الموقع غير مناسب لصغار السن ويمكن أن يسبب القلق والكوابيس

تموت لكنها ستصحو

بقلم : محمد عبد الرزاق ابراهيم - سوريا

ام سيتي .. اميرة فرعونية ام مجرد امرأة هامت عشقا بمصر؟
ام سيتي .. اميرة فرعونية ام مجرد امرأة هامت عشقا بمصر؟

عشقت دوروثي آدي أرض الكنانة منذ حداثتها. وهي المولودة في اوائل هذا القرن من عائلة انكليزية من الطبقة الوسطى. هامت بمصر وحضارة الفراعنة، فسافرت إلى هناك وهي لا تزال تقطن القاهرة منذ العام 1933.

يسكنها هاجس النيل وما شهد على ضفتيه وفي واديه من حضارات راقية تفردّت بمنجزات هائلة ادهشت العالم قديماً وحديثاً، حتى اختلط الواقع بالخيال. فردّها البعض لا إلى البشر، بل إلى مخلوقات خرافية خارقة، زارت الأرض بمركبات فضائية في العهود القديمة وتركت بصماتها التي لا تمحى في وادي النيل، شواهد شامخة كأهرامات الجيزة المنتصبة هازئة من الزمن وصروف السنين.

ام سيتي - اواخر حياتها -
تمصرت آدي حتى قبل ان تشرب من ماء النيل. وقد طغى على اسمها الاصلي لقب " أم سيتي " ولعل اعظم انجازاتها تجلت في عملها في ترميم معبد " سيتي الأول ". وآدي أو بالأحرى " أم سيتي" مرجع في الكتابة الهيروغليفية التصويرية التي اكتشفت حول معبد " سيتي" كما توصلت إلى كشف حديقة سرية كانت ملحقة بالمعبد منذ ما ينوب عن 3000 عام.

لكن المثير في سيرة دوروثي هو اعتقادها الراسخ انها قد مرت في حيواتها السابقة بتجربة حب خالدة. فهي، كما تقول، كانت على علاقة غرامية مع الفرعون " سيتي الأول" في احد اجيالها المنصرمة.

وهذه القصة جديرة أن تروى. ومفادها، انه في قديم الزمان وُجد معبد مهيب مبني من احجار كلسية بيضاء في منطقة الصحراء الغربية في مصر. واقيمت إلى جنوب هذا المعبد حديقة غناء ينبت فيها الدفلى والياسمين واضراب الرياحين. وفي وسطها بركة ماء مستطيلة الشكل تزخر بأزهار اللوتس. وكانت بطلتنا هناك في صبيحة احد الأيام منذ 3000 عام تجمع الأزهار للمعبد. وهي في الرابعة عشرة من العمر ذات شعر أشقر وعيون زرق وكان اسمها بنترشيت التي معناها ( قيثارة الروح ). وفي اليوم ذاته، تشاء الصدف ان يمر بها الفرعون سيتي الأول بينما هو يقوم بزيارة لهذا المعبد الذي بناه بنفسه. فتلفت الفتاة انتباه الفرعون سيد الأرض بشدوها الحنون. فلقد سمعها تغني بصوت خفيض وهي تنسق الازاهير باقات بين يديها منشغلة عما حولها. فاقترب منها الفرعون الذي كان في عقده الخامس وسألها ابنة من تكون. فردت انها يتيمة الابوين. وهي في هذا المكان لأنها كاهنة في معبد ايزيس. لاقت الفتاة صدى في قلب الفرعون. فلقد جذبه فيها انها بلون شعرها الذهبي وعيونها الزرق تختلف عن سواها من النسوة اللواتي عرفهن.

معبد سيتي الاول

تفرّس في وجهها ولم تستطع ان تبادله النظرات مباشرة لشدة هيبته. لكنها ايقنت ان ملامحه جميلة جداً. خاصة بعدما تكررت زباراته للحديقة. وفي احدى الليالي خرجت إلى الحديقة فوجدت الفرعون جالساً قرب بركة اللوتس. فابتسم لها وقال:
" تعالي يا صغيرتي واجلسي بقربي."

ثم امسك بيدها وقبلّها. فخافت. وطلب منها بعد ذلك ان تنطلق ولا ترجع ثانية. فتركته واسرعت إلى المعبد وبعد ابتعادها مسافة عنه، نظرت خلفها فوجدته جالساً وقد وضع رأسه بين يديه امارة الحزن. فعادت ادراجها اليه. ومن يومها طالت اقامة الفرعون في ذلك المكان. فكانت تلتقيه تحت جنح الظلام في الحديقة ايَّاها. لكن هذه العلاقة كانت محرَّمة حسب اعراف ذلك الزمان فهي انتهاك للشرائع الدينية القائمة. خاصة ان بنترشيت كاهنة نذرت العفة وكرَّست حياتها لايزيس.

وما لبث الكاهن الاعظم ( انتيف ) ان سمع ان بنترشيت حامل. فأمر بسجنها في قبر اوزريس في جزيرة اورزيون. وحاول استنطاقها او حثها على الاعتراف بجريمتها. فرفضت أن تجيب على اسئلته في البدء. ثم عندما اجبرها على وضع يدها على تمثال اوزريس لم يعد في مقدورها ان تكذب. فصرخت معترفة بجرمها:
" نعم لدي عشيق" .. لكنها رفضت ان تذكر الفرعون كشريك لها، متسترة عليه لفرط حبها له، ملقية كامل المسؤولية على نفسها.

الفرعون سيتي الاول

في هذه الأثناء كان الفرعون بعيداً عنها منشغلاً في امور الدولة الطارئة. فاضطر إلى أن يغيب لفترة طويلة بسبب تلاحق بعض الأحداث. وكان الضغط يزداد على الفتاة من الكاهن القاسي واتباعه. وقد أعلموها ان عقوبة عملها لن تكون اقل من الاعدام وهذا لا يتم قبل محاكمتها علناً. مما يعني ان السر لا بد ان يشيع اثناء المحاكمة. لذا اتخذت بنترشيت قرارها الصعب وقررت الانتحار، حفاظاً على سمعة الشخص الوحيد الذي احبته.

وعاد الفرعون ليسأل عنها فصدم عند سماعه بما حدث. فأقسم وهو كسير الفؤاد انه سيحفظ عهدها ولن ينساها ابداً. والظاهر انه لم يخلف بوعده بل حافظ على قسمه 3000 سنة..

العام 1907، وكان عمرها ثلاث سنوات، انزلقت دوروثي لويز آيدي على سلم منزلها في شقة العائلة في منطقة بلاك هيث من ضواحي لندن. وراحت الفتاة في غيبوبة تامة. واستدعي الطبيب. فعمل على فحصها بالسماعة الطبية ثم وضع مرآة الرطوبة أمام فمها، واستخدم اسلوب الريشة وشتى طرائق الإنعاش والمنبهات. لكن الجثة لم تستجب لكل ذلك. فالنبض متوقف والتنفس كذلك. لقد كانت الفتاة حثة هامدة. فخرج الطبيب من الغرفة ليبلغ الأسرة الحزينة بالمصاب الأليم. وانه سيعود إلى عيادته ليجلب لهم افادة وفاة تثبت أن الفتاة ماتت نتيجة السقطة بارتجاج دماغي وذهب.

غير أن الطبيب ما لبث ان عاد ودخل الحجرة فوجد عوض الجثة الهامدة التي عاينها، طفلة شقراء تضج بالحياة تلهو على فراشها. فراح، وقد صعق للأمر، يعاود الكشف عليها. فلم يلحظ أية اصابات أو اضرار جسدية. فمزق شهادة الوفاة. وأقسم لأهل الطفلة انها كانت ميتة حسب كل المفاهيم العيادية أو الكلينيكية المعروفة..

وبعد هذه الحادثة الغريبة راحت الفتاة تحلم حلماً معيناً عن حديقة زاهرة في وسطها بركة وقربها بناء ضخم له اعمدة مرتفعة وكان الحلم عينه يتكرر ليلة اثرِ ليلة ثم ينقطع فترة. وكانت دوروثي تبكي كثيراً واهلها يسألون عن مبعث البكاء فتقول لهم: " خذوني إلى بيتي " .

قسم الاثار المصرية في المتحف البريطاني

وحدث في احد الأيام ان اهل دوروثي اصطحبوها إلى المتحف البريطاني وكانت في الرابعة من العمر. فلما بلغوا بها القسم الخاص بالآثار الفرعونية تركت يد أمها وراحت تركض في جنون نحو التماثيل وتقبل اقدام كل تمثال تصل اليه. ثم اقتربت من احدى المومياءات الموضوعة داخل صندوق زجاجي وجلست قربها ورفضت ان تغادر المكان برغم الحاح والديها. ثم أعلنت في صوت غريب كأنه صوت عجوز لا طفلة في الرابعة: " اتركوني وشأني هؤلاء هم قومي " ..

في سنتها السابعة كانت دوروثي تقلّب صفحات احدى المجلات التي احضرها والدها. فتسمرت عيناها على احدى الصور التي كانت لتحقيق حول معبد ( سيتي الأول ). فأمسكت الفتاة المجلة وراحت تصرخ وهي في نوبة من الإثارة: " هذا هو منزلي هذا هو المكان الذي كنت اعيش فيه ".

هذه الأحداث الغريبة دفعت أهل دوروثي إلى الاعتقاد ان حادثة السقوط قد أثرَّت على ابنتهم على نحو مستهجن.
لكن السير بدج، المشرف غلى قسم الآثار المصرية والآشورية في المتحف البريطاني، شجّع ميول الفتاة ونماها بعدما لمس تواتر زياراتها لقسمه واهتمامها الجاد بالآثار الفرعونية. فراح يعلمها ويأخذ بيدها.

ام سيتي في شبابها ..
وتفقهت الفتاة في صورة ادهشت استاذها الخبير خاصة في ميدان الكتابة الهيروغليفية. ثم عملت معه على تحليل نصوص من ( كتاب الأموات ) الذي يفتخر المتحف البريطاني انه يملك نصوصه. وهي كتابات ونقوش تصويرية على ورق البردي.
كل شيئ على ما يرام. لكن الكوابيس كانت تعاود الفتاة في بعض الليالي. فتشاهد نفسها في الرابعة عشرة من عمرها يحيط بها بعض الكهان ومنهم كاهن طويل قاسي الملامح، يهددها بالعصا كي تجيب على اسئلته، ثم ينهال عليها بالضرب وعند هذه النقطة كانت دوروثي تستفيق مذعورة وهي تصرخ .

استقلت آدي قطارها وانطلقت لا تلوي على شيئ تاركة وراءها المدن وأهلها مفضّلة حياة الأرياف الشاقة على رفاهية المدينة وكهربائها.

يعد معبد سيتي اليوم احد اكثر الآثار رونقاً فهو لا يزال محفوظاً كما كان ايام تشييده، فلم تصبه سهام الدهور بأذاها كما أصابت سواه من معالم حضارات الماضي. والمعبد الشاهق في شكله وهندسته الراقية يدهش الناظر ويبعث في النفس الهيبة والخشوع. وهو يعتبر من اعظم انجازات الفرعون سيتي العمرانية. هذا الفرعون الذي كان في الأصل ضابطاً في الجيش ثم أصبح فرعوناً معلناً نفسه باعث النهضة في وادي النيل.

كانت دوروثي آدي والتي اطلقت على نفسها لقب ( أم سيتي ) تقوم بتحويل احدى غرف المعبد إلى مكتب خاص تعمل فيه، لكن الصدف والوقائع الغريبة ما كانت لتترك العالمة وشأنها. ففي احدى الليالي صعدت إلى سطح المعبد كي تتنشق الهواء فسقطت إلى الداخل عن احد السطوح الذي لمم يكتمل ترميمه بعد.

ولما استفاقت من صدمتها راحت تحاول الوقوف وتتملس طريقها في الظلام مستعينة بما يصلها من خيوط النور التي تنفذ من السماء المقمرة في الخارج. فدهشت أم سيتي لانها تسير في غرفة للكنوز كانت متيقّنة مما ترى فلقد لمست لمس اليد تماثيل لازيس واوزريس وحورس، وكلها بالحجم الطبيعي ومعها صناديق كثيرة تحوي مجوهرات ومصنوعات وأقمشة واغراض اخرى كثيرة متنوعة. وفي الصباح لم تجد أياً من هذه الأشياء والكنوز التي رأتها. لكنها أصرَّت على ان تلك الحادثة الغريبة هي واقعية بالفعل، وان غرفة الكنز السرية تحوي كل تلك الأغراض التي وصفتها، وان هنالك قدرة ما انقذتها من الموت عند سقوطها كما انقذتها وهي طفلة وقد كشفت لها عن الكنز المخبوء .

مومياء الفرعون سيتي الاول ..هل كانت هناك قصة حب فعلا بينه وبين ام ساتي؟

تعرضت أم سيتي لنوبة قلبية عارضة العام 1972 فأشار عليها الأطباء بالاخلاد إلى الراحة. لكنها رفضت الركون إلى الفراش واعتبرت هذا العارض الصحي انذاراً لها كي تستعد لمغادرة هذا العالم. فراحت تتهيأ للموت. وقامت ببناء ضريح لنفسها في الجهة الغربية من حديقة منزلها وقد أمرت بنحت تمثال لازيس في اعلى القبر وهي تطير مفردة جناحيها .

توفيت أم سيتي في 21 نيسان / ابريل 1981 في مدينتها ( المقدّسة ) محققة اعز امنيات حياتها. لكن السلطات المصرية رفضت ولأسباب صحية ان تسمح بدفن الجثة في حديقة منزلها في المكان الذي اعدّته. فدفنت في المدافن القبطية التي تقع قريباً من معبدي رمسيس وسيتي، حيث يمكن أن يشاهد المرء ويقرأ المدوِّنات والتعاويذ الهيروغليفية بلا مشقة والتي تقول احداها : " تنام لكنها ستصحو. تموت لكنها ستحيا " .

المصادر :

- Dorothy Eady - Wikipedia
Dorothy Eady/Omm Sety
- Omm Sety – A British Woman Whose Life Was Lined by Reincarnation

تاريخ النشر : 2019-09-09

تم تحرير ونشر هذا المقال بواسطة : اياد العطار
شارك برأيك ..ورجاءا التزم بادب الحوار. جميع التعليقات المخالفة لقوانين الموقع لن تنشر