منوعات

مانسا موسى : أغنى رجل في التاريخ

بقلم : نور الهدى الاخضرية – الجزائر

كان موسى شابا حكيما
كان موسى شابا حكيما

ستكون رحلتنا اليوم الى قارة أفريقيا تلك القارة الشاسعة الغنية بالثروات والمتعددة الثقافات والاجناس ، لن نتحدث هذه المرة عن الحروب والمجاعات والامراض بل سنتحدث عن حقبة زمنية ذهبية لهذه القارة حين كان الافارقة أسياد ارضهم وثرواتهم.

سنحط رحالنا اليوم في دولة مالي حيث ولد الملك موسى الاول عام 1280 والذي ترجع أصوله الى الملك سوندياتا كيتا مؤسس مملكة مالي حيث كان موسى هو حفيد أبو بكر أخ الملك سوندياتا كيتا حسب مراجع ابن خلدون.

وقد عرف موسى بعدة القاب مثل كانجا موسى، كانكو موسى نياري نياكاتي، أو موسى الاول ، وكانكو موسى تعني موسى ابن كانكو حميدو وذلك اشارة لوالدته حيث كان الشعب الماندينغي مجتمعا أموميا، لكن أكثر اسم اشتهر به هو مانسا موسى ولقب مانسا هو مثل لقب الملك ، وقد كان موسى هو المانسا العاشر لمملكة مالي مابين 1312و1337.
عند اعتلائه العرش كانت مملكة مالي تتكون من أراضي غانا ومالي وما جاورها وكانت مملكة مزدهرة في ذلك الوقت، ورغم غياب المصادر المكتوبة عن مانسا موسى وتاريخ مالي الا ان أغلب المعلومات عنه كانت من الرحالة العرب وشمال المغرب العربي مثل ابن خلدون، ابن بطوطة، المقريزي، اليافعي.

أصبح موسى هو الملك او المانسا العاشر لمملكة مالي
أصبح موسى هو الملك او المانسا العاشر لمملكة مالي

اما عن كيفية وصول مانسا موسى الى السلطة فهي بسبب عادة في مملكة مالي وهي ان يعين الملك خليفته مباشرة قبل ذهابه الى الحج او سفره وعليه قام الملك أبو بكر الثاني ملك مالي بتعيين موسى خليفة له وسافر في رحلة الى المحيط الاطلسي فقد كان معروفا عن الملك أبو بكر الثاني ولعه بالسفر والاستكشاف فسافر في رحلة بحرية الى المحيط الاطلسي معتقدا بأنه سيجد اليابسة بعد نهاية المحيط لكنه لم يعد أبدا من تلك الرحلة وعليه أصبح موسى هو الملك او المانسا العاشر لمملكة مالي.

كان موسى شابا حكيما وقد استطاع ان يؤسس علاقات دبلوماسية مع المملكة المرينية والزيانية بتلمسان في الجزائر وكذلك مع الدولة الحفصية والدولة المملوكية بل حتى مع مملكة البرتغال، وبفضل حنكته في الحكم استطاع ان يجعل مملكة مالي تعيش عصرها الذهبي ففتح الاسواق وشجع التجارة وبنى المدن والمساجد حتى اصبحت مالي من أغنى الدول في افريقيا وقد ساعده في ذلك وجود الثروات خاصة معدن الذهب وكذلك العاج والتوابل والخشب أيضا وكل هذه الثروات كانت باهضة الثمن وتجارتها تدر ارباحا طائلة على المملكة فأصبحت مملكة مالي مملكة من ذهب لشدة غناها وأصبح مانسا موسى أغنى رجل على مر التاريخ.

رحلة الحج

ذاع صيت مانسا موسى بعد رحلته الشهيرة الى مكة
ذاع صيت مانسا موسى بعد رحلته الشهيرة الى مكة

تعد رحلة مانسا موسى الى مكة لاداء فريضة الحج (دولة مالي مسلمة منذ القدم) من أشهر الرحلات في التاريخ وهي التي زادت من شهرة مانسا موسى كأغنى رجل في التاريخ ، فقد انطلق في رحلته الى مكة المكرمة عام 1324مع حاشيته والتي حسب المصادر المتعددة كانت تتراوح بين خمسة عشر ألف 15.000 وستين ألف 60.000 شخص من بينهم 12000 ألف من العبيد والخدم.
وكل رجاله وحاشيته يرتدون أفخم ملابس الحرير وكل الرجال يحملون عصيا من الذهب الخالص ويعتنون بالخيل والاكياس وكل نفقات هاذا الموكب من أكل وشرب وملبس لكل فرد على حساب مانسا موسى وحتى الحيوانات التي صحبتهم في الرحلة من خيل وجمال واغنام كل مأكلها ومشربها على حسابه.

وقد تكونت القافلة من 80 جملا مخصصا لحمل 50 الى 300 رطل من الذهب والكثير من المقتنيات الثمينة والاحجار الكريمة ، وكان مانسا كثير العطاء ينفق بسخاء في كل مدينة يحل بها او يمر بها خلال رحلته ، وقد كان سخيا مع الجميع فيوزع الذهب على الجميع سواء من الامراء أو الاعيان او التجار وعامة الناس والفقراء ممن يقابلونه وكذا الحجاج ايضا.

وقد ذكر السعدي في مؤلفاته أن مانسا موسى كان يبني مسجدا في كل مدينة او قرية يصادف مروره بها يوم الجمعة وذلك من ماله الخاص الذي حمله معه في رحلته .

وعند وصول مانسا موسى الى القاهرة التقى بالسلطان المملوكي ناصر الدين محمد بن قالاوون في يوليو من عام 1324 وقد تم توثيق هذا اللقاء من قبل المقريزي في كتابه (السلوك لمعرفة دول الملوك)، في البداية رفض مانسا مقابلة ناصر الدين بحجة انه جاء فقط لأداء فريضة الحج لكن الحقيقة هي أن مانسا رفض مقابلته لكي لا يقبل الارض واليد في حضرة السلطان المملوكي فهو يرى هذا انتقاصا منه ، وبعد محاولات عديدة قبل الدعوة لكنه رفض تقبيل اليد وسجد لله وحده وفي مصادر أخرى هناك من يقول انه اكره على تقبيل يد السلطان.

ومما روي عن رحلة مانسا في القاهرة انها كانت مدمرة لاقتصاد مصر في ذلك الوقت فقد اغدق مانسا من الذهب على كل من يمر في طريقه فانخفضت قيمة الذهب لمدة عشر سنوات في مصر بعد ذلك كما شهدت اسعار السلع الاستهلاكية تضخما مرتفعا ، كما اقترض موسى بفائدة كبيرة كل الذهب الذي يمكن حمله من تجار القاهرة وكانت هذه هي المرة الوحيدة في التاريخ التي يتحكم فيها رجل واحد بسوق الذهب في حوض المتوسط .

كل هاذا الانفاق الكبير وتوزيع الذهب بلا حساب جعل مصر تعيش أزمة اقتصادية لسنوات عديدة بسبب هذه الرحلة الغريبة.

في مكة

عند وصول مانسا موسى الى مكة مع حاشيته الكبيرة حدثت فتنة بين الاتراك وحاشية مانسا حيث أشهرت السيوف ورفعت في المسجد الحرام فغضب مانسا غضبا شديدا وصرخ فيهم من شباك اقامته حتى توقفوا عن القتال ، وحتى في مكة واصل مانسا توزيع النقود الذهبية والعطايا فحصلت الازمة مثلما حصل في مصر.

رحلة العودة

blank
امبراطورية مالي شملت مساحة شاسعة من غرب افريقيا وكانت عاصمتها تمبكتو

بعد أدائه مناسك الحج واستعداده للعودة الى مملكته روى المقريزي في كتابه الذهب المسبوك أن قافلة مانسا تأخرت بالعودة من مكة ولم يعد مع المحمل المصري فهلك الكثير من رجاله وجماله بسبب البرد ولم يصل الى القاهرة الا نحو الثلث منهم.

عند عودة مانسا موسى الى مملكته لم يعد خاليا الوفاض بل احضر معه كل العلوم والفنون وفن العمارة التي صادفها في طريقه فقد كان مانسا يعرض على العلماء والمعماريين خلال رحلته ان يعودو معه الى مملكته وقد احضر معه الكثير منهم فبدأ بتطوير مملكته اكثر واكثر فقد استغل رحلة حجه ايضا في فتح طرق جديدة للتجارة مع العديد من الدول ، وقد تطورت العلاقات التجارية والدبلوماسية مع مصر وشمال افريقيا بفضل رحلته واصبحت مالي مركزا تجاريا هاما في وسط الصحراء.

قام مانسا بتشييد العديد من المساجد والمدارس الاسلامية في مدينة تمبكتو ومدينة جاو اهمها مدرسة سنكوري أما في مدينة نياني فقام بتشييد قاعة محكمة تعلوها قبة ونوافذ مزينة بالفضة والذهب ، فبفضل موسى أصبحت مملكة مالي مركزا دينيا وثقافيا وتجاريا هاما في ذلك الوقت كما ساهمت في نشر الاسلام ومختلف العلوم ووصل صداها الى عمق اوروبا حيث تم تصدير مختلف التوابل والعاج والحرير والخشب الثمين والاحجار الكريمة والذهب وكذا العلوم والفنون.

بفضل مانسا تغيرت كل مملكته وتوسعت اكثر واكثر لتشمل اراض جديدة امتدت من المحيط الاطلسي الى الضفة الشرقية من نهر النيجر وغابة تاغزة وسط الصحراء الى غاية وفاته، وبفضل كل هذه المدن التي سيطر عليها اصبح مانسا موسى يمتلك نصف الذهب الموجود في العالم القديم بفضل تجارته خاصة تجارة الذهب والملح، وبسبب غياب الارشيف المكتوب لمملكة مالي هناك اختلاف بين المؤرخين حول وفاته فمنهم من يقول ان ابنه مقان الاول اعتلى العرش عام 1332 فوفاة مانسا موسى ربما حدثت في نفس العام ، ومنهم من يقول انه توفي بعد زمن قليل من عودته من الحج عام 1325، أما ابن خلدون فيقول أنه كان مازال حيا عند الاستلاء على مدينة تلمسان في الجزائر عام 1337 بحيث أرسل مبعوثا الى تلمسان لتهنئتهم بالنصر.

blank
تم تصويره في المصادر الاوربية على انه رمز للثراء والذهب

ورغم هاذا الختلاف الا ان المتفق عليه أن مانسا لعب دورا هاما في التاريخ ليس بثروته التي لم يسبقه لها أحد بل بكيفية استعمال هذه الثروة في تطوير مملكته لتصبح قبلة للتجارة للعلم والدين والثقافة ، وبعد وفاته أصدرت اسبانيا مايعرف بالاطلس الكاتالوني ومن بين ما احتواه هذا الاطلس هو ذكره لشخصية مانسا بشكل واضح وكبير ممسكا بقطعة من الذهب المشع بيده مما يبين حجم قوته واشعاعه في العالم حتى بعد وفاته.

اصبح مانسا موسى بعد وفاته رمزا من رموز مالي وافريقيا عامة خاصة وأنه عرف بأخلاقه الحميدة وحبه للخير والبر والصدقة كما كان محافظا على الصلاة والذكر راغبا في العلم حسب ما ذكره ابن كثير واليافعي والعمري، وبهاذا تطوى صفحة ذهبية من صفحات تاريخ أفريقيا القديم عندما كان الافارقة أسيادا في هذا العالم.

كلمات مفتاحية :

– Mansa Musa

تاريخ النشر : 2021-06-17

مقالات ذات صلة

51 Comments
Inline Feedbacks
شاهد جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى