ألغاز تاريخية

من وضع بيلا في شجرة الدردار؟

بقلم : omar35880 – ليبيا

من أكبر الألغاز في تاريخ بريطانيا
من أكبر الألغاز في تاريخ بريطانيا

في خضم الحرب العالمية الثانية، ظهرت عبارة مكتوبة على جدار في مدينة بيرمنغهام تقول : “من وضع بيلا في شجرة الدردار؟”.
لا يُعرف من الذي كتب هذه العبارة. وكانت لتمر مرور الكرام دون ان ينتبه لها احد حالها حال كتابات كثيرة تظهر على الجدران لولا أن ظهورها حدث بعد عام على اكتشاف هيكل عظمي لفتاة داخل شجرة دردار في إحدى غابات غرب إنجلترا.
حادثة تحولت إلى لغز محير يعد من أكبر الألغاز في تاريخ بريطانيا.

اكتشاف الهيكل

blank
صورة الشجرة التي عثر على الهيكل في تجويفها

بدأ اللغز في قرية هاغلي غرب إنجلترا، وهي تقع على مقربة من مدينة بيرمنغهام. في 18 أبريل 1943 ذهب أربعة فتيان من القرية إلى الغابة القريبة التي تقع ضمن أملاك نبيل انجليزي يدعى اللورد كوبهام.
سعى الفتيان للبحث عن أعشاش الطيور، ورأوا أمامهم شجرة دردار جرداء كبيرة، فاتجهوا نحوها على أمل أن يجدوا بها أعشاش كثيرة.
تسلق أحدهم الشجرة ونظر داخل جذعها الأجوف ليجد فيها جمجمة. ظن في البداية أنها تخص حيوان، ولكن عندما رفعها وجد عليها شعرا وأسنانا بشرية فأدرك أنها تخص إنسان.
أعاد الفتى الجمجمة إلى مكانها وغادر الغابة مع رفاقه بعد ان تعاهدوا على ان لا يخبروا أحدا بما رأوه خشية الوقوع في مشكلة لتعديهم على أملاك خاصة.
لكن أصغر هؤلاء الفتية بقي مضطربا مما رآه وقرر أن يبلغ والديه بما حدث، واللذان أبلغا السلطات بدورهما.

وصلت الشرطة وفحصت جذع الشجرة لتجد فعلا هيكلا عظميا شبه كامل لامرأة، ومعه حذاء وخاتم زواج ذهبي وقطع من ثياب، لكنهم لم يجدوا اليد اليمنى.
كانت جثها مطوية بوضع القرفصاء داخل الشجرة. كانت الجمجمة بحالة جيدة وتحمل بعض خصلات الشعر وكانت بعض أسنانها مفقودة. وبعد مواصلة البحث وجدوا يدها المفقودة وهي مدفونة على مسافة قريبة من الشجرة.

ماذا كشفت التحقيقات؟

blank
الصورة التي رسمتها الشرطة بناء على شكل الجمجمة

أرسل الهيكل العظمي للفحص الجنائي على يد الأستاذ جيمس وبستر من جامعة بيرمغهام. وقد قدّر الطبيب أن الهيكل يعود لامرأة في الثلاثينات من عمرها تقريبا ، وبطول خمسة أقدام (153 سم)، وقدّر أنها أنجبت طفلا من قبل.
حدد الأستاذ ويبستر زمن الوفاة التقريبي بفترة لا تقل عن 18 شهرا، وهو ما يضع زمن الجريمة في أبريل 1941 أو قبلها. لكن لم يحدد الطبيب سبب الوفاة بدقة، ولكنه اكتشف قطعة قماش ملتفة في فمها ما يرجح موتها خنقا.

رجح التحليل أن القاتل وضعها في الجذع بعد قتلها بفترة وجيزة، وإلا لما استطاع ذلك إذا تباطأ في الأمر حتى تتخشب الجثة.

نتائج التحقيق الاولية فتحت عددا من التساؤلات: هل تمت الجريمة داخل الغابة؟ هل كان القاتل من سكان القرى المحيطة بالغابة؟ إذ أنه على الأغلب كان يعلم بوجود شجرة كبيرة جوفاء وأنها تكفي لوضع إنسان بالغ داخلها.

كوّنت الشرطة صورة لما بدت عليه المرأة، ولكن تلك الصورة كانت شاملة فلم يتمكنوا من تضييق نطاق البحث بين ملفات المفقودين، خاصة أن أعدادهم كبيرة خلال الحرب. ولم يتطابق ملفها مع ملفات المفقودين في منطقة هاغلي، ما يرجح أنها كانت غريبة عن المنطقة. كانت أسنانها معوجة وذات مظهر مميز، فأرسل المحققون سجلات أسنانها للأطباء في أنحاء البلاد على أمل أن تتطابق مع أي مريض، لكن لم يسفر هذا عن شيء.

في العام التالي، ظهرت كتابة على إحدى حيطان شارع أبردين في بيرمنغهام لازمت هذه القضية حتى الآن، تقول الكتابة : “من وضع بيلا داخل شجرة الدردار في غابة هاغلي؟”

blank
هرت كتابات غامضة على الجدران في انحاء انجلترا

وظهرت عدة كتابات مشابهة على الجدران في أنجاء إنجلترا، منها كتابة على مسلة في تلة على مقربة من الغابة التي وجدت في الجثة، تقول : “من وضع بيلا في شجرة الدردار؟”، ومنها ما كتب اسمها “لوبيلا” بدلا من “بيلا”.
لا أحد يعرف من أصحاب هذه النصوص؛ هل هو الفاعل أو شخص علاقة بالقضية، أم أنها مجرد مزحة من مراهق؟
وإن كانت من صنع فاعل، فهل له علاقة بالكتابات الأخرى أم أنها مجرد تقليد؟ هل كان اسمها هو فعلا “بيلا” أم أن صاحب العبارة اختار اسما شائعا؟ حاول المحققون عبثا أن يبحثوا عن كاتب أي منها علّهم يهتدون إلى خيط في القضية.

عندما أعادت الشرطة فتح القضية عام 2009، وجدت أن الأستاذ وبستر منح الهيكل إلى صديقه في كلية الطب بجامعة بيرمنغهام، وأن الهيكل قد ضاع الآن. لم تتشارك الشرطة ملف القضية علانية بما أنها لا تزال مفتوحة ، وها ما فتح المجال أما نظريات المؤامرة ، فقالوا بأن ضياع الهيكل كان مقصودا للتستر عن أشخاص معينين.
وبما أن الهيكل قد ضاع، فقد استعان فريق من جامعة ليفربول بالصور الفوتغرافية القديمة للجمجمة التي التقطت اثناء التحقيق لإعادة بناء وجه بيلا بالكمبيوتر.

النظريات

blank
حمحمة الضحية .. ضاعت واختفى اثرها .. لاحظ اسنان الثنايا عندها كم هي مميزة

طرح العديدون عدة احتمالات فيما يتعلق بهوية بيلا. تنوعت هذه النظريات بين أن تكون فتاة ليل، أو أن تكون جاسوسة ألمانية، أو أنها ضحية طقس سحري، أو أنها امرأة أقامت علاقة مع جندي أمريكي، أو أنها هربت من بيرمنغهام خلال قصف الألمان.

هناك احتمالان طرحهما الإذاعي ستيف بونت في برنامجه على بي بي سي راديو 4 الذي عرض في أغسطس 2014. أولهما بلاغ قدمته فتاة ليل في بيرمنغهام عام 1944، حيث أبلغت الشرطة عن اختفاء فتاة ليل أخرى تدعى بيلا قبل ثلاث سنوات، ويتوافق هذا مع زمن موتها. إن كانت هذه الفرضية صحيحة، فإن كاتب العبارة كان على علم بهوية الضحية. يرى المهتمون بالقضية على الإنترنت أن هذا الاحتمال هو الأقرب للواقع، لأن فتيات الليل عادة ما يقعن ضحايا القتلة والسفاحين ولا أحد يبحث عنهن. وإن شككوا بانتظار الفتاة ثلاث سنوات قبل تقديمها البلاغ عن اختفاء صاحبتها.

الاحتمال الثاني الذي طرحه ستيف هو بلاغ قدمته امرأة تدعى أونا موسوب للشرطة عام 1953. قالت أونا أن زوجها، ويدعى جاك موسوب، اعترف لعائلته أنه قام مع رجل هولندي بوضع امرأة في شجرة. قال موسوب أنه التقى الرجل في حانة القرية، ورأى المرأة وهي ثملة وأخذها مع رفيقه. أغمي على المرأة في السيارة من أثر السكر، فقاما بوضعها داخل الشجرة إلى أن تفوق من أثر الثمالة في الصباح وذلك لكي تصاب بالرعب ولا تعود لهذا السبيل مرة أخرى. أدخل جاك لمصح عقلي لأنه ظل يحلم بامرأة تحدق فيه من داخل شجرة، وكان هذا الكابوس يتكرر كثيرا، ومات في المصح قبل اكتشاف الجثة بعدة أشهر. ومثل الاحتمال السابق، فما يشوب هذه القصة هو أن أونا لم تروِها إلا بعد أكثر من عشر سنوات على وفاة زوجها.

blank
كلارا باويرلي .. ممثلة ومغنية وجاسوسة ,, هل هي صاحبة الهيكل

هناك نظرية أخرى أتت من ملف نشرته المخابرات البريطانية (MI5) عن جوزيف جاكوبز، وهو آخر شخص يتم إعدامه في برج لندن. جاكوبز هو عميل ألماني هبط بالمظلة في كامبريدج وكسر كاحله قبل أن يتم اعتقاله. وجدوا معه صورة زعم أنها لحبيبته، وهي مغنية كباريه وممثلة ألمانية تدعى كلارا باويرلي. قال جاكوبز أنها تتدرب في وحدة التجسس، وسيتم إرسالها إلى إنجلترا حالما يتصل بهم. شكك البعض بهذه النظرية لعدم وجود ما يثبت أن كلارا دخلت بريطانيا، كما كانت أطول من بيلا بواقع 1 قدم (30 سم)، وقد بطلت النظرية لاحقا عندما اكتشف أن كلارا باورلي ماتت في ألمانيا في ديسمبر 1942.

هناك نظرية أخرى قدمتها عالمة الأنثروبولوجيا والآثار مارغريت موراي، هي أن بيلا كانت ضحية طقس سحري. ذكرت أن يدها المقطوعة تتوافق مع طقس وثني يدعى يد المجد، حيث يتم قطع اليد في طقوس الأضاحي البشرية لدى الغجر. لقيت هذه النظرية قبولا من الصحافة، وربطوا بينها وبين جريمة أخرى لرجل يدعى تشارلز والتون، والذي قتل فيما بدا أنه طقس ديني في بلدة كويتون القريبة. لم تلقى هذه النظرية قبولا لدى الكثيرين، بما أن اليد لا تُرمى في الطقس المذكور، بل يستخدمها اللصوص لجعل أهل البيت المرصود ينامون، كما أنها في العادة تؤخذ أو تسرق من جثث المعدومين شنقا بعد دفنهم. وقد عاب الباحثون على موراي تصديقها نظريات المؤامرة والشائعات عن السحرة، وكذلك شائعات الأضحيات البشرية لدى الغجر.

ظهرت نظرية أخرى عام 1953 بسبب رسالة بعثتها امرأة تسمي نفسها آنا إلى صحيفة محلية في ولفرهامبتون. قالت فيها أن الضحية هي امرأة هولندية تدعى كلارابيلا درونكرز كانت جزءا من حلقة جواسيس ألمانية داخل بريطانيا، وتم قتلها من قبل الجواسيس لأنها كانت تعرف الكثير. قد تكون هذه النظرية محتملة لأن منطقة بيرمنغهام كانت هدفا للجواسيس وقصفها الألمان مرارا لما بها من مصانع تدعم جهود الحرب، ولكن المستندات والأدلة الموجودة لا تدعم هذه النظرية.

خاتمة

يبقى السؤال في القصة: هل للكتابة على الحائط علاقة بهذا اللغز؟ للأسف فإن هذه القضية قد تبقى دون حل للأبد مع ضياع الأدلة، خصوصا الهيكل العظمي ، فلم يعد ممكنا الاستعانة بوسائل العلوم الجنائية الحديثة، وأهمها الحمض النووي، وكذلك بناء صورة أدق لوجهها. وبما أن أكثر من سبعين عاما مرت على اكتشافها، فإن كل من يعرفها أو له علاقة بوفاتها قد فارق الحياة الآن. ربما من تبقى الآن هو ابنها (المحتمل وجوده) والذي لا يعرف عنها شيئا.

حسب رأيي الشخصي فأنا أرى نظرية جاك موسوب هي الأقرب، فهو من سكان المنطقة وعلى علم بمكان الشجرة، وربما حاول استدراج امرأة ثملة مع صديقه ثم قتلها بعد ذلك.

ما رأيك عزيزي القارئ؛ هل تتفق مع هذه النظريات أم أن لديك نظرية أخرى؟

كلمات مفتاحية :

– Who Put Bella in the Wych Elm

تاريخ النشر : 2021-04-05

Omar35880

ليبيا

مقالات ذات صلة

22 Comments
Inline Feedbacks
شاهد جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى