الموقع غير مناسب لصغار السن ويمكن أن يسبب القلق والكوابيس
ملاحظة مهمة : سيتوقف موقع كابوس عن استقبال المزيد من المواضيع مع انتهاء شهر رمضان المبارك .. وذلك لاغراض الصيانة

النصف الآخر

سناء عبدالله

النصف الآخر
اغرب خمسة اشخاص ..

قبل الحرب كانت حياتي جميلة جداً وممتعة , كنت لا أعرف أبدا معنى كلمة تعاسة أو كآبة , كل شيء كان جميلاً . أستيقظ في الصباح وأجهز حقيبتي وأتوجه إلى المدرسة لالتقى بصديقاتي ونتبادل الحديث معاً , ثم يرن صوت الجرس وأتوجه سعيدة إلى حصة الموسيقى استمتع كثيراً بالغناء مع مدرستي وأصدقائي , وحين ينتهي الدوام المدرسي أتوجه بفرح إلى منزلي أقضي بقية الوقت مع عائلتي الكبيرة ونكون سعداء سوياً .

لكن كل شيء تغير بحلول الحرب , انتقلت أنا وعائلتي إلى الأرياف بعيداً عن المدينة خوفاً من ويلات الحرب ,تركت مدرستي وأصدقائي بدون أن أودعهم , لا أتذكر شيئاً .. كل شيء حدث في ليلة وضحاها .. قضينا أنا وعائلتي معظم السنة ننتقل من مكان لآخر بحثاً عن الأمان , وبعد سنة لم يتغير شيء , لم تتوقف الحرب أبدا , بل ازدادت سوءاً .. أسوأ مما سبق .

استقريت مع عائلتي في الريف بعيداً عن المدينة , وفي ليلة رأس السنة جلست أمام منزلنا أفكر ماذا تخبئ لنا السنة الجديدة , هل ستكون سنة مليئة بالأفراح أو بالأحزان ؟ .. لن تكون في أي الأحوال أسوأ من السنة الماضية . تذكرت كتبي التي نسيتها في المدينة , كم أتمنى الآن أن تكون معي .

بعد 10 أشهر لاحظت أني تغيرت كثيراً وتغير تفكيري , أصبحت أحس بأنني فتاة كبيرة وناضجة , استلمت أمي رسالة من خالي محمد يريدنا أن نأتي إلى حفل زفافه في المدينة , فرحنا جميعاً ورغبنا في الذهاب , حذرنا بعض السكان بأن الطريق ليس آمنا و يجب علينا أن نبقى إذا كنا نريد سلامتنا , لكن أمي لم تقتنع بكلامهم , قالت الأوضاع بدأت تتحسن وهذا زفاف أخي الوحيد ولا أستطيع أن لا أحضره , حزمنا حقائبنا وتوجهنا إلى المدينة , وصلنا بسلامة وتوجهنا إلى منزل خالي , استقبلنا خالي بفرح وسرور وصعدنا إلى منزله , كان منزلاً في غاية الجمال مطلا على البحر , وفي مقدمة المنزل توجد حديقة جميلة للغاية .. كان منزلاً رائعاً بحق .

بعد أن رتبت أغراضي في غرفتي أنا وأختي ميار طلبت من أمي أن تسمح لي بأن أذهب لكي أتمشى , قلت لها بأني لن أبتعد  فوافقت . ذهبت إلى الشاطئ و جلست على مقعد أراقب تحركات الأمواج , وبينما كنت أراقب جاء صبي وجلس بجانبي , قال لي الجو جميل اليوم أليس كذلك ؟ .. فقلت نعم , من أنت ؟ .. فقال لي آه  آسف لم أعرفك بنفسي , أنا أحمد جاركم في المنزل المجاور , قلت  تشرفت بمعرفتك أنا اسمي سارة , وتبادلنا الكثير من الحديث معاً , كان شاباً لطيفاً جداً وبعد أيام أصبحنا صديقين مقربين , كانت بيننا الكثير من القواسم المشتركة .

بعد أيام اقترب موعد العرس , واقترب أيضا موعد رحيلنا , وقبل العرس بيوم استيقظت باكراً وذهبت إلى الشاطئ أنتظر أحمد , بعد قليل وصل أحمد فجلسنا معاً وتبادلنا الحديث طويلا حتى إنني لم أحس بمرور الوقت , طلب مني أن أذهب معه إلى منزله كي يريني شيئاً ما , فذهبت معه , كان منزله كبيراً جداً وجميلاً , أخذني إلى غرفة كبيرة ومليئة بالكتب , كانت كالغرفة التي أزورها في أحلامي . قال لي اذهبي واختاري الكتاب الذي يعجبك , ذهبت كي أبحث عن كتاب اصطحبه معي إلى منزل الريف كي يلهيني ويخفف القليل من الوحدة التي أشعر بها هناك , وقعت عيني على كتاب وأخذته , فقال لي هذا الكتاب لا تستطيعين قراءته وحدك , إذا كان لديك صديق يجب عليك أن تقرئي نصف الكتاب والنصف الآخر يقرأه صديقك , فقلت ليس لدي صديق سواك أنا سأقرأ نصفه وأنت ستقرأ النصف الآخر اتفقنا ؟ , فقال كيف ؟ .. أنت سترحلين غداً , فقالت لا تقلق سأعود يوماً ما وسأحضر معي الكتاب وستكمله أنت , فقال إذاً أنا سأنتظرك .

بعد انتهاء حفل الزفاف حزمت أمتعتي أنا وعائلتي وركبنا سيارة وانطلقنا , كانت رحلة طويلة بالسيارة لذلك أنهيت نصف الكتاب وتركت نصفه كي أعود مرة أخرى ليقرأه أحمد . حل الليل ونحن لا زلنا في الطريق , وبينما أبي يقود أشارت مفرزة لأبي بإيقاف السيارة , فقالت أمي لا توقف السيارة قد تكون مفرزة كاذبة , من الممكن أن يكونوا "أعداء" , لكن أبي لم يستمع , وحين أوقف السيارة قاموا برمي قنبلة عليها وانفجرت , ومع الانفجار سقطت أنا بعيداً , وقبل أن أفقد حياتي وأغمض عيني إلى الأبد , لمحت وجه أحمد أمام القاذفة .. فمت وأنا أغص بآلامي وأحزاني .. للأسف كان أحمد واحدا من "القتلة" , لكن بعد تعرفه علي قرر أن يترك القتال , كانت تلك العملية هي الأخيرة بالنسبة إليه , وبعدها عاد إلى المنزل وقرر أن يبدأ حياةً جديدة .. جلس ينتظر عودتي .. لكني لم أعد أبدا .

هذه القصة نشرت بتاريخ 26 /11 /2013

شارك برأيك ..ورجاءا التزم بادب الحوار. جميع التعليقات المخالفة لقوانين الموقع لن تنشر