اساطير وخرافات

هانسل وغرتيل والحقيقة المروعة وراء حكايتهما

بقلم : روح الجميلة – أرض الأحلام

هانسل وغريتل هي واحدة من أقدم واشهر القصص الخيالية على مر العصور. بإستثناء أنها ليست مجرد خرافة بل كانت مأساة حقيقية. مأساة تم اخفاء أجزاء منها وتحويرها وذلك لأسباب عدة أهمها أنها قصة موجهة للأطفال.

عزيزي القارئ أتساءل عما إذا كان بإمكانك التعرف على الأجزاء المحورة في القصة .. لكن قبل ان نخوض في هذه القضية دعونا نسرد لكم القصة مجددا وبأختصار .. فلعلكم نسيتموها .. فهيا بنا معاً

كان يا مكان ..

ذات مرة كان هناك حطاب فقير يعيش مع زوجته وطفليه. كانوا يتضورون جوعا بسبب مجاعة شديدة وقعت في ذلك الزمان. في إحدى الليالي الباردة على السرير همست زوجة الحطاب ببطئ بإذن زوجها بأنه يجب عليهما التضحية بالأطفال. أصيب الزوج بالرعب ، وكانت أجابته حاسمة .. الرفض القاطع .

كلام زوجته أزعجه ، في النهاية هي كانت زوجة أبيهم ، واحتج على كلامها قائلا أنها يجب أن تحبهما كما يحبها هو ، لكنها أوضحت وجهة نظرها قائلة أنهما إذا ماتا فلن ينجو الأطفال على أي حال ، وأنهم لا يملكون ما يكفي من الطعام ، ليس لديهم ما يكفي من الطعام لشخصين ناهيك عن أربعة.
لكن إذا ضحوا بالأطفال فقد يعيشون لإنجاب أطفال آخرين عندما تنتهي المجاعة..

بكى الحطاب متأثراً بكلماتها، لكنه رأى في النهاية بأن كلامها لا يخلو من منطق ومن بصيص أمل . وأخيرا أتفق الزوجان على أصطحاب الأطفال إلى الغابة في صباح اليوم التالي والتخلي عنهما هناك لأنه لم يكن يستطع أي منهما تحمل التخلص منهما بقتلهما.

ما لم يعرفاه هو أن هانسل الصغير كان مستيقظا وسمعهما. وبكل ذكاء ملأ الصبي جيوبه بالحجارة الصغيرة، وأسقطها على طول الطريق بينما كان أبوه يأخذه وأخته إلى عمق الغابة ، وهكذا أستطاع إحباط خطة الزوجان فقد وجد الأطفال طريق عودتهما إلى المنزل بتتبع الحجارة على الأرض.

blank
قام هانسل برمي الحصى على طول الطريق ليتمكن من العودة

بعد بضعة أيام، حاول الوالدان التخلص منهما مجددا .. وهذه المرة تم فحص الجيوب بدقه  وأعطي كل طفل قطعة من الخبز الجاف. وطلب منهما حفظه لحين موعد تناول طعام الغداء، لكن هانسل ، بكل ثقه كالمرة السابقة أسقط فتات الخبز أثناء سيرهم ليتمكن من الرجوع إلى المنزل كما حصل في المرة السابقة.

لكن للأسف، أكلت الطيور فتات الخبز فلم يعد باستطاعة الأطفال ايجاد طريق العودة ..

بعد التعثر والبكاء والسير على غير هدى داخل الغابة المظلمة والموحشة وجدا نفسهما فجأة أمام منزل مصنوع بالكامل من خبز الزنجبيل!..

blank
وجدا انفسهما امام منزل مصنوع بالكامل من المعجنات اللذيذة

وأختصارا للقصة ، التي بالتأكيد معظمكم سمعها ، فقد كان المنزل مملوكًا لساحرة شريرة لا تتورع عن التهام الأطفال ، فألقت بهانسل في قفص لتسمينه لتأكله وجعلت غريتل خادمة لها.

وعندما حان وقت التهام هانسل وبينما كانوا يسخنون الفرن لطهي الصبي ، دفعت غريتل الساحرة إلى داخل الفرن حتى احترقت وتحولت إلى رماد.
وعاد الأطفال إلى المنزل ومعهم كنز الساحرة ليكتشفوا أن زوجة أبيهم ماتت فعاشا في سعادة دائمة مع والدهم.

إلا أنهم في القصة الحقيقية لم يفعلوا!.

القصة كتبها الأخوان غريم

blank
الاخوان غريم افنيا عمريهما في تتبع وتوثيق التراث المحكي

كتب الأخوان غريم قصة هانسل وغريتل لأول مرة في عام 1812 م وترجمت إلى 160 لغة منذ ذلك الحين ، ولم يكن جاكوب وفيلهلم غريم رواة قصص ، ولعلهما كانا سيضحكان ويستغربان الآن على فكرة تحول حكايتهما إلى قصة ممتعة تروى للاطفال. لقد كانا في الحقيقة عالمان ومؤرخان أرادا تسجيل التاريخ الشفوي والفولكلور في منطقتهما ، خصوصا الفلكلور الألماني ، لأنهما كانا يخشين أن تجتاح فرنسا ثقافتهما خلال الحروب النابليونية. لقد جمعا أكثر من 200 قصة.

عندما تم نشر الكتاب الأول لم يكن به رسوم إيضاحية. كان النص كثيفاً مثل كتاب مدرسي مكتظ بالمعلومات والمراجع العلمية.

لم يكن كتاباً للأطفال. كان كتابا مكتوبا لإنقاذ وحفظ التاريخ الشفوي والحكايات الشعبية للمنطقة في حالة تولي فرنسا السلطة.

مع مرور السنين وإعادة كتابة القصص من قبل العديد من الكتاب المختلفين، بما في ذلك إصدارات أفلام ديزني، فقدت القصص مسارها وتحولت إلى مجرد حكايات شعبية خرافية ليتم تناسي حقيقة أنها تاريخ شفهي يستند إلى أشخاص حقيقيين وقصص واقعية.

لكن من أين حصل الأخوان على القصة؟

blank
كانت هنرييت بمثابة شهرزاد للاخوان غريم .. وكانت تروي الحكايات التي سمعتها عن كبار السن في عائلتها

عندما كانا يؤلفان كتبهما الشهيرة، جمعا قصصًا رواها لهما مباشرة أفراد من عامة الناس .. قصص مثل عازف المزمار الذي أختفى بسببه 130 طفل  ، والقصة الحقيقية لـ بيض الثلج.

كانت هناك امرأة تدعى “هنرييت دوروثيا وايلد” جارة للأخوين غريم. روت لهما العديد من القصص ، وغالبًا ما ساعدها أفراد أسرتها الأكبر سنًا للحصول على تفاصيل كافيه.
وبعد عشر سنوات من جلساتها الطويلة معهما ، على طاولة المطبخ في منزلهما ، كانت قد تزوجت فيلهلم الذي وقع في حبها.

طيب الآن وقد عرفنا مصدر القصة الحقيقي .. فطبعا من حقنا ان نتساءل : هل هي مجرد حكايات شعبية قديمة ترويها العجائز لاحفادهن في ليالي الشتاء الباردة؟

في الحقيقة لا ، بحسب علماء التراث والتاريخ والفلكلور فأن جميع هذه القصص تستند إلى وقائع حقيقية تم تحويرها لاحقا وأضافة الكثير من الاحداث الخيالية إليها لتصبح أكثر تشويقا ..
وعليه فقد كان الحطاب وعائلته في قصة هانسل وغريتل حقيقيين ..

blank
تسببت موجات من الطقس السيء في فشل الزراعة وبالتالي اكبر مجاعة في تاريخ اوروبا

في الواقع تعود القصة إلى فترة المجاعة الكبرى التي ضربت أوروبا بين عامي 1314-1322 عندما تكرر طقس سيء لعدة سنوات متوالية مما أدى إلى فشل المحاصيل الزرعية وبالتالي حدوث مجاعة في أجزاء من أوروبا. وقد قدر أحد الباحثين أن المجاعة قتلت ما يصل إلى 25٪ من السكان في العديد من الدول الأوربية.

خلال المجاعة، اختار بعض كبار السن الموت جوعا للسماح للشباب بالعيش. لقد توقفوا ببساطة عن الأكل وماتوا طواعية..

قال أحد المؤرخين إن المجاعة كانت سيئة للغاية لدرجة أن “الناس سحقوا بسبب الجوع الى درجة أنهم انتزعوا جثث الموتى من المقابر لأكلها”
كما وقعت الكثير من الحوادث التي تضمنت اختطاف البشر ، خصوصا الأطفال ، من اجل التهامهم.

فالحطاب في القصة هو كناية عن المجاعة والجوع ، ولذلك ستلاحظ أنه لم يرد له اسم في الحكاية الأصلية .. أما الأطفال فهم كناية عن الضحايا وكان لديهم أسم ، فهانسل وغريتل يعدان الاسمين الأكثر شيوعاً في المنطقة في تلك الحقبة. فعليه هي لم تكن قصة طفلين محددين، ولكن قصة العديد من الأطفال.

blank
اناس كثر اخذوا اطفالهم وتركوهم لوحدهم لمصيرهم في الغابة

الأطفال أقتيدوا إلى الغابة وتركوا هناك. وهذه حقيقة وقعت خلال المجاعة ، كان الناس لا يجدون شيئا ليطعموا به أطفالهم ، لم يعد الأباء يستحملون بكاء الأطفال المتواصل أمام اعينهم ، فكان اليأس الشديد يدفعهم إلى أخذهم إلى الغابة وتركهم هناك ليموتوا بعيدا عن أعينهم أو لعل الله يرأف بهم فيجدون سبيلا للنجاة ..

قد تجد في سماع ذلك قسوة ، لكن لعلمك الأباء الطيبين هم من فعلوا ذلك! .. لأن جنون الجوع دفع أباء آخرين لألتهام أطفالهم بأنفسهم!! .. ولأنك ربما لم تجرب الجوع الحقيقي لأيام متواصلة فأنت لا تعرف ما الذي يفعله بالبشر وكيف يحولهم إلى وحوش كاسرة ، فهو لا يؤثر في أجسادهم فقط ، بل في سلامة عقولهم أيضا.

طيب ماذا عن الساحرة الشريرة .. إلى ماذا ترمز؟

إلى حقيقة تاريخية أخرى هي أن الأطفال ، باعتبارهم الحلقة الأضعف في المجتمع ، كانوا فعلا يتعرضون للخطف ويلتهمون ، وهذه حقيقية لا تختص بها المجاعة الكبرى في أوروبا ، بل حدثت وتكررت في معظم المجاعات التي عصفت بأرجاء مختلفة من الأرض على مر العصور.

blank
لوحة توثق ما يحصل عندما تشتد المجاعة .. يفقد الناس صوابهم جراء الجوع .. يصابون بالسعار .. بعضهم يطارد ما لا يؤكل من الحيوانات كالكلاب والقطط ليلتهمها .. واخرون يمضون بعيدا الى حد التهام اللحم البشري

وإذا كان الناس يأخذون كبار السن والاطفال إلى الغابات ويتركونهم لمصيرهم فحتما هناك من يتصيد هذه الفرصة السانحة وسيتجول في الغابة للبحث عن هؤلاء ، خصوصا عن الأطفال ، سواء أحياء أو اموات لالتهامهم .. أنهم صيد سهل .. ولعل القاتل لن يشعر بتأنيب الضمير فهو بالنهاية يسدي خدمة لهؤلاء الصغار .. ينهي عذابهم وجوعهم وخوفهم المتواصل في الغابة الكثيفة المظلمة والموحشة.

لكن لاحقا عندما أنتهت المجاعة وامتلأت البطون مجددا ، فحتما لا يمكن تخيل الشعور بالذنب والعار الذي شعر به هؤلاء الناس، وبعد عقود، همسوا بالقصص المروعة عن كيفية نجاتهم من المجاعة.
لكن كيف ستخبر أطفالك أو أحفادك أنهم على قيد الحياة لأن أسلافهم لجأوا إلى أكل لحوم البشر؟! كيف أستطعوا سرد قصة من هذا القبيل؟

ببساطة حولوها إلى حكايات شعبية ، خلطوا الواقع بالخيال ، ربما ليخففوا من حدة وقتامة الواقع .. فعلوا ذلك جيلا تلو جيل لـ 500 عام ، وبفضل هذا التراث الطويل ، وبفضل امرأة وافقت على أن تجالس رجلين لتروي لهما قصص الأسلاف .. لدينا اليوم الكثير من الحكايات الرائعة.
ولعل من أكثر الامور الخيالية التي أضيفت إلى القصة ، سواء على يد الأخوين غريم أو لاحقا هي الآتي :

– لم يكن هناك منزل مصنوع من خبز الزنجبيل ، ربما إلا في أذهان الصغار الذين يموتون من الجوع في الغابة. ربما تخيلوا منازل مصنوعة من الحلوى بنفس الطريقة التي يرى بها رجل يموت من العطش في الصحراء المياه غير الموجودة إلا في خياله المحتضر.

– لم تكن زوجة أبيهم ، بل كانت أمهم الحقيقية ، كان مرسومًا بأن الأمهات يجب أن يأكلن أطفالهن حتى يتمكن من العيش لإنجاب المزيد من الأطفال بعد انتهاء المجاعة. لكنها حقيقة مروعة جدا ، لذا كان من الأفضل اخفائها واختراع زوجة أب قاسية لإلقاء اللوم عليها ..

blank
تم اقتباس حكاية هانزل وغريتل في العديد من الافلام والرسوم المتحركة

عندما كتب الأخوان غريم النسخة الأصلية عام 1812 م، قالت القصة إنها أم الأطفال.
في الحقيقة الكتاب الأصلي للاخوين لم يكن موجها للأطفال ، لكن لاحقا عندما أدركوا أن الأطفال كانوا يقرؤون قصصهم ، وعندما أصبح فيلهلم أباً وأنجب هو وهنرييت أربعة أطفال معًا. قاموا بتغيير القليل من الأحداث لتناسب الأطفال ، فتمت إزالة بعض التفاصيل المروعة والبشعة.
وهكذا أصبحت قصة هانسل وغريتل واحدة من قصصهم الأكثر شعبية
وبعد أكثر من 200 عام من جلوس هنرييت على الطاولة ومشاركة القصة مع الأخوين غريم، لا تزال قصة هانسل وغريتل تمتعنا وما نزال نلوم الساحرة الشريرة ونقول أن النهاية كانت سعيدة وجميلة .. من دون أن نعلم الحقيقة المخيفة المتوارية وراء السطور.

في النهاية .. عزيزي القارئ لا يسعني إلا أن أتساءل عن التأثير الذي كان يمكن أن تحدثه هذه الحكاية إذا قلنا الحقيقة كاملة .. عن ماذا يمكن أن يحدث عندما لا يكون هناك طعام! .. هل كنا سنستمتع حقاً بالقراءة ومشاهدة أفلام الكرتون في طفولتنا ؟!
أترك لك التعليق.

بواسطة
القصص المؤلمة لأميرات ديزنيعاشا بسعادة إلى الأبد ؟! .. في الحقيقة لا أعتقدالجميلة والوحش القصة الحقيقية
المصدر
Discover The Truly Grim History Behind The Fairy Tale Of Hansel And GretelHansel and GretelThe dark history behind Hansel and Gretel

مقالات ذات صلة

اشتراك
اشعار
guest
ضع بريدك اذا اردت استلام اشعار بالنشر
69 Comments
Inline Feedbacks
شاهد جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى
69
0
التعليق مفتوح للجميع .. رجاءا اسمعنا رأيكx
()
x