صمتها ورزانتها وأخذت تصرخ و تبكي زاعمة “بأنها حامل ” ، وبالطبع كانت تطمح الى تأجيل عقوبة الإعدام او ربما قد يتم إلغاؤها. لكن الفحص الطبي الذي أمرت به المحكمة لم يجد أي دليل على الحمل.

blank
اجتمع الالاف لمشاهدة عملية شنقها

في 20 مارس 1809م تناولت ماري وجبتها الأخيرة وتوجهت لحبل المشنقة ، وكانت الجموع الغفيرة قد أجتمعت في مشهد مهيب لمشاهدة اللحضات الأخيرة للمرأة التي اطلقت عليها الصحافة لقب : ” ساحرة يوركشاير ” ، والى اخر لحظة ظلت ماري تزعم انها بريئة وتنكر كل شيء. وظل الكثير من مريديها والمخدوعين بكلامها يعتقدون ان معجزة ستحدث في اخر لحظة تنقذها من حبل المشنقة لكن شيئا لم يحدث وذهبت الى سقر.

بعد الأعدام تم نقل جثة ماري إلى دار جنائز ليدز، كان الألاف بأنتظارها حيث كانت تعتبر امرأة خارقة في نظرهم ولم يصدقوا أنها ماتت لذلك تم عرض جثتها للناس مقابل ثلاث بنسات للمشاهدة. ولاحقا تم تشريح جثة ماري وسلخ جلدها وبيع اجزاء منه كتذكار لمن يرغب بالشراء ، وقد استعملت اجزاء من جلدها في تجليد الكتب! وتم الاحتفاظ بهيكلها العظمي وعرضه في في مخزن جامعة ليدز للأثار.

طبعا قد يتعجب البعض مما جرى لجثة ماري ، لكن في الحقيقة في بريطانيا ذلك الزمان لم تكن لجثث الاشخاص المعدومين لاقترافهم جرائم اي حرمة ، وغالبا ما كانت جثثهم تذهب الى كليات الطب لتستعمل في دروس التشريح.

blank
صورة الهيكل العظمي المحفوظ لماري بتمان وكذلك صورة اشياء تم صنعها من جلدها

اخيرا .. عندما شرعت بكتابة هذا المقال لا أعلم لما شعرت بالأستياء ، هل بسبب شخصية ماري الجشعة أم بسبب طبيعتنا البشرية ككل التي تحب السلطة والمال لابعد الحدود ، مما جعلني أعيد حسابات كثيرة في عقلي ومن بينها : هل المال يستحق أن أقوم بالسرقة ثم الأحتيال وفي نهاية القتل؟ هل حبي للمال سيجعلني أفعل المستحيل لسعادتي الدنيوية وعلى حساب الأخرين ، أنا هنا لا أقول أن المال ليس مهم في حياتنا ولكن أن خرجت الأمور عن السيطرة وأصبح المال هو هاجس الجياة الوحيد فهنا يتحول الامر الى مرض نفسي، ولو أننا بحثنا عن الجرائم التي تندرج تحت يافطة الجشع والطمع فسيشيب شعر الرأس.

ما رأيك أنت عزيزي القارئ ، هل حب المال وطلبه له حدود ام انه يبيح جميع المحرمات؟

مصادر :

Mary Bateman – Wikipedia
Mary Bateman – Murderpedia

تاريخ النشر : 2020-11-27

مقالات ذات صلة

43 Comments
Inline Feedbacks
شاهد جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى