الموقع غير ملائم للأطفال وقد يسبب القلق والكوابيس
القسم : أدب الرعب والعام

القوة الباقية .. حين يتخلى عنك الجميع

بقلم : منى شكري العبود - سوريا

طعم الخيانة مر شائك  و غص به قلبي حتى غدى ليس بقادر على ابتلاعها
طعم الخيانة مر شائك و غص به قلبي حتى غدى ليس بقادر على ابتلاعها

 
- لقد تخلى الجميع عني يا أمي.
- فلتهدأِ يا وجد ، فليرحل الجميع ، لكن فلتبقي لي.
- لم يظهر لأدم أي أثر ، أليس كذلك ؟  لم أتوقع منه أن يهجرني لمجرد أن أبتلاني الله بمرض مميت.
- أنظري إلي يا وجد ، كفي عن البكاء وأسمعيني.
 
نظرت إليها بينما عيناي توشي لها عن كمية الألم والقهر الرهيب الذي يجتاحني ، كانت تدرك أن سبب تدهور حالتي النفسية غياب أدم أكثر من المرض الذي أحتلني عنوة و تسبب بسقوطي قبل سقوط شعري بكامله ، أردفت أمي بصرامة :
- إن رحل أدم هناك من هو الأفضل ؟ لكن أن رحلت أنا قهراً عليكِ يا وجد هل سيأتي الأفضل من بعدي ؟ ، فكري جيداً يا أبنتي.
 
همت أمي بالرحيل ، فعانق كفي كفها يرجوها ألا تذهب ، مرضي قد تسبب لها بإعاقة قلبية كادت تقضي عليها ، غدت حالتها النفسية والصحية في تدهور سريع ، مرضي كان كأداة حادة أستأصل عافيتها و ضحكتها و سعادتها ، كيف أمر كهذا يجتثه من عقلي التفكير بأدم ؟ و يح أدم و ويح الكون بأسره أن غابت أمي ، باغتها أرجوها قائلة:

- أن رحلتِ يا أمي رحل الكون بأسره ، كوني بخير لأجلي ، فأنا بحاجة للشخص الوحيد الذي التفت لي ، رحيلكِ يعني رحيلي ، فكري جيداً يا أمي.
ربتت على يدي بيدها الأخرى عانقتني بقوة ، باغتها بمرح :
- أرغب بنزهة في الهواء الطلق ، ما رأيكِ ؟.
 
أومأت لي بابتسامة عريضة ، فمنذ أن علمتُ بمرضي لم أخرج من المنزل سوى لتلقي العلاج ، لم أرغب أن يرى أحدهم الشبح الذي بات يحتلني ، و لا أن يرى هشاشتي و ضعفي ، لم أرغب أن يروني مكسورة مبتورة الجنحان ، كنت أخشى نظرات الشفقة أكثر من النظرات الشامتة ، ألبستني أمي حاجياتي و أجلستني على كرسي متحرك ، نعم فشراسة المرض لم تكتفي بتشويهي بل رمتني عاجزة أيضاً ، خرجت من قبري المؤقت لأول مرة لنزهة ، و ليس نحو درب الألم والحقن والصراخ والبكاء ، تنفست بعمق ، كانت أمي تربت على كتفي بين الحين والآخر وهي تشير لي على جمال الطبيعة الساحر و كأنني لا زلت طفلتها الصغيرة ،

أنظري هناك إلى ذاك العصفور ، وإلى تلك الفراشة الملونة... ، و هناك إلى ذاك الرجل الذي يبيع المثلجات ، أترغبين بالمثلجات التي تحبينها ؟ أومئ لها فتهرول مسرعة لإسعادي ، كانت أمي تدعيّ السرور لتجذبني نحوه ، نظرت حولي أتعمق بالطبيعة ، ثم سرعان ما هرولت عيناي نحو أولئك الذين يسيرون و يضحكون بسرور و أغبطهم ، باغتتني ذاكرتي التي هرولت نحو كوم تلك الذكريات المحطمة ، نحو أدم ، نحو كلماته الغزلية و حبه الأبدي ، و سرعان ما حلقت عيناي نحوه ،

و كأن تلك الذكريات لفظته بعد أن غصت به آلاف المرات ، يمسك بيد فريسته الجديدة ما أن التفتت حتى علمت أنها صديقتي شغف ، يضحك ضحكة هوليود المصطنعة ليوقعها في شباكه ، لم يكن يعلم أنها من تصطاده ، يمطرها بحب هندي بينما يغرقها بغزل تركي ، لكنها لم تدرك أنه سيرميها برحيل غربي مفاجئ ما أن تباغته بحاجتها الماسة إليه ، المشهد الأخير ساذج ، جبان ، يليق ببطله ، تغرق مقلتي ببحور فاضت لعدة مرات حتى كادت أن تجف ، لكنني أبكي هذه المرة على عقلي الذي جعلتُ الفوضى تعبث به بذكريات عفنة أفسدت غيرها.
 
" - وجد أعذريني ، لا أستطيع النظر إلى وجهكِ بعد أن غدى...
- قبيحاً ، فلتنطقها لا تعبئ لأمر مشاعري التي أهملتها وأنا في أمس الحاجة إليك ، فقد اعتدت الأمر.
- وجد ، يكفي أن تنظري في المرآة حتى تعذريني ، علي الرحيل ، سأسافر ، جئت لأودعكِ الوداع الأخير.
- فلترافقك السلامة ، أنت وعهودك الكاذبة.
 
باغتتني يد تمسح فيض الدموع عن وجنتاي ، نظرت إليها بينما عيناها تتفرس ذاك الأحمق وحبيبته الخائنة لخبزنا و ملحنا بشراسة ، ثم أردفت بحدة :
-الفئة التي هما منها هي كذلك لا تحفظ وداً ، الخيانة تسري في عروقهم الجافة.
 
- لكن طعم الخيانة مر شائك يا أمي ، غص به قلبي حتى غدى ليس بقادر على ابتلاعها ولا على لفظها ، أرشديني يا أمي.
 
- أنظري هناك ، ليس إلى المدى إنما للمستقبل ، أن كان مثل هذا زوجكِ يتسكع مع العشرات غيركِ كيف ستغدو حياتك ؟ نظرت إليها بعجز أبحث عن الإجابة الصحيحة في مقلتيها ، ثم تنبس بحدة: غارقة في هموم الحياة ، تهرولين نحو مستقبل الأطفال وحيدة ، وعندما تقعين ستقعين وحيدة ، رجل كهذا لا يصلح أن يكون أساس المنزل وعاموده ، هذا يكفي لتلفظي خيانته كلقمة ممضوغة وتدهسيها تحت قدميكِ وتمضي.
 
- و شغف يا أمي تلك التي أعددتها كأخت لي و تسلحت بها لأشد بها عضدي ، ها هي قد علمت من أين تأكل كتفي و همت بتناوله.
 
- قد أينعت وحان قطافها وانتهى الأمر ، هناك دائماً يوجد الأفضل ، أنظري حولكِ جيداً.
 
وأخيراً تنبها لوجودي ، غرقا في نوبة ارتباك لا داعي لها ، رميتهما بنظرة احتقار و مضيت بصحبة أمي ، أكل المثلجات لكن عيناي أبت الرحيل بعيداً عنهما ، عانق كفها بكفه ثم أطلق بصحبتها ضحكات شتى أوجعتني و مضيا ، باغتتني أمي تربت على يدي :
- ستمضي الأيام و نضحك أمام خيبتهما سوياً ، عديني يا وجد.
 
- أعدكِ يا أمي.
 
استعدت رباطة جأشي ، غدت حالتي النفسية أفضل بعد أن حددت هدفي في الحياة ، ألا وهو الشفاء أولاً ، ثم مستقبلي كطبيبة ناجحة ثانياً ، هرولت الأيام سريعاً ، وها قد أينع حلمي و حان قطافه.
 
- دكتورة وجد هناك حالة إسعاف ، حادث سير أليم نتج عنه وفاة الأم ، والطفل في حالة حرجة للغاية ، يُرجى حضورك بسرعة إلى غرفة العمليات
 
بعد صراع مع الموت دام لست ساعات متواصلة استطعت إنقاذ الطفل ، خرجت إلى غرفتي الخاصة منهكة ، بعد ساعة طرق الباب ، أذنت للطارق بالدخول ، ذُهلت لرؤيته ! كان وجهه متجهماً ، ما أن رأني حتى انفرجت أسارير وجهه ، باغتني بدهشة:
- وجد !.
 
- أهلاً بحضرتك يا سيد ، ماذا تريد ؟.
 
- أنا أدم يا وجد ، ألا تذكريني ؟.
 
- لا ، لا أذكر أنني أعرف أحد بهذا الاسم ، ماذا تريد سيد أدم ؟.
أردف بخيبة:
- أردت الاعتذار، ثم شكرك على إنقاذ طفلي.
 
- هذا واجبي سيد أدم ، و من واجبي أن أرثيك بوفاة زوجتك شغف.
 
- لم تكن شغف ، هي فتاة أخرى تُدعى يارا ، تزوجتها بناءً على رغبة والدي لعمل جمعه مع أبيها.
 
لم أُصدم بما قال فهو كما عهدته الخيانة تسري في عروقه الجافة.
- و ماذا حل بشغف ؟.
 
- هجرتها بعد زواج سري أثمر إجهاض طفل تعمدَته هي و تسبب لها بالعقم ، ثم باغتني بسذاجة: هل تعودين لي ؟ لا زال حبكِ ينبض في قلبي ، لم أنساكِ لحظة ، تمنيت لكِ الشفاء دوماً.
 
غرقت في نوبة ضحك موجعة ، ثم أردفت في وجهه بحدة :
- كما عهدتك ساذج ، أحمق ، جبان ، أرحل من هنا.
 
طرق الباب من جديد فأذنت للطارق بالدخول ، باغتنا الطارق قائلاً بسعادة :
- لقد ظهرت النتيجة يا وجد ، و أخيراً في أحشائكِ ينبض قلب طفلنا الأول ، جود.
 
ضحكت بسعادة بعد أن عانقني زوجي الدكتور لؤي الذي عالجني مسبقاً من مرضي المميت ، وعيناي تراقب عيني أدم التي تشي بالكثير من الندم المتأخر ، أردفت بمرح بينما هم بالرحيل:

- سأخبر أمي ، سيسعدها الخبر المنتظر.
يسألني لؤي :
- من هذا يا وجد ؟.
أجيبه دون أن التفت إليه :
- لا أحد.
 
النهاية ......

تاريخ النشر : 2020-11-26

تم تحرير ونشر هذا المقال بواسطة : حسين سالم عبشل
انشر قصصك معنا
مزيد قصص
قصص ذات صلة
مُليكَة
عُلا النَصراب - مصر
خطيئة الندم
مروة على - مصر
قصص
من تجارب القراء الواقعية
ريح من الأسئلة
Boredom frog - Black hole
رجاءا التزم بادب الحوار. جميع التعليقات المخالفة لقوانين الموقع لن تنشر
emoje
emoje2
youtube
help
ضع رابط فيديو يوتيوب
  • التعليق مفتوح للجميع لا حاجة الى عضوية او ايميل
  • التعليقات تدقق ثم تنشر لذا قد يتأخر نشرها لبعض الوقت
  • التعليقات المستفزة والجارحة لن تنشر لذا لا تتعب نقسك بكتابتها
load
X اغلاق
رجاءا التزم بادب الحوار. جميع التعليقات المخالفة لقوانين الموقع لن تنشر
emoje
emoje
load
تعليقات و ردود (10)
2020-12-04 14:55:12
user
389295
9 -
ابن زحلة
آنسة منى يسعدني حقا ان أقرأ قصصك الجميلة والراقية حقا هذه القصة جعلت قلبي يبتهج أحييك من كل قلبي على هذا الالهام العظيم لكل مريض ابتلاه الله بهذا المرض الخبيث وشفي بالأمل والصبر والاتكال على الله تحياتي لك يا ابنة بلدي سوريا وشكرا جزيلا لمقالك الرائع.
2020-11-27 11:39:49
user
387657
8 -
حسين سالم عبشل - محرر -
قصة رائعة و فيها تفاصيل اكثر من القصة التي كتبتيها قبلها ، احسنت
2020-11-27 09:49:09
user
387633
7 -
سوسو 🌸
نهاية سعيدة وجميلة.. شكراً لك بنت بلدي الموهوبة 🌹💓
2020-11-27 05:27:29
user
387609
6 -
امرأة من هذا الزمان
قصصك جميلة جدا بنت بلادي...تدخل مباشرة إلى إحساسي...اشعر بأنني في عالم آخر...تحياتي لك استاذة وأنتظر المزيد💐
2020-11-27 03:44:22
user
387599
5 -
👍
👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍👍
2020-11-27 01:12:52
user
387587
4 -
دنيا. الجزائر 🇩🇿
أسلوب رااااااائع.
واصلي 🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹
2020-11-26 14:16:17
user
387518
3 -
.......
القصة جميلة جدا انتابني شعور رائع عند النهاية عندما قالت لا احد ذلك الخائن استحق ذلك وكما قالت الأم سوف يأتي يوم ونحن نضحك عليهم
2020-11-26 12:27:38
user
387498
2 -
حبيبة طارق
يالها من نهاية رااااائعة
احبببببت
2020-11-26 11:26:34
user
387490
1 -
السمراء
مساء الخير

القصة جميلة و اللغة كذلك ، مشاعرك هذه المرة كانت أفضل من تلك ربما لأن القصة طالت قليلاً و كانت واضحة من الوهلة الأولى . قلمك و خيالك ممتازان .
لي ملاحظتين فقط ، تجنبي القفزات الزمانية و المكانية المفاجئة و غير المتوقعة . لم تمهدي الطريق جيداً فجأة وجدناها تعافت ثم تزوجت .
الشيء الثاني هو الدراما ، لم تكن هناك أي دراما و هي ما تجعل القارئ يتفاعل " ربما بسقوط ورقة شجر " يتبعها فيض من المشاعر السلبية و ذلك عندما رأت شغف و آدم معاً ، يمكن لأي حدث ولو صغير أن يكون دراما إن أحسنت توظيفة في المكان المناسب .

بالتوفيق في أعمالك القادمة .
1 - رد من : حياة
سمورتي .. انتي محقه .. فجأة تعافت وتزوجت وحملت ..
2020-11-29 08:53:26
move
1
close