الموقع غير مناسب لصغار السن ويمكن أن يسبب القلق والكوابيس

أنين الأعماق

بقلم : حسناء الفرجاني - المغرب

ملامحهم الحزينة، صرخات بعضهم، استفسارات أغلبهم المتمردة الدامية، حركت بركان ضميري الخامد فأحرقني


من منا لم يسلم من تأنيب ضميره حتى وإن كان جثة بشرية مجردة من الإنسانية ؟!. عبارة استفهامية تحمل في كنفها ندماً بطعم المعاناة ، أجل ندم تجرعه منذ اللحظة الأولى التي قتل فيها إنسانيته بيديه ، ليصبح بذلك وحشاً بشرياً مجرداً من الأحاسيس ، مجسداً بذلك كومة حطام باردة ويتيمة المشاعر التي لم تعد تسكن أركانها سوى روح شريرة مطموسة الهوية والمعالم ، روح شيطانية عبثت فيما تبقى له من ملامح آدمية بائسة لتشكل أداة متعطشة للدماء.

وحش جائع لا يشبع رغبته الآتمة إلا بالقتل، إذ لم يكن الأمر بالنسبة إليه مجرد واجب يؤديه على مضض بل كان عملاً ممتعاً بقدر ما كان شنيعاً ، هي قذارة تزداد رائحتها الكريهة كلما انضافت روح جديدة إلى مذكرة الموت لديه ، ليقنع نفسه مكرهاً بأنه مجرد رقم ينضاف إلى سابقيه ، ليصير بذلك مثل الذي يخفض الستارة من على النافذة في عز الظهر ويغلق جفنيه لينام موهناً نفسه بدفء الظلام...لكن ليس سهلاً تجاوز مرارة ما يحدث ، إذا كنت سبباً في مقتل مئة شخص دون أن تربطك بهم أي صلة ودون حقد أو ضغينة ولا تعرفهم من الأساس.


أمضى حياة عفنة وبسببها تجرع في نهاية مشواره موتاً أليماً لم يخطر له على بال ، وبالرغم من ذلك ظل يتساءل عما آل إليه للتو ؛ فهل هو مجرد تكفيرٍ عن ما مضى ؟! أم خلاص من الشر الذي يتملكه ؟!.

**

في عتمة المكان وسكونه القاتل ، يجلس صاحبنا في زاوية منعزلة من السجن الانفرادي ، وفي شروده إحساس غريب خالجه ، سكن جوارحه وقاده كالأعمى صوب ذكريات ماضيه الأليم . في تلك اللحظة بالذات شيء ما بداخله تغير.. تلاشى.. لا بل تكسر. ظل ساكناً متكأ على وحدته وعيناه تحملقان في صمت المكان ، جموده الشبه الدائم كسره بمطرقة القلم وسندان البوح على الورق ، إذ بدأ كتابته بعبارات حزينة لأشخاص قضوا حتفهم على يده:

"لم أنسَ ولم أتناسى أبداً نحيب طفلة وصراخها القاتل محاولةً ما أمكن إقناع شيطان آدمي بأن لا يقتل والدها بعدما قام بتصفية جميع أفراد أسرتها الصغيرة بالمنزل ، فكانت آخر جملة لفظتها حينما توفي والدها بأنني سأحترق في الجحيم بعدما أموت بمقصلة الإعدام نتيجة ما أجرمته في حق عائلتها. المسكينة صَدَقت قولاً بعدما فرّغت آخر رصاصة كانت في جعبة مسدسي في رأسها الملائكي الطاهر..

ليس هذا فحسب، بل أتذكر عبارة المرأة العجوز التي ماتت حرقا بيدَي هاتين ، وحين رحيلها مرغمة عن عالمنا، قالت بصوت حشرجة لمَ أنت هكذا ؟! وما الذي سببته لك لتنسج كفن موتي ببشاعتك؟!..
وماذا عن تلك الفتاة الشابة الجميلة، وهي على مشارف الموت لم تتفوه بكلمة سوى أنها قامت بغمض جفنيها وأرخت يديها مذعنة ، ثم أسندت ظهرها إلى الحائط منتظرة فقط حتفها، وما كان لي خيار عدا أن أنهي انتظارها ذاك..
أما الرجل المقعد فقد كان معظم حديثه معي تأنيباً واستهزاءً بما أفعل، إذ قال مستغرباً وبعينين ذابلتين : كيف لك أن تضغط على الزناد وأنا من أقرباؤك ؟! وهل من صنع منك وسيلة للقتل قادر أن يحرق مشاعر الأخوة والدفء فيك ؟! حسناً ، إن كان جوابك بنعم فأنا من سيضغط على الزناد بدلاً منك، لأن موتي منتحراً أفضل بكثير من قتلي على يد ابن عمي، وقبل رحيلي لا تنسى أن تسأل نفسك،  أي شيطان أنت؟!".


سكت قليلاً ، فرك عينيه المحمرتين ثم تأوه وتابع كتابته بخط مرتجف:

"ملامحهم الحزينة، صرخات بعضهم، استفسارات أغلبهم المتمردة الدامية، حركت بركان ضميري الخامد فأحرقني بلظا تأنيبه. أنا الآن في المكان الصحيح رغم أنني لم أصدق بعد تقديم نفسي للعدالة واعترافي العفوي بجميع جرائمي ، نعم لم أستطع تصديق توبتي المفاجئة لأني أعلم تماماً من أنا؟! وكيف كنت ؟! فما أنا إلا وسيلة للقتل أو بالأحرى ما يسمى بالقاتل المأجور ، مهنة أو هواية سموها ما شئتم ، ففي نهاية الأمر هما وجهان لعملة واحدة...


في هذا المكان أؤكد أني لست كما كنت، وهذا بسبب أرواحهم الحاقدة التي تطاردني في كل مكان، دائماً وأبداً أسمع صرخاتهم الخرساء في المدى وأنينهم المتكرر في أعماقي يشل حركتي ويخمد ضجيج داخلي بسكون قاتم ، وحتى في منامي لم أسلم من زياراتهم الثقيلة والخانقة التي تطمح إلى ازعاجي بكابوس مميت. ها هم الآن حولي يضحكون باستهزاء ويرقصون فرحاً لموتي بمقصلة الإعدام، إذ لم يتبقى عدا خمسة عشر دقيقة لتنفيذ الحكم علي ، فهي المدة الزمنية الفاصلة بين حياتي والموت ، لذا طلبت من الحارس أن يناولني قلماً ومذكرة لأحكي لكم عن ندمي، حسرتي وعن فظاعة بشريٍّ كانت مهمته الأساسية هي القتل من أجل المال.

أنا شبه حي وشبه ميت فلمَ الخوف من الردى وأنا كنت على قيد الحياة شبح موت ؟!.".

**

بعدما وضع النقطة الأخيرة لبوحه صوّب عينيه نحو قضبان الزنزانة ليلمح حارس سجنٍ كلف بأن يأخده نحو نهايته المأساوية المشكلة بيديه القذرتين . فكيف له أن يعيش ظالماً ما دام رب العباد حي لا يموت ؟!.


تاريخ النشر : 2018-06-27

تم تحرير ونشر هذا المقال بواسطة : نوار
شارك برأيك ..ورجاءا التزم بادب الحوار. جميع التعليقات المخالفة لقوانين الموقع لن تنشر