تحذير : هذا موقع رعب وهو غير مناسب للأطفال ويمكن أن يسبب القلق والكوابيس

مائدة شاي التاسعة - 2 -

بقلم : محمد فيوري - مصر

كانت معتوقه لها تركيبة شيطانيه خاصة مكونة من الأعشاب

تختفي زينه من الصحراء ليظهر طيفها داخل بيت العرافة معتوقه ثم تتقدم وتجلس بهدوء على المائدة صامتة تماما وهي تنظر إلى وجه نادر ، ليتحدث نادر بصوتها وبكلمات غير مفهومه وهو ينظر إلى عين العرافة معتوقه ، ثم تبدأ العرافة وهي تنظر لهم بمسك الشموع ووضعها داخل كؤوس الشاي فتنطفئ لتنطفئ معها إضاءة  البيت بأكمله ..

ليكملان نادر ومعتوقه الجلسه في الظلام بحضور طيف تلك الطفله ، ويتبادلان الحوار بكلمات لا أصل لها ولا وجود على وجه ألأرض ، مع تداخل كلمات أخرى مبهمة تأتي من حين لآخر لتهتز معها جدران ألبيت بأكمله ، بصوت ياسين ويحيي ويونس وصرخات أطفالهم و زوجاتهم الشقيقات التوائم  " سميره منيره حبيبه " كأنهم يعذبون بشدة  .

لتعود الإضاءة مع دقات ساعة الحائط كئيبة المظهر ، لتقف معتوقه و بيدها ورقه بنية اللون وباليد الأخرى ريشة سوداء وهي تكتب سريعا على الورقه الآلاف من الأحرف المتفرقة الصغيرة والهمزات ، ثم تضع الريشة السوداء وسط الورقه وتقم بلف الورقه عليها وربطها بخصلات شعر أبيض آدمي ، وتضعهم سويا داخل فتحة صغيرة بصندوق خشبي عتيق مغلق بقفل ، ثم تتقدم وتقترب من نادر بهدوء ، وتنحني ليصبح وجهها أمام وجهه تماما ، تنظر لعينه وتقول :

" تلك كانت رسالتهم اليومية لك ، يدي وضعتها مع باقية  ألرسائل ... أنهم يحاولون مساعدتك .

لكن !! ...  هي من تحتاج ألمساعدة  منك .. هي من تحتاج ألمساعدة ........ منك "..

***

كانت العرافه معتوقه تخبر نادر كل لليلة بعد الأنتهاء من الجلسه ، بجزء مبهم  وغير مفهوم من تلك الرسائل ، وإن سألها نادر عن ماهية الرسائل أو معناها ، كانت تعنفه بشدة على الفور وتطرده من البيت ،  كما حدث ذلك مرات عديدة من قبل ، ليعود إلى غرفته بالملجأ يجلس وحيدا يتساءل وهو يبكي :

" من هو يحيي ؟.. ومن يونس ؟.. من زينه ومن حبيبه .. من هؤلاء بالنسبة لي .. ومن أنا بالنسبة لهم ..

من أتى بي إلى الملجأ ، أين عائلتي أين أبي و أمي .. ما ذنبي أن أصاب بتلك أللعنه كل لليلة ، ما هو ذنبي أن أعيش هكذا   " ..

لكنه كان يهدأ من ألتفكير ويتناسى لأنه بدأ ينظر تحت قدميه جيدا ، فهدفه الوحيد في تلك ألمرحلة ألقاسية من عمره هو التعليم ، ألذي سيعوض له جزءا عما فقده في حياته ولا ينعم به كباقي ألبشر .. في الوقت نفسه كان ينتظر ويصبر كثيرا إلى أن  تمر الأعوام الأربعة القادمة ، لكي تخبره العرافه معتوقه كما وعدته بحقيقة أصله و فصله عند بلوغه من العمر العشرون عاماً ..

***

أكمل نادر دراسته و التحق بكلية الطب وتخرج ليصبح جراحا مشهورا و من كبار أساتذة المخ والأعصاب ..

كانت ساعته الموعودة ملغية تماما من جدول أعماله " بعيادته " وجميع المستشفيات التي  يتردد عليها لإجراء الجراحات أو الزيارات ، لا يقبل بأجراء أي عمليات طويلة الوقت  تتخللها " الساعة الموعودة بالمساء " و كانت من تقوم بترتيب تلك المهمة هي سكرتيرته الخاصه ، لتعطيه مواعيدا تتناسب مع يومه .. كان الكثيرون من الأطباء والعاملون يتساءلون عن سبب إلغاء تلك الساعه من جدول أعمال الجراح الكبير ، فالبعض منهم يقول أنه يعاني من حاله نفسيه تنتابه يوميا من التاسعه للعاشره مساء ، والبعض ألأخر يقول أنه يذهب لزيارة شقيقه المريض منذ عدة سنوات 

فكان لا يبالي لتلك الإشاعات والأقاويل نهائيا ، ويبتسم عند سماعه همسات الممرضات وهن يتبادلن الحديث عنه فيذهب إليهن ويمازحهن  " نعم نعم تماما ، تنتابني حاله نفسيه من التاسعه للعاشره وأتمنى أن تصيبكم جميعا "

ولشخصه المتواضع كان يحبونه الجميع بشده ..

غيرت العرافة معتوقه كل شيئا كان يخطط له نادر لبناء مستقبله برؤيته الخاصه ، فعند بلوغه العشرون عاماً واعترافها له بالحقيقه وبأسرار غريبه لا تعقل ، أصبح  نادر كدمية لها خيوط تحركها يدها كما تشاء و تتحكم به ، فهي من أمرته أن يلتحق بكلية الطب ، وأمرته أيضا أن ينتقل إلى بيت قريب من بيتها حتى لا يغيب عن عيناها طوال الوقت ، وأخبرته بأنه سيصبح جراحا مشهوراً يوما من الايام ، لأن تلك اللعنة لن تتركه وترحل وتحل عنه  ... دون أن تعالج على يده ....

***

بالرجوع خمسون عاما إلى الوراء وإلى الماضي ، حينها كانت العرافة معتوقه في العقد الثالث من العمر ، كان يأتي إليها الكثيرون من المدن البعيده ، كي يعالجون على يدها من المس و الحالات الغامضة التي تنتاب البعض ، وأيضا كانت توجد جلسات خاصه جدا تسمي  بجلسات " صب الشاي " لمن يريد التحدث مع أقاربه من الأموات ، كانت معتوقه لها تركيبة شيطانيه خاصة مكونة من الأعشاب ، فتلك الأعشاب تضعها داخل إبريق كبير من ألنحاس وأثناء صبها بالكؤوس تشبه الشاي المغلي تماما لا يتذوقها أحد، فهي فقط لأستجلاب أرواح الأموات بحضور أقاربهم الأحياء أثناء الجلسه ، كانت تشترط معتوقه على أقارب المتوفي بأن تكون الساعه المحددة للأجتماع على المائدة  هي نفس ساعة الوفاة و خروج الروح من ألجسد .. و كانت أعداد الكؤوس على المائدة حسب أعداد الأموات المراد استجلاب أرواحهم  ...

اكتشفت العرافة الكثير من الغيبيات و الأسرار عندما تواصلت  مع أرواح " عالقة هائمة بين العوالم " ..

فتلك الأرواح لها صفات مختلفة تماما عن الأرواح الآدمية ، لا يتواصلون مع أحد نهائيا من جان أو من بشر ، لكن شدة تعلقها وتعمقها بأمور ألسحر من الصغر  و بقدراتها الخارقة في حفظ الطلاسم والتمائم التي تتكون من ثلاثة آلاف كلمة وحرف ، جعلتهم  يتواصلون معها و يحضرون  للمرة الأولى ولمرة واحدة فقط  " بلا عودة "  فتعلمت منهم أشياءا كثيرة لا يعلمها جن ولا بشر ، وحفظت آلاف الأسرار داخل ذاكرتها القوية ، وبدأت بتنفيذها خطوة تلو الخطوة .. وكلما تقدمت خطوة أرتقى إدراكها لعلوم غيبية  وأسرارا بعيدة  تماما عن عقول البشر وعلوم الجان  ..

فجمعت تلك الأعشاب التي تنبت في باطن الأرض تحت رمال الصحراء ، وجعلتها مشروبا و شربته بأمر من تلك الأرواح ، لكي تنجب توائم ، ليس حبا منها للتوائم ولا حبا منها للإنجاب ، لكن طمعا بأن يرتقي عقلها وإدراكها للعلوم الغيبية والأسرار ، فتلك كانت خطوة من ضمن الخطوات التي بدأتها ، فأنجبت  " سميره و منيره و حبيبه " وعند بلوغهن عشرة أعوام من العمر كانت تأمر " سميره ومنيره " بالذهاب إلى المقابر ليلا ، لنبش القبور ليقمن بقص خصلات من الشعر الأبيض لجثث الأموات من كبار السن ، لكي تقوم بأستخدامها في أعمالها الشيطانيه ..

أما  " حبيبه " فكانت هي الوحيدة المختارة أن تجلس مع الأم معتوقه دائماً أمام المائدة الخشبية أثناء جلساتها

ومع من يحضرون من أقارب الأموات ، فبعد إتمامهم  " صب الشاي " يتم استجلاب الروح فورا  لتتلبس جسد حبيبه فتتحدث بصوت رجل أو امرأة أو أيا من كان ، لتتواصل الروح مع الأقارب من خلالها ، وإن تم استجلاب اكثر من روح واحدة في الجلسة ، كان يحدث تداخلا شديدا بين الأرواح وصراعا وضغطا على جسدها فتتحول عيني "حبيبه " إلى الأبيض تماما وتبدأ بالنظر إلى الأعلى ...

***

بالعودة  إلى الوقت الحاضر والحالي كان الدكتور نادر الجراح الكبير في طريقه الى المستشفي لمتابعة حالة خاصة جداً حالة شقيقته التوأم  " زينه " البالغة من العمر أربعون عاماً ...

فمنذ اللحظة الأولى وأعتراف معتوقه له بكل شيء ، أصبحت الصورة  كاملة أمامه وواضحة تماما  وشعر بألارتياح .

 

 وبهذا ينتهي  الجزء الثاني أعزائي  ، أرجوا من حضراتكم متابعة الجزء الثالث والأخير ...

شكرًا لكم أصدقائي .. دمتم سالمين ..

تاريخ النشر : 2015-11-27

قصص أخرى لنفس الكاتب :
شارك برأيك في الموضوع ..
  • الرجاء الألتزام بأدب الحوار والابتعاد عن المشاحنات وعدم التطرق الى الامور التي تثير الكراهية
  • يمنع الاستفزاز والتجريح والسخرية والاستهزاء والعدائية .. كابوس واحة للمحبة والاحترام
  • التعليقات المرفقة بأرقام هاتف وعنوان سكن لن تنشر .. ولا يوجد تسجيل أو عضوية في الموقع
الأسم
التعليق