الموقع غير ملائم للأطفال وقد يسبب القلق والكوابيس
القسم : منوعات

انتيغون : حكاية تمرد انتهت بمأساة

بقلم : NANA HLAL - سوريا

تقرر انتيغون مواجهة قرار الملك ودفن شقيقها
تقرر انتيغون مواجهة قرار الملك ودفن شقيقها

أيهما أصعب : أن تتحمل الظلم أم تواجهه وبالمقابل تخسر حياتك؟ من المؤكد أنك ستختار الخيار الثاني فالموت أفضل بمئة مرة من العيش مكتوف الأيدي غير قادر على مواجهة جبروت ظالم , والكرامة هدف يستحق التضحية والموت في سبيل استرجاعها إن سلبت ,فلا خير في حياة بلا كرامة ...

منذ بدء الحياة البشرية في هذه الدنيا والصراعات بين الحكام والشعوب مستمرة , وضحايا هذه الصراعات في تصاعد مستمر وغالبا ما تنتهي إما بانتصار الشعب أو اخماد شرارة غضبهم , ولكن مهما كانت النتيجة ومهما طال أمد الصراع يبقى الانتصار لمن صمد حتى النهاية ..
كان الفن خير رسالة حملت في طياتها مشاكل الانسان ومعاناته , وكان الكتاب والمؤلفون يحملون على عاتقهم مسؤولية تبليغ هذه الرسالة والسعي لوضع حد لهذه المعاناة , منهم المؤلف الاغريقي (سوفوكليس) الذي كان من أبرز من نقل صورة العصيان المدني والوقوف بوجه الظلم ومحاربته من خلال مسرحيته الخالدة (انتيغون) التي طرحت أهم مسألة وهي: أين ينتهي حق الحاكم ومن أين يبدأ حق الشعب؟

انتيغون هي واحدة من أربعة أخوة (هي وايسميني وإتيوكليس وبولينيكس) أنجبهم الملك أوديب من زواج محارم غير مقصود من أمه جوكاستا , حاولت تأمين دفن أخيها بولينيكس الذي تركت جثته في العراء ومنعت من الدفن بأمر من ملك طيبة (كريون) والذي يكون خالها كونه خائنا لوطنه طيبة , تقف في وجه الملك وتتحداه رغم أنها تعرف المصير الذي ينتظرها جراء ذلك ألا وهو الموت !

بعد أن أكتشف أوديب حقيقة زواجه المحرم بأمه يفقأ عينيه بدبوسين أخذهما من ثوبها , وقبل أن يترك مدينة طيبة لعن ولديه إتيوكليس وبولينيكس ودعا عليهما أن يقتل أحدهما الآخر , وقد تحققت دعوته عندما شن بولينيكس هجوما على المدينة وحاربه اتيوكليس بمساعدة كريون , وانتهت الحرب بقتل الأخوين لبعضهما , وما إن استلم كريون حكم المدينة حتى أصدر قرارا بدفن جثة اتيوكليس الذي قضى نحبه دفاعا عن وطنه وترك جثة بولينيكس في العراء بسبب مهاجمته للمدينة واعتباره خائنا الأمر الذي يعتبر عصيانا للأمر الإلهي الذي يقضي بدفن الميت وتكريمه .

تقرر انتيغون مواجهة قرار الملك مهما كلفها الأمر , وما إن تخبر اختها ايسميني بما تنوي فعله حتى يتملكها الخوف , فايسميني على عكس انتيغون كانت جبانة لدرجة أنها رضخت لقرار الملك رغم أنها أيضا أخت بولينيكس , وتحاول ثني انتيغون عن قرارها لحماية حياتها إلا أن انتيغون تصر على موقفها .

يضبط أحد الحراس انتيغون وهي تلقي حفنة من التراب على جثة أخيها , فيتم اقتيادها لتواجه الملك , تقف أمامه بشجاعة متباهية بالوقوف ضد قراره وتحديه , وبعد جدال محتدم يقرر كريون في لحظة غطرسة منه اقتيادها إلى السجن وأن تبقى فيه إلى أن يتم رجمها حتى الموت, تندفع ايسميني في محاولة الدفاع عن أختها وادعاء انها مشاركة في فعلتها , لكن كريون يعتبر الأمر لحظة طيش منها فيقرر حبسها هي أيضا , وبالطبع انتيغون لا ترضى أن تشاركها ايسميني العقاب لأن فعلتها لا تنم إلا عن العطف فقط وليس الوقوف مع الحق.

يدخل فيما بعد هايمون - ابن كريون وخطيب انتيغون – ويناقش ابيه بترو وهدوء محاولا ثنيه عن قراره الجائر كيلا يعض أصابعه ندما, لكن النقاش احتدم وأدى في نهاية المطاف إلى تهديد كريون لابنه في لحظة غضب عارمة أن يقتل خطيبته أمام عينيه , لذا خرج هايمون بعد أن قال أنه يفضل الموت مع انتيغون على الحياة مع أبيه.

وبسبب خروج هايمون مستاء يخشى شيوخ طيبة من حدوث ما لا تحمد عقباه , أما كريون فيقرر العدول عن قرار الرجم ويأمر باقتياد انتيغون إلى كهف مهجور وتركها لتموت كي لا يتحمل مسؤولية قتلها.

يدخل لاحقا تيريسياس, عراف كفيف ليحذر كريون من نتيجة تحديه للقوانين الإلهية وأنها ستفضي إلى مآس لا حصر لها , وبعد نقاش محتدم بين الاثنين يعلن تيريسياس أن السماء غاضبة على كريون الأمر الذي اصاب كريون بالفزع, لذا استشار الشيوخ الذين تزحزحوا عن موقفهم المؤيد له وحثوه على الاسراع إلى دفن جثة بولينكس وانقاذ انتيغون من الموت.

دفن كريون الجثة وذهب مسرعا إلى الكهف حيث تقبع انتيغون , ولكن يا للحسرة لقد تأخر كثيرا!! وجد ابنه متشبثا بجسد الفتاة المسكينة التي قتلت نفسها هربا من مصيرها المؤلم , ويحاول الشاب اليائس قتل ابيه بسيفه إلا أنه يفشل في اصابته ليقتل نفسه ويرتمي إلى جوار جثة خطيبته ...

يعود كريون إلى القصر حاملا جثة ابنه وهو غارق في الأسى, لكن الفاجعة لم تقف عند هذا الحد.. فقد وجد زوجته يوريديكي قد أنهت حياتها أيضا بعد أن علمت بموت ابنها , هنا شعر كريون أن حياته لا معنى لها بعد أن تسبب جبروته وظلمه في قتل ثلاثة أبرياء ...

اقتبس سوفوكليس موضوع هذه المسرحية من التراث الأسطوري السابق لعصره، وهو تراث يزخر بقصص ذات مغزى عن آثام بني البشر، وعن اللعنة المتوارثة التي اعتقد الإغريق أنها تحل بأفراد ينتمون إلى أسر شهيرة في الماضي الغابر، بسبب الأوزار التي اقترفها أحد اسلافهم, وبقيت هذه المسرحية حتى الآن خير مثال على العواقب الوخيمة للظلم رغم مرور مايقارب 2462 عاما على كتابتها!

مصادر :

- Antigone - Wikipedia

تاريخ النشر : 2021-02-12

تم تحرير ونشر هذا المقال بواسطة : اياد العطار
انشر قصصك معنا
المزيد

قصص ذات صلة

أضخم معركة بين البشر والحيوانات .. من انتصر فيها؟
أسوا لعبة في التاريخ ولغز صورة الجثة
أحد الأشخاص - جمهورية نيفيبراكاريا
كوارث خطيرة تهدد حياة البشر في المستقبل
كيف يمكنك التخاطر؟
علي صالح طالب - ليبيا
مقهى
اتصل بنا

الاحدث نشرا

الاكثر تفاعلا

المتسولون الأغنياء
استيل - اليمن
ماذا ستفعلون لو أصبحتم مخفيين؟
حلمت بأنني أركض على جسَر
رُقَية - العراق
خطب ما
مجهولة
الشيطان يرتدي تنورة
سارة زكي - مصر
هاي جريف
ميرنا أشرف - مصر
كسرة النفس
سليمة - ليبيا
أحاجي الفراعنة :جرائم غامضة وألغاز مظلمة
قصتي
عرض
التعليق على هذا الموضوع مغلق حاليا
تعليقات و ردود (10)
2021-03-03 08:22:01
407943
user
9 -
سانسا السمراء
سلمت يمناك
2021-02-19 23:34:28
405635
user
8 -
أبن الأردن
مقال جميل
2021-02-19 19:43:40
405619
user
7 -
bluebird
قصة جميلة و لكن للاسف فمقدمة القصة جميلة ولكن لا تنطبق علينا كعرب
شعوبنا العربية وقفت مكتوفة الايدي في وجه الظالم و اختارت الصمت و التعايش مع الذل و اختارت العيش عن الموت من اجل كرامتهم و الدليل انه ما يحدث في بلدي العراق و الدول الثانية .
نراهم يسرقون ما يشاؤون ويقتلون متا يشاؤون و يخرجون على الفظائيات بكل وقاحة و يعترفون بسرقاتهم وقتلهم للشعب و نحن مقتنعون من كل هاذا .
أليسوا يقتلوننا كل يوم و نحن مقتنعون ؟
1 - رد من : الجبل
نعم انهم يقتلوننا كل يوم امام اعيننا ونحن نلتزم الصمت وهو دليل الرضى
2021-04-07 18:41:37
2021-02-16 08:19:07
404790
user
6 -
القلب الحزين
قصة جميلة حقاً.
2021-02-13 23:29:03
404357
user
5 -
groot
مقال رائع ومفيد ، ولكن هيهات ان يتعض الحكام رغم كل دروس التاريخ .
2021-02-13 16:58:46
404340
user
4 -
nameless wg
كم أكره الظلم ، أحسنت
2021-02-13 11:40:36
404281
user
3 -
نوار - عضو مؤسس -
الظلم موجود منذ وجود البشرية على وجه الأرض ولن ينتهي طالما لنا حياةٌ فيها .. مقال جميل ، أحسنتِ
2021-02-12 16:00:13
404191
user
2 -
lou
مقال جميل جدا تسلم ايديكي، قرأنا مسرحية الملك اوديب في هذه السنة في الجامعة ولكن لم اسمع تكملة القصة التي هي مسرحية انتيغون شكرا للمعلومات الجديدة
2021-02-12 15:52:55
404190
user
1 -
اندرو
رائعه ومآساوية
احسنتي الاختيار
move
1