الموقع غير مناسب لصغار السن ويمكن أن يسبب القلق والكوابيس

ساتن وجنون العظمة (ج١)

بقلم : أحدهم - كوكب الأرض
للتواصل : [email protected]

كان الذهاب واختراق المكان والزمان الشاسع بين أرجاء الكون ضرب من الخيال والأعاجيب

تمهيد:

قبل أن يولد الكون كان هناك ذلك العدم الكئيب بظلامه وسكونه، إلى أن جاءت لحظة القدر وانبلج من وسط ذلك الظلام نور ساطع.. كرة عارمة أخذت تتضخم وتكبر وتنثر الغبار والدخان وتبدد ظلمات الأصقاع الموحشة، فكانت المجرات وكانت النجوم والكواكب.. بعد هدوء عواصف الارتعاشة الكونية تلك نبتت الحياة كزهرة على كوكب صغير عند أطراف مجرة عائمة كحال المليارات من المجرات الأخرى.. في ذلك الكوكب الصغير كانت أسباب الرحمة والعطف تتدخل رويداً لتعطي الحياة شكلها بالتدريج حتى يكون منزلاً جميلاً لملايين الأنواع الحية من الكائنات.. من بين تلك الكائنات كانت هناك كائنات طيفية فريدة عاقلة ومدركة وتملك الإرادة الحرة وحب الاكتشاف والإبداع، لكنها كانت تفتقر حس المسؤولية لأنها ببساطة كانت لا تعلم ما الحكاية.

 ***

الرسالة:

ولما كانت هذه الكائنات عاقلة فإنها أخذت تتساءل كحال فاقد الذاكرة استيقظ التو من نومه في مكان مقفر: من نحن؟ ولماذا كل هذا؟ وماذا يجب علينا ان نفعل هنا؟.. وبينما هم في تساؤلاتهم أتت كائنات نورانية غريبة من أطراف بعيدة لعلها من خارج الكون أو ربما من داخله، لكنها حتما من مكان بعيد جداً عن الأرض.. كانت هذه الكائنات جميلة الخِلقة وساطعة وذات أجنحة غريبة.. وكانت تحمل رسالة للكائنات الطيفية: (أنتم زهور الحياة من قلب العدم، هذه الأرض هي بيتكم وهذا الكون الشاسع هو حديقتكم، هي هدايا السماء إليكم، وعليكم الحفاظ عليها كما يحافظ العصفور على عشه، وكما تبني النحلة خليتها، وكما تحتضن الأزهار التربة بجذورها.. هذه رسالة الإله العظيم إليكم، هو العطوف، هو الرحيم، وإليه ترجعون وتسألون عن الهدايا المقدسة، وعن النوايا والأفعال، وليعطي الأمين هدايا أفضل، ويحاسب خائن الأمانة وناكر الجميل، وكل ظالم، وكل حاقد، وكل شرير.. فالإله العظيم يكره الظلم والحقد والشرور ونكران الجميل).

قالت الكائنات الطيفية (هل نستطيع المجيء معكم؟) قالت الكائنات النورانية (السماء لا تقبل ناكري الأمانة والحاقدين والكاذبين.. ثمارها تموت بين أيادي العصاة، وزهورها تذبل قبل ان تمتد أصابعهم نحوها.. صونوا بيتكم وحافظوا على الهدايا المقدسة.. ان فعلتم ذلك فسينقى جوهركم وفي السماء و ستجدون السكينة الأبدية)، قالت الكائنات الطيفية (وكيف هي السماء؟)، قالت الكائنات النورانية (فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب أحدكم.. عالم غريب وجميل كما لو لم يكن هناك أروع منه). وقالت الكائنات النورانية بأنها ستأتي مرة ثانية بعد سنين لتأخذ أحد الكائنات الطيفية في رحلة إلى السماء ليشهد بحواسه العالم السحري ويعود ليحكي لإخوانه من الكائنات الطيفية ما رأت عينه وسمعت أذنه.. وقالت الكائنات النورانية بأن قرار اختيار الكائن المختار سيكون بيد الكائنات الطيفية حتى موعد الزيارة القادمة.

 ***

الحقد الدفين:

وهنا كان من بين الكائنات الطيفية التي تستمع لرسالة الكائنات النورانية كائن طيفي طموح يقال له (ساتن).. ساتن هذا كان يأكله الحقد وتذبحه الغيرة ويحب أن يكون أفضل الجميع لأنه ببساطة يرى نفسه الأفضل ويستحق الأفضل، وقد كان بالفعل هو الأفضل في العمل بما جاء في ظاهر الرسالة، لكنه كان يدفن أحقاده وغروره عن الجميع، ولذا كان يتقدم القوم في الحفاظ على الهدايا الكونية وصون البيت من العبث والخراب، كان يطمع بالذهاب للسماء ليكون في صفوة الكائنات النورانية، طموح جعله منه في مرتبة عالية في بني جنسه، كان هو الأول وكان هو الأفضل بلا منازع، طموح يملؤه الحقد الدفين من أي كائن آخر تسوّل له نفسه الاستيلاء على مكانة كان يحلم بها في مملكة السماء.. لذا عمل بجد افضل من الجميع.

 ***

النفاق:

كان ساتن هو العالم الجليل، وهو العارف بتفاصيل الرسالة، هو المصلح، هو القائد الذي يحمل همّ الأمانة ويصون البيت، كان هو الرحيم والعطوف على الجميع، ببساطة كان أفضلهم وانبلهم في نظر الجميع، لكن الذي لا يعرفه الجميع بأن ساتن كان أبو النفاق الأول، كان أكثرهم حقداً وشراً، لكنه استطاع ان يستر ذلك تحت ورعه وصلاحه ونفاقه.. لم يكن يحب الجميع ولا حتى رد الجميل، بل كان يسير نحو طموحه وغروره.. كان يريد حظوة مقدسة في السماء بين الكائنات النورانية بلا عودة، كان يكره واقعه، ويكره جنسه.. لذا التزم بالخطة حتى اقتراب موعد الزيارة القادمة.

 ***

الزيارة:

عندما أتت الكائنات النورانية بعد سنين، كانت هناك رسائل جديدة من السماء، هذه المرة كانت الرسائل على شكل صحائف تحمل العلوم والدساتير، والعهود والمواثيق، وكان في نهاية الزيارة اختيار الكائن الطيفي الذي سيحظى بشرف مرافقة الكائنات النورانية وزيارة لمملكة السماء التي يطمح برؤيتها الجميع، ذلك المكان الساحر الغريب، ومن الذي كان من بين الكائنات الطيفية يرى نفسه أفضل من ساتن؟.. ساتن هو أطيب الجميع، هو أرحمهم، هو أعطفهم.. فمن هو الذي لا يحب ساتن من بني قومه؟.. ومن هو الذي يتقدم ليحظى شرف مرافقة الكائنات النورانية أفضل من ساتن؟ .. لذا اتفق الجميع على ساتن.. وساتن اظهر في تواضع للجميع بأنه في مهمة أخرى ليخدم بها قومه وسط ورعه وصلاحه.. لكنه كان يكتم ما في داخله من الخبث والأنانية والغرور، هو يريد السماء ولا يريد العودة إلى الأرض مع بني قومه، هو يرى نفسه في مكانة الكائنات النورانية.. هو الأفضل.. ولذا كانت في ذهنه خطط أخرى لمجد جديد وشرف مديد عندما يصل للسماء.

 ***

الرحلة:

كان الذهاب واختراق المكان والزمان الشاسع بين أرجاء الكون ضرب من الخيال والأعاجيب، رأى ساتن الكثير من العجائب والغرائب في الطريق نحو السماء، لكن دهشته بلغت ذروتها عند اقترابهم من تلك الزاوية المنعزلة، أعجوبة من أعاجيب الخلق لم يرَ كائن طيفي قبله أروع ولا أجمل منها: مملكة السماء المقدسة.. عند دخولهم أفق المملكة لم يجد الكلمات ليصف ما يراه، فلم يكن الواقع هناك ذو أبعاد خماسية كالتي تعوّد عليها على الأرض، بل كانت التحرك أرحب وأغرب، وحواسه التقطت طيفاً شاسع من الألوان والأصوات والأحاسيس لم يختبرها كائن طيفي قبله.. كان هذا المكان هو أروع من أن يغادره.. حدائق غناء ليس لها مثيل على الأرض وتسكنها كائنات سماوية غاية في الجمال، بعضهن كالطيور الخضر وبعضهن لا يشبه شيء آخر على الأرض، والأفق كان قطعة من الجمال الساحر والمهيب.

 ***

السماء:

لكن خلال مكوثه هناك شعر ساتن بأن مملكة السماء تمقته، كلما يد نحو زهرة تساقطت بتلاتها قبل أن تصلها أصابعه، وكلما جلس على ضفاف نهر انحسرت المياه عنه وذبلت الحشائش من تحته.. كانت السماء تعلم حقيقة جوهره. وكان يكره عندما يرى الكائنات النورانية تتجول بسعادة وتقطف الأزهار وتسبح في الأنهار الملوّنة، كان يعلم بأنه مختلف، لكنه كان يؤمن بأن جوهره سيظل حبيس سره حتى يأخذ غايته.. كان همه الأكبر أن يستحوذ على مكانة رفيعة في هذا المكان الساحر حتى لو لم يكن جديراً به، كان يحاول أن يكرر خداعه ونفاقه في السماء، ولذا أخذ يتجوّل في المملكة بحثاً عن بداية موفقة.

 ***

الجدل:

عمد ساتن على التجوال بين أطراف المملكة السماوية والتحدث مع الكائنات النورانية بأشكالها ومراتبها المختلفة، وكانت الكائنات النورانية تخبره بكل ما يسأل عنه، ووجد ساتن بأن هذه الكائنات عفوية ولا تفهم ان تخرج عن المألوف، كانت مسلوبة الإرادة ولا تملك قرار ذاتها، وهنا وجد ساتن ضالته، قال ساتن للكائنات النورانية (هل تعلمون؟ أنتم كائنات مسيّرة ولا تملكون حرية التصرف، أما نحن الكائنات الطيفية فلدينا الإرادة التي تخيّرنا بين أن نحمل الرسالة المقدسة بإخلاص أو نرفض ونتمرد، ونحن برغم ضعفنا نكابد رغباتنا من أجل أن نقوم بما تتطلبه السماء.. لذا أنتم لستم على رأس الخلائق إخلاصاً وفضلاً من غيركم)، قالت الكائنات الطيفية (لو كان حقاً ما تقول، فلك أن تعلم بأن قومك الآن على كوكب الأرض يتقاتلون في حرب طاحنة هلكت منها كائنات الأرض، أليس هذا إفساد في الأرض وخيانة للأمانة)، قال ساتن (حقاً هكذا يفعلون؟.. وهذا ما قصدته تماماً، نحن الكائنات الطيفية نملك حرية الإرادة، نفعل ما نقرر أن نفعله، نطيع أو نتمرد، ولذا هناك من يفسد وهناك من يخلص، قومي لا قائد لهم بعد رحيلي عنهم، وأنا أُخترت أن أكون على رأس المخلصين من بينهم).

 ***

بذور الشك:

وهكذا أخذت الكائنات النورانية تتساءل في نفسها (هل حقاً أننا لسنا افضل الكائنات؟ ونحن نطيع ولا نعصي.. ونحمل دعائم مملكة السماء ورسائل الأرض بلا تردد أو تساؤل.. هل حقاً هذا الطيفي التي تموت بين أصابعه تيجان الزهور وتهرب من قدميه أطراف الأنهار كائن افضل منا؟ أليس هؤلاء هم سكان الأرض ونحن سكان السماء؟).. وكان ساتن يقرأ تساؤلاتهم في نظراتهم، وكان هذا يشعره بالزهو والانتصار.. لقد نجح في زرع بذوره الخبيثة في نفوس سكان السماء.. بذور ما كان لها ان تنبت في نفوس أكثر الكائنات اخلاصاً لما خلُقت له، وفي مملكة أنقى من تزرع فيها هذه البذور. وكانت السماء تعلم بما يحاك في الخفاء.

 ***

پارادوسيا:

وبينما كان ساتن يطير بجناحيه ويجوب مملكة السماء رأى حديقة غنّاء مترامية الأطراف لم تكن هناك في آخر مرة مر بها في نفس البقعة، كانت الحديقة من أجمل البقاع في مملكة السماء، بل أجملها على الإطلاق، وكانت محاطة بأسوار ذهبية عملاقة وبوابة ضخمة مهيبة، لسبب ما لم يستطع ساتن النزول فيها، لذا نزل أمام بوابتها وحاول فتحها ولكنه لم يستطع.. نادى ساتن أحد الكائنات النورانية من داخل الحديقة السماوية وسأله (ما أمر هذه الحديقة الجميلة؟) قال الكائن النوراني (إنها پارادوسيا، منزل سيد الخلائق في مملكة السماء والذي ستكون مراسم تنصيبه في الأيام القادمة) سأل ساتن وفي نفسه يكتم نشوة انتصار حبيسة (من هو؟) قال الكائن النوراني (لا أعلم، ولا أحد منا يعلم، نحن ننتظر).. ومن يومها أخذ ساتن يتردد على پارادوسيا وكان يرى ذلك الجمال الساحر في بيت ظن أنه سيكون منزله للأبد؟ وهل هناك أفضل من ساتن؟

 ***

چولوم:

قطع ساتن مسافات شاسعة حتى وصل أطراف مملكة السماء ورأى هناك حفرة كبيرة من اللهب، أشعره المشهد بالرهبة من هول المناظر المخيفة في قعر الحفرة، كانت الحفرة تعج بصراخات معذبة.. استطاع ساتن ان يرى أحدى الكائنات العملاقة يخرج من قعر الحفرة فسأله عن أمر هذا المكان الموحش، فقال له ذلك الكائن (هذه هي "چولوم" الجائعة على الدوام، مسكن المعتدين والمغتصبين والمجرمين)، رأى ساتن على مسافة من حافة الحفرة أشجار كئيبة سوداء بها ثمار صفراء لزجة، فسأل ساتن الكائن المخيف (وما تلك الأشجار هناك؟)، رد الكائن (هذه هي آخر الثمار التي يأكلونها قبل أن يدخلوا چولوم للأبد.. ثمار تُظهر حقيقة جوهرهم في جوارحهم).. حلّق ساتن نحو الأشجار وأخذ يتأملها، ووجد أن هذه الأشجار لا تتوجس منه، والثمار لا تهرب من بين أصابه مثل بقية أشجار وثمار المملكة.. وقبل أن يغادر حمل بعضاً من بذورها المترامية ووضعها في جيبه وحلّق نحو طرف آخر من المملكة.

 ***

كومة الطين:

وفي زيارة له من بين الزيارات المتكررة على الحديقة السماوية الجديدة، وجد ساتن ما يبدو كومة من الطين الأرضي أمام بوابة الحديقة مباشرة، وأخذ يتساءل في نفسه عن سبب وجودها عند البوابة، أخذ ساتن قبضة من ذلك الطين واشتم رائحتها (طين أرضي في مملكة السماء؟) وذهب وهي يحدّث نفسه.. وفي الزيارة الثانية وجد أن هذه الكومة أخذت شكلاً لمخلوق ضعيف أسود اللون لم تدب الحياة فيه بعد، اقترب ساتن من ذلك المخلوق وأخذ يتفحصه بعناية ويركل جذع الكائن بقدمه وينظر إلى بوابة الحديقة السماوية من أمامه وقال في نفسه (مخلوق ضعيف من مادة أرضية رخيصة سوداء بلون الليل البارد وأمام أجمل منزل في الخليقة؟ أمر مريب حقاً).. ثم نادى ساتن أحد الكائنات من داخل الحديقة وسأله عن أمر هذا الكائن النائم ولكن الكائن لم يكن يعلم حقيقة هذا المخلوق كذلك.

 ***

القادم: ما حقيقة ذلك الكائن النائم عند بوابة الحديقة السماوية؟ وهل سيكون له شأن في مملكة السماء؟ وهل ستنجح مخططات ساتن في النيل بحظوة مقدسة في المملكة؟ هذا ما سيكون في الجزء الثاني من القصة.

 

---

ملاحظة: بالطبع الكل يعرف الإسقاطات الواضحة للقصة.. لا داعي لمناقشة هذه الإسقاطات ودقتها وصحتها حتى لا نقع في فخ الجدل ونهرب عن الجوهر والغاية.. الرجاء التركيز على العناصر الفنية.


تاريخ النشر : 2016-09-08

تم تحرير ونشر هذا المقال بواسطة : غريبة الاطوار
شارك برأيك ..ورجاءا التزم بادب الحوار. جميع التعليقات المخالفة لقوانين الموقع لن تنشر