أدب الرعب والعام

أغنية الضباب

بقلم : السمراء – السودان
للتواصل : [email protected]

صرحت به و قد هزمني الضعف ، و غلبتني الوحدة ، اقترب مني و احتضنني
صرحت به و قد هزمني الضعف ، و غلبتني الوحدة ، اقترب مني و احتضنني

 
العالم يدور .

صباح ، مساء .
 
ضوء ثم ليل .
 
ظلام و فجر .
 
لا .. لا .. إنه يرقص و أنا متأكدة من هذا ، نغماته واضحة – خصوصاً في الصباح ، عندما أتنفس رائحة أشجار البرتقال و حين يقبلني أبي ، فتأتي القبلة كقذيفة تحط أينما تقع ، عيني ، خدي أو أنفي.
 
إن العالم يلف و يدور عندما أضع السماعات في أذني و يتطاير شعري الأسود خلفي ، و يُسرع حين أستغل دراجتي الوردية ، هي كانت زرقاء في الواقع و أنا غيرت لونها و جعلتها تنبض بالحياة لترتفع .
تبدأ أولى النغمات في الصباح من جارنا مارتن :
 
” ابتعدي أيتها الحمقاء من أرضي ، تباً لك و لوالدك سيرا “.
 
” سينمو مجدداً – أبتسم مارتن “.
 
و العم مارتن لا يبتسم أبداً ، كأنه خُلق ليكون عابساً في وجه الصباح .
كل يوم أحاول أن أتجنب عشبه لكن لا أستطيع ، ففناء منزلنا مدحرج على باحته مباشرة و ليس على الشارع ، و أكون مُسرعة و على عجلة من أمري فأفقد التحكم و الرجل مهتم بعشبه أكثر من اهتمامه بزوجته .

كل هذا لا يهم طالما أنني أضحك و أتناغم مع العالم لنتمازج سوياً في لوحة مُكتملة ، تخللتها أشعة الشمس الذهبية و طريق ترابي تشقه دراجتي الهوائية – و أُسرع ، كنسر أُحلق ، ليُسرع العالم بدوره و يُنشد .
 
و قد تخللت هذا النشيد ألحان شاذة متمثلة في أخي رفاييل ، الفوضوي و الصاخب ، لقد كان كارثة ، لا يكترث بأي كان .
ذات يوم طرق رجال الشرطة بابنا ، رأيت سيارتهم تتوقف ، تحدث معهم العم مارتن لبرهة ، هذا الرجل غير معقول أبداً و فضولي ، أعلم ينُمُ به الآن ، قلت لرفاييل :
 
” هيا اختبئ إنهم عند الباب “.
 
همس رفاييل :
 
” لا تدعيهم يفتشوا المنزل ، أعرفي حقوقك ” .
 
” حسناً اذهب “.
 
و عندما اختفى رفاييل في غرفته ، ابتسمت ببراءة و فتحت الباب :
 
” هاي “
 
كان الشرطي في عقده الرابع ، تفحصني ثم سأل :
 
” مرحباً أيتها الشابة ، هل والدك في المنزل ؟ “.
 
أجبته بتحفظ و اختصار :
 
” لا “.
 
نظر حول المنزل مستطلعاً ، لا يوجد شيء إلى ماذا يحدق ؟.
 
” أخوك رفاييل كسر معصم أحد الأولاد ، لذلك إن كان في الداخل استدعيه الآن “.
 
لقد كنت أعلم هذا ، تشبثت بمقبض الباب ، لا يمكن أن يدفعني و يدخل – لن يقتحم المنزل ، ليس معه مذكرة اعتقال أو تفتيش ، أعرفي حقوقك ، قلت بثبات :
 
” أنا لا أعلم أي شيء سيدي ، و إن كان هناك من تأذى يؤسفني هذا و أنا أعتذر – جداً “.
 
” أسمعي أيتها الصغيرة ” تأفف بنفاذ صبر ثم قال :
 
” من الأفضل لرفاييل أن يأتي للمركز بقدميه و إلا سيذهب للإصلاحية و لن تريه قريباً “.
 
أصدر أمره و غادر بهدوء ، سبق و أن وُضع رفاييل في الحجز لعدة مرات بسبب القيادة المتهورة ، و مقاومة الاعتقال و قد أصبح مشهوراً بين رجال الشرطة .
تلت هذه الحادثة عدة هفوات و عندما ضاق به القاضي ذرعاً وضع إسورة على قدمه اليمنى ، الآن يتحرك فقط في محيط المنزل ، سيبقى على هذه الحال لعدة شهور .
بمرور أسبوع من حجزه في المنزل كان قد جُن تماماً ، ذهبت إليه في غرفته لأسليه :
 
” لا ينفع ما تفعل ” قلت له و أنا أراه يضع سلك كهرباء على الجهاز ” مقاوم للكهرباء و الحرارة . حتى و إن نجحت في دقيقتين ستجدهم هنا و هذا ما لا يريده أبي ” .
 
” أنت سعيدة أليس كذلك ؟ بحق الرب ، لا بد و أنك كذلك سيرا ” .
 
كانت غرفته غارقة في الفوضى كمخبأ جرذ ، تجاهلت كومة الثياب على الأرض و تجاهلت عداءه الصريح ثم قلت :
 
” رفاييل أنا شقيقتك ، هذه حقيقة لا يمكن تغييرها و أنا أحبك بالرغم من فظاظتك و أفعالك ، لقد غطيت عليك عدة مرات – مثلاً عندما ضربت ابن عائلة غاتس و – “
 
” هيا أخرجي ، أغربي عني ، تظنين أنك ملاك ؟ حسناً أنا الفاشل ، لا تأتي إلى هنا مجدداً ، تباً لك سيرا “
 
هكذا كنت و شقيقي حتى كبرنا ، هو انفجاري يتحرك دون هدف و أنا أسكب الماء على تلك الحمم علها تنطفئ .

أما أبي فقد عاش في عالمه الخاص ، يخرج في الصباح و يأتي ليلاً ، يضع المال الذي نحتاجه في المطبخ و يخرج في الصباح هكذا .. لا أذكر له أي حسنة أخرى .
ظننت أن وفاة أمي أحدثت شرخاً في حياته – كنت مخطئة ، فقد تزوج دون إخبارنا ، و ابتعد عنا كل سنة حتى وجدتني و رفاييل وحيدين ، كلانا بحاجة الآخر .

ثم أدركت شيئاً ، أن ابتسامتي في وجه الصباح خبت ، دون أن أشعر أو ألحظ  اختفى حماسي و بهُتت فرحتي ، وجدتني أكبر قبل قريناتي ، قبل أواني بكثير كبرت .
في هذا الوقت بالذات ابتعد رفاييل عني و سقط في الهاوية ، صار عكس والدي تماماً ، يخرج ليلاً و يعود في الصباح – ينام لعشرة ساعات ثم يخرج مجدداً .
ذات يوم أطفأت جميع الأنوار و ربضت في طرف الغرفة بانتظاره ، في الظلام  طيلة الليل ، و لم يعد ، كنت أراقب الزمن و الشارع الخالي ، عندها رأيته ينزل من شاحنة متهالكة بضجيج خافت .
أشعلت الضوء بمجرد دخوله ، أجفل ثم قال :
 
” هل من مشكلة ؟ “.
 
” المشكلة هي أنت ، نعم الشرطة لا تلاحقك ، هذا لا يعني أنك بعيد عن المشاكل “.
 
ابتسم و قال :
 
” غريب أمرك سيرا ، من المفروض أن تكوني فرحة من أجلي “
 
لم يكن ثملاً ، لا أثر لندوب أو عراك كما توهمت ، كان نظيفاً – و مرتباً ، تنبعث منه رائحة حلوة – هذا ما أربكني .
 
– أنا أحتاجك ، اشتقت لوجودك قربي .
 
صرحت به و قد هزمني الضعف ، و غلبتني الوحدة ، اقترب مني و احتضنني ، في حقيقة الأمر أنا لم أكن مشتاقة له فهو هنا كل يوم ، أنا أفتقد أبي و أمي ، و أشتاق لكل بسمة صباح و صوت لطفولة.
بقي رفاييل كلغز ، غامضاً – غير مكترث ، بينما غرقت أنا بدوري في حياتي العابرة .
 
اشتركت في فرقة الموسيقى في الثانوية ، ظننت أنني أمتلك صوت جميل ، هكذا كُن رفيقاتي يقلن . و حبيبي سايمون هو من شجعني على هذه الخطوة ، كان يستمع باهتمام عندما أغني ، كان يقول :
 
” أظن أن العالم بحاجة لصوتك “.
 
كنا نتسكع خارج المدينة ، ابتسمت له بينما أتأمله ، توهجت حدقتيه البنيتين عصراً فكانتا كشمسين تغربان معاً في بحر صاف ، قلت :
 
” في الواقع ، العالم بحاجة لنوعك “.
 
و غمزته ، كان سايمون  مكملاً من كل شيء ، لم أرى فيه شائبة ، كنت هائمة في فضاءه اللامتناهي ، لقد أخذ سايمون بارو من كل جزء من الحياة ، إن علماً فهو نابغة ، إن كان هدوءاً هو سيده ، إن كان حباً فهو منبع العاطفة ، انجذبت إليه دون أن أشعر ، وجدتني على شاطئه أرسو و أطوي الأشرعة .
 
في حصة الموسيقا أعطاني مستر أليخاندرو مقطع لأغنية ، لم أكن أعرف من صاحبها فأنا أحب أغاني جيلي السريعة ، لكن سمعتها من قبل في مكان ما ، وقفت أمام المايك و لحنت المقطع كما سمعته في السابق ، و بعد انتهائي صمت مستر أليخاندرو لبرهة و قال :
 
” تملكين صوت مخملي قوي ، جذاب و آسر بشكل خاص ” .
 
تفاجأت صراحة ، لم أتخيل يوماً أن يُقال لي كلام مثل هذا من مدرس مشهور .
 
” تحتاجين لبعض التدريب ” قال بلباقة ” المخارج و الطبقات ، هنا تكمن مشكلتك ، إنها تفلت منك و عليك الإمساك بها لتكوني محترفة ، لكن صوتك رائع بلا شك “.
 
” أنا لا أغني مثل هذا النوع ، لذلك كان المقطع صعباً علي ” أجبته و أنا أخفي حماسي بقدر الإمكان ، كنت متوترة لا أزال أتحدث عبر الميكرفون .
 
عرض علي :
 
” سيرا توجد مسابقة في ولاية نيفادا ، هل بإمكانك المشاركة فيها ؟ “.
 
ابتسمت موافقة و قال السيد أليخاندرو :
 
” عظيم “.
 
خرجت من عنده و اتصلت بسايمون ، لم يجب ، عدة مرات و لم يرد علي ، عبرت ساحة المدرسة في دقيقة ، أخذت دراجتي و انطلقت إلى الطريق ، جعلت سترتي ترفرف بفعل الرياح و أنا أسرع ، مررت بساحة لويس بارك ، ثم انعطفت انعطافة حادة يميناً ، لم يكن منزل سايمون بعيداً من المدرسة ، كان يعيش مع والده ، لقد كان دون أم مثلي ، انفصل والداه منذ الصغر ، و لم يعاني من هذا الأمر كما لم أعاني أيضاً ، لم يعرف الحزن لنا طريق ، كُنا مناسبين لبعضنا .

أردت أن أصف دراجتي و أسندها على السور لكنها لم تقف و سقطت فتركتها هكذا ، بينما كانت عجلتها الخلفية تدور و تغزل ، السيد بارو صحفي ، رجل مُتمكن يكتب مقالات علمية في مجلة كاليكس على ما أعتقد ، قرعت الجرس ، أنا لم ألتق به ، رأيت صورته فقط .
 
بعد لحظات فتح لي ، كان يحمل قلماً بيده ، تفاجئ من رؤيتي :
 
” مرحباً سيد بارو ، هل سايمون في المنزل ؟ “.
 
” لقد خرج مع صديقته ، أظنهما ذهبا لتناول العشاء -“.
 
” ليس لديه صديقة غيري “.
 
قلت مُتحدية ، فأجاب :
 
” أوه ” تلعثم ثم أردف ” اتصلي به ” .
 
هناك شيء ، سألت : ” أي مطعم ذهب ؟ “.
 
” لا أعلم ، لم يخبرني “.
 
كاذب ، هو يعلم أين هو ، مثله لن يكون سبباً في كسر قلب فتاة صغيرة .
تراجعت للخلف عدة خطوات و أنا أحاول عدم التعثر ، قال من مكانه :
 
” اعتني بنفسك جيداً “.
 
كانت دراجتي لا تزال عجلتها تدور ، رفعتها ثم غادرت .
توجد المئات من المطاعم ، لن أبحث عنه بالتأكيد ، سأكون كالمشرد الذي يبحث عن مأوى في ليلة عاصفة .
 
في نهاية المطاف اكتشفت أن سايمون مجرد خائن ، لم يكن ملاكاً كما توهمت – لم يكن فريداً ، كان مثل أي رجل عادي ، كان كجميع الرجال ، آلمتني هذه الحقيقة .

بالرغم من ذلك بقيت معه طواعية – بلا إحساس كنت أسير قربه ، حتى عندما تأكدت شكوكي لم أنفصل عنه ، كنت أتأمل وجهه وأحترق بصمت ، ثم أبتسم لأنه معي و لم يتركني من أجل الأخرى ، لهذا لن أتركه ، كنت بحاجة لهذا الوهم ، القليل من هذا الحب مهما بلغت هشاشته ، مهما كان كاذباً . كنت مُطوقة – مقيدة به ، مُحتجزة داخل نفسي و بداخله .
و عندما طفرت من هذا الحب المُدمر  الأناني و الخائن ، أقصيته ، أبعدته دون أسف – لم اُجرح أو أتألم ، كنت وقتها أصبحت رماد .
 
1-
 
عدت لدروس مستر أليخاندرو لأقتل الزمن ، و أسبق دقاته الكئيبة ، لأنتصر على عقارب الخيبة و الخذلان ، كنت أحضر الدروس دون روح ، حتى جاء يوم المسابقة  و فزت – أنا ربحت ، تلوّنت الحياة أخيراً و نبض قلبي مجدداً .
عاد العالم للضجيج  و بعث ألحان عذبة ، و كنت أنا أُسرع في كل شيء ، كدراجة طفولتي على عُشب مارتن الرطب كنت أرتقي .

فزت بهذه المسابقة ، تلتها مسابقات عديدة  و كُبرت ، تناسيت و شفيت .
حققت الكثير و حصلت على كل ما تمنيت و أنا بالكاد أبلغ العشرون ، بين ليلة و ضحاها كنت نجماً يلمع في ظلمة الليل .
صار لي مدير أعمال يُدعى ليام تولى كل شيء ، و كنت أنا أُنفذ فقط ، جولات و مقابلات تلفزيونية حصرية لصالح مجلة بلو سكاي دائماً و ليس حصراً :
 
” الأولوية لمجلة بلو ”  كان ليام يُنبه ، و لم يضايقني هذا .
 
ذات يوم تبادرت لذهني أغنية ، كانت حزينة عكس وضعي الآن ، لا أعلم كيف انتهت إلى ذهني ؟ كنت حينها عند الجسر ، كانت الرياح قوية و باردة ، سينزل الثلج قريباً و ربما يكون مطراً ، صفع البرد وجنتاي فوضعت قلنسوة سترتي على رأسي لأتدفأ و أملاً ألا يتعرف علي أحد .

وقفت وحيدة فانسابت كلماتها و ألتفت حولي كالسحر ، في هذا اليوم البارد وُلدت أغنية الضباب ، من رحم الجليد نشأت و كانت .
خرجت الأغنية مع الألبوم للجماهير بعد ثلاثة أشهر و حققت أعلى مشاهدة على اليوتيوب في الشهر الماضي .

في إحدى جولاتي كانت الجماهير محتشدة و منفعلة – صاخبة جداً ، وقفت على المسرح و رفعت بصري للسماء فرأيتها تُمطر أوراق فضية و حمراء فوق رأسي بكثرة – كانت الورود تملأ أرضية المسرح ، في هذا اليوم أدركت أنني مرغوبة – كنت محبوبة ، صرت جزءاً من الجماهير و هموا مني ، لقد كسبت أصوات عندما علا صوتي المخملي و صدح بلحن الضباب :
 
– يقولون أن الطريق سينتهي هنا .
 
– و قالوا أن الأحلام ستختفي أيضاً .
 
صمت هنيهة لتطغى الموسيقى على الموقف و يهتف الجماهير ، ثم همست بهدوء :
 
– و قد أخذت أغلى الكنوز باختفائها .
 
– قالوا أنك ستسرق بريق أعيننا ليبقى لنا الظلام .
 
عندما وصلت لآخر مقطع ، اقتربت من الجماهير و وقفت في أقرب نقطة منهم ، انحنيت و دفعت بالمايك تجاههم فرددوا بدويٍ هادر :
 
– قالوا ذلك و نسوا أنك أخذتني قبل كل شيء .
 
– سرقتني دون أن أشعر .
 
و بالفعل كان كذلك ، انتهت الحفلة و سرت سريعاً رفقة فريق الأمن ، أخذنا المخرج الخلفي و كانت الحشود خيالية أطبقت على السيارة من كل الجهات ، بذل الحرس جهد مضن لإبعادهم ، كان هناك الكثير من الحب و الكثير من كل شيء – بسبب أغنية الضباب أنا أنتصر .

لقد أحبني العالم و أنا أحببته بدوري – و عثرت على الشيء الذي افتقدته لسنوات .
صعدت السيارة و رأيت أيدي الجماهير تضرب الزجاج ، الكثير من الوجوه تصرخ منفعلة ، ثم رأيت وجهه و لم أتعرف عليه ، مرت سنوات لكنني أخطأته ، كان مجرد وجه مع كل هذه الوجوه.

كان هادئاً بين الجميع – ساكن بشكل ملفت  كقطعة فريدة سقطت في كومة خاطئة ، وضع يده قبالتي و بشفاه ترتجف ردد كلمات غير مُكتملة ، منقوصة – و مُبعثرة من أغنية الضباب ، قتلني عندما نطقها أخي رفاييل ببطء :
 
– قالوا بأن الأحلام ستنتهي هُنا .
 
شكّلت كلماته ضباباً دافئاً في زجاج السيارة . سرعان ما تلاشى بفعل البرودة ثم اختفى و ذهب – كأن الحياة تسخر مني ، تُثبت أغنية الضباب و تجعلها حية .
لم يسحب يده حتى تحركت الهوندا ، و أستمر بالوقوف مكانه ، كان هادئاً هناك ، و صاخباً في داخلي .

كنت مصدومة لرؤيته ! استمرت السيارة و هي تلتهم الطريق نحو الجسر ، و أنا كُلي للخلف أنظر إليه ، إلى ذلك الغريب ، حتى عبرنا الجسر .

كان شعره مُشعث و نمت لحيته فغطت ملامحه لذلك لم أتعرف عليه في بادئ الأمر ” رفاييل ” لم يكن هناك مجال للعودة ، لقد ابتعدنا للغاية ، فضلت البقاء في سيارتي الدافئة و عدم الاحتكاك بالجماهير مجدداً – عدم النظر للخلف ، سنلتقي يوماً ما ” الأحلام لن تنتهي طالما نصنعها ” .
و هنا بالذات علمت أنني أُقوِض ثقة كلماتي و صوتي من أجل خدمة مصالحي الشخصية – من أجل عواطفي غيرت ماهية أغنية الضباب .
 
2 –
 
 
لم أنسى رفاييل ، لكن غُصت مجدداً في عالمي ، كان جدولي ضاغط ، الكثير من الجولات الغنائية و الكثير من المُدن .
كنت بانتظار ظهوره ، سيجدني إن بحث عني ، انتظرته كثيراً لكنه لم يأت ، عندها استعنت بمدير أعمالي ليام ، دعوته لمنزلي و استضفته في غرفة معيشتي البيضاء ، كانت هذه المرة الأولى التي أستدعيه فيها ، كان هو دائماً من يناديني ، هو من يتصل و يعطي الأوامر ، و اليوم عندما جلبته جردته من كل صلاحياته لأنبهه أن الأولوية لأخي ، تبرّم متذمراً في مقعده:
 
” سيرا ، لا أنوي التسبب بخيبة أمل لك ، لكن رفاييل يعيش في عالم خاص به ، لا ينتمي لعالمك إطلاقاً – “.
 
” إنه أخي ليام ، شقيقي الوحيد ، و ستجده “
صمتُ هنيهة لكنه لم يُجبني ، فأردفت :
 
” إن لم تفعل سأبحث عنه بنفسي “.
 
” سأبذل كل ما في وسعي سيرا ، أنت فقط اهتمي بمشاريعك ، اتفقنا ؟ “.
 
أومأت إليه و غادر ، بالطبع الأولوية للأعمال . تبعته بعيني ولاحظت نظرات من ليام لم أفهمها أبداً – كانت نظرات غير واضحة ، باهتة و شاردة .
قابلته بعد عدة أيام ، كنت أجرى بعض التمارين على أغاني من حقبة الخمسينيات ، كان ليام يقف خلف الزجاج مراقباً لي كورقة يانصيب فاز بها .
بعد انتهائي ، فاجأني و هو يقول :
 
” لم نجده ، بحثنا عنه في كل مكان لكنه اختفى كأنه ذهب من على البسيطة “.
 
” سأبلغ الشرطة إذاً و أقول أن شقيقي مفقود “.
 
اقترح ليام بدبلوماسية :
 
” نظراً لأنك لم تلتقه منذ ثلاث سنوات ، لا أعتقد أن الأمر سيثير اهتمامهم “.
 
و قد كان محقاً ، لا يمكن لأي بلاغ اختفاء أن يتحرك أو يؤتي نتيجة بهذه الطريقة ، كان أمامي خيار واحد لا غير ، هو أن أستعين بالسوشال ميديا ، بالجماهير لأجد أخي .
في غضون أربع و عشرون ساعة كانت صورة رفاييل تحتل مواقع التواصل الاجتماعي جميعها . غردت على تويتر ” أبحثوا معي عن شقيقي رافي ” .
 
” إنه لشيء إنساني و عاطفي جداً ” قال مقدم آي تي ” أن تستنفر الجماهير لتجد أخيها ، هذا دليل على حب كبير بين الشقيقين و قلب أكبر تملكه المغنية اليافعة سيرا ” .
 
بعد عدة أيام من إعلانه ظهر ، جاء إلي بقدميه ، كما هو منذ رأيته آخر مرة بين الحشود .
 
” أين كنت ؟ “.
 
اقترب مني ، و نظر لي بعداء أخفاه بين كلماته :
 
” لقد كنت حولك سيرا طوال الوقت ، أنا كنت بين الحشود دائماً ، أقف في صف التذاكر حتى أتمكن فقط من الاطمئنان عليك ، لكنك لم ترني ، لم تلتفتي أبداً “.
 
لقد كان على حق .
 
” حتى أنه بإمكانك سؤال ليام ، لقد صرفني ذلك الوغد و قد كان يتحجج بأشياء واهية ، يا له من وغد حقير ! عندما وجدته قال : أنك خارج القطر و لن تعودي قريباً ، حتى علمت أنه – “
 
” ليام ؟ بالطبع ” زفرت بعصبية ثم أردفت ” بالطبع سيفعل هذا “.
 
لقد أبعده عني متعمداً ؟ أمسكت هاتفي بيدين مضطربتان و اتصلت به ، قُلت ملئ حنجرتي بعد أن فتح الخط :
 
” كُل العقود التي بيننا أُلغيت – كل الجولات و المقابلات ، كل شيء ” .
 
ردد ليام على مسامعي :
 
” ستندمين ، ستندمين “.
 
من يظن نفسه ؟ أغلقت الهاتف في وجهه .
 
” أي نوع من البشر هو ؟ ” قلت لرفاييل :
 
” لقد بحث عنك طوال الوقت ، لقد كذب علي ، نظر في عيني و كذب ، لا أصدق هذا ! “.
 
تناولت كوب ماء و شربته دفعة واحدة لأطفئ غضبي ، بإمكان ليام أن يدمرني في ثانية ، الآن و قد أنهيت كل شيء لن يتركني حتى يقضي علي ، هذا الرجل يعبد المال ، ليس بحوزتي الكثير من الخيارات – كنا على وشك القيام بعدة جولات خارج البلاد ، الآن سيقول أنه تضرر من تصفيتي لحساباتنا بهذه الطريقة ، كُل أموالي ستؤول إليه ، كنت أعلم هذا – لقد انتهيت .
 
و لم تمر الكثير من الساعات حتى ألّب ليام علي الجماهير ، جاءت كمية من الحشود و وقفت أمام المنزل ، معجبين و صحفيين ، قررت الخروج و التحدث لهم ، سيسمعونني كما فعلوا دائماً .
اقتربت من بوابة منزلي الحديدية ، لكن لم أفتحها ، رفعت يدي و حييتهم بحماس :
 
” سأجيب عن كل أسئلتكم ” ابتسمت ” أنا هنا من أجل ذلك ، أهدأوا قليلاً حتى أتمكن من سماعكم ” .
 
العلاقة بيني و الجماهير مبنية على الصدق و التقارب ، فنشأ بيننا رابط عميق ، لم يكن لدي ما أخفيه في حياتي ، فكنت أوافيهم بكل جديد .
 
سأل أحد الصحفيين :
 
” لقد أنهيت شراكتك و كافة عقودك مع ليام ، و هو السبب فيما أنت عليه الآن ، ماذا حدث ؟ “.
 
مد الشاب الميكرفون لي من بين فرجة الغضبان الحديدية و قلت بحيادية :
 
” لقد أخفى عني أموراً ليس له الحق – “.
 
” هل جعلتنا نبحث عن مجرم ؟ “.
 
قالت إحدى الفتيات مقاطعة حديثي :
 
” استغليت جماهيرك من أجل من ؟ أخيك المجرم و ابن الشوارع السوداء ، الرب يعلم ماذا كان يفعل طيلة سنوات ، مكانه السجن و ليس هنا ، أتتحفظين على قاتل ؟ ” .
 
” أوتعلمين أمراً ؟ ” قلت و أنا أُحكم قبضتي على الغضبان الباردة :
 
” لا يهمني ما تعتقدينه أنت عن أخي “.
 
كنت قد فقدت أعصابي تماماً فأضفت : ” و لا الجماهير اللعينة تهمني في شيء ” .
 
عدت أدراجي ، مسرعة ، ساخطة ، بينما وصلني صوت صياحهم و غضبهم .
 
 
3 –
 
سيأخذ ليام كل شيء ، إلغاء العقود التي بيننا بشكل مفاجئ سيكلفني الكثير ، في الجانب الآخر حرصت على إبقاء رفاييل قريباً مني ، لا أنوي خسارته ، أخشى ابتعاده عني ، لا يمكن أن يبتعد مجدداً .
جاء إلي بينما كنت أشاهد التلفاز ، كانوا يعرضون حلقة آي تي الأسبوعية ، قال :
 
” لدي بعض الأعمال “.
 
انتظر ردي ، لكني لم أجبه ، قال مذيع البرنامج المتأنق و اليافع :
 
” لقد شتمت سيرا جماهيرها علانية أمام منزلها ، أهانت الحشود التي دعمتها خلال مسيرتها و حتى الأمس بإيجاد شقيقها “.
 
قال رفاييل :
 
” لساعتين فقط ثم أعود “.
 
” حسناً ، سنمشي سوياً ” .
 
اعترض :
 
” لا يمكن ، يا إلهي سيرا ، أتعاملينني كطفل ، هل تقومين بحبسي هنا ؟ “.
 
كان المذيع قد بدأ بعرض الشريط المسجل لنوبة غضبي و أنا أقول :” ولا الجماهير اللعينة تهمني في شيء ” أطفأت التلفاز و قلت :
 
” لتختفي مجدداً ؟ أتخلى عنك بعد أن وجدتك ؟ إن لم تأخذني سأتبعك رفاييل “.
 
” أبداً “.
 
قالها بغضب ثم صعد لأعلى ، سيذهب مجدداً ، سيرحل ، سيتلاشى كأمي و أبي – لن أستطيع أن أمسك به – كالضباب لن أمسك به أبداً ، حينها سأكون وحيدة و يتيمة ، سأضيع ، حتى الجماهير تخلت عني ، صرخت عليه من مكاني :
 
” هل سمعت ؟ سنبقى معاً رفاييل ، من الآن فصاعداً و حتى ذلك الحين مكانك في هذا المنزل ، ستنبذ عالمك و تكون هنا بقربي “.
 
عليّ استجماع ما تبقى ، و إنقاذ ما يصلح حتى لا أُهزم ، لن يدوم هذا الوضع كثيراً ، سأصلح كل شيء ، أنا قوية و أستطيع النهوض مجدداً ، سأجد مدير أعمال جديد ، سأبدأ من الصفر و أبني ، و أولاً سأعتذر للجماهير ، سينسون بالتأكيد ، أنا صاحبة الصوت المخملي – أنا المحبوبة ، سيغفرون لي دون شك ، إنهم يعشقونني .

بعدها سأنشئ لرفاييل شركة من أي نوع لا يهم ، سنقضي بقية حياتنا معاً ، كعائلة من شخصين ، ندعم بعضنا كما كنا في الصغر ، عندها سترفرف السعادة فوقنا ، و يُسرع العالم مجدداً ، كما كان يفعل قبل عدة سنوات ، قبل الجروح – قبل الدموع ، قبل خيانة سايمون ، قبل كل حُزن – سأكون أنا مجدداً .
 
” أنا موافق ، أساساً لن نتأخر ، هيا “.
 
قالها رفاييل ، فنهضت من فوري و اقترحت : ” ستشتري لي الآيسكريم في الطريق ؟ “.
 
” بالأوريو و الفانيلا ، عليه بعض المكسرات “.
 
عانقته بحماس و غادرنا ، هناك ألف نهاية لمئات الأحلام ، هكذا تخيلتها و رسمتها ، كلوحة زيتية لا شمس أو شتاء ، لا مطر ، قادر على تخريب هذه الألوان .
أخذنا سيارتي الهوندا و جلست أنا خلف مقودها :
 
” إذاً أين نذهب ؟ “.
 
” في الواقع هما مشوارين ، أولاً سنأخذ حقيبة ثيابي من الشقة التي كنت أقيم فيها ثم سألتقي بصديق “.
 
” حقيبتك ؟ كان بإمكانك شراء ثياب جديدة … ” أشرت له بيدي ” لكن لا يهم “.
 
فتحت المذياع على قناة الأغاني بصوت خفيض ، و استرخيت في مقعدي ، كان للسيارة أزيز خافت منوم ، تثاءبت و راقبت الأفق و هو يتلون بشفق أحمر – داكن و قاتم ، قليلاً فقط و سيحل الليل .
وصلنا لمحل سكنه ، طلب مني رفاييل التوقف ثم هم بالخروج :
 
” سأعود سريعاً ، أبقي هنا “.
 
مكثت ضجرة بانتظاره ، أطفأت المذياع و أخذت إحدى أسطواناتي ، الاستماع لصوتي يجعلني في حالة أفضل ، أقوى في الحقيقة و أكثر ثقة .
كان هذا ألبوم ” أغنية الضباب ” صدر في 12- 1 -2020 ، يحوي ست أغاني على التوالي ” أولها الفجر ، و لا تكن هكذا ، صوتي ، حيث كُنا ، من أنت و أخيراً المفضلة لدي و لجماهيري خاصة أُغنية الضباب ” أغنية الجسر و البرد بالنسبة لي .

أما ” من أنت ؟ ” ألفتها من أجل سايمون ، بالطبع جماهيري لا يعرفون هذا ، لا أحد يعرف رحلة ذُلي المريرة خلف هيامي بسايمون – هذه أشياء لا يمكن قولها ، كان يجب أن أهديه شيئاً فوضعت فيها جرعات كبيرة من الألم و الحزن ، كانت كلماتها مباشرة كالخنجر – تتجه للقلب و تذبح ، إنها أغنية الوهم و الخيانة من أجل سايمون .

بالرغم من ذلك لم تنتصر ” من أنت ؟ ” على ” أغنية الضباب ” ، حتى لم تقترب منها مُجرد اقتراب ، لا أدري ما السبب ، مع أن كلاهما مشحونتان بعاطفة مُضطربة كالموج ، المهم أنهما لا تتقاطعان أبداً ، حقاً أنا حائرة .
 
عندما عاد رفاييل كانت أغنية الفجر في نهايتها ، وضع حقيبته في الصندوق الخلفي للسيارة و استقل مكانه بقربي ، تحركنا و كان الظلام قد أخفى المعالم ، و مدت أعمدة الإنارة القديمة الشوارع بالقليل من الضوء ، كنت أريد فتح حديث ودّي مع رفاييل فقلت :
 
” إذاً .. آ … لم تلتق بإحداهن ؟ ” ابتسمت “فتاة ما ؟ “.
 
” في الواقع لقد كانت هناك واحدة “.
 
قال بحزن ثم نظر من النافذة ، أمعن في السواد و الفراغ .
 
” لكنها رحلت ، تخلت عني في المنتصف ” .
 
هذا الموضوع بالذات آلمه ، فصمت ، أية حياة عشتها رفاييل بعيداً عني ؟.
 
” توقفي هنا لقد وصلنا “.
 
” أرض خالية ، لا منزل أو أشخاص ” قلت ” ماذا نفعل هنا رفاييل ؟ “.
 
” انتظري فقط ” نزل من السيارة و غمغم ” سيأتي : صديقي الآن ” .
 
من المفترض أن يعطي رفاييل صديقه بعض المال الذي كان يدين له به ، آمل أن يأتي سريعاً و أن ينتهي الأمر سريعاً ، و مرّت الدقائق ، كنت أراه يتحرك يمنة و يسرة ، لم يستقر على حال أبداً . أجاب على هاتفه و شتم ، تلفظ بكمية من السباب ثم فتح الباب و صعد .
 
” تحركي ، تحركي الآن سيرا … اللعنة ، الشرطة قادمة “.
 
” عم تتحدث رفاييل ، أي شرط – ؟”.
 
” تباً سيرا ” ضرب يده بباب السيارة ” تحركي ستأتي الشرطة الآن ” .
 
أدرت المفتاح ثم المقود بصمت ، ها هو رفاييل ، نفس أفعاله ، لم يتغير أبداً ، كان يجلس بقربي و هو يشتم ، و يُكسر كعاصفة ، أي ورطة أقحم نفسه فيها ؟ لا بأس ، أنا قربه ، سأساعده بكل الطرق الممكنة ، لن أُترك يده ، حتى و إن سقطت معه لن أفلته أبداً .
في البعيد رأيت أضواء سيارات الشرطة ، مع أنها بعيدة – لكن بدت و كأنها تلحق بنا ، أو برفاييل .
قال ” سأخبرك بشيء “.
 
قلت و أنا أُسرع بقدر الإمكان لنبتعد عن الشرطة :
 
” لا بأس تحدث ، أنا هنا من أجلك ” .
 
انتظرت مسافة و عندما لم يتكلم قلت دون تفكير :
 
” ماذا تحوي الحقيبة ؟ “.
 
” كوكايين ” قال بخجل و هرب من نظراتي ” الكثير منه ، أربعين كيلو غرام ربما … ” .
 
نظرت من المرآة و كانت صافرات الشرطة تدوي و السيارات تقترب ، ضغطت على الفرامل فاحتكت الإطارات بالإسفلت محدثة صوت يصم الأذان .
لم أكن أريد سماع أفعاله ، لقد سئمت من كل شيء ، قلت بهدوء : ” لقد ضحيت بالكثير من أجلك رفاييل ، سمعتي و عملي ، و كنت وقحة لأول مرة في حياتي على الهواء مباشرة ، كل هذا من أجلك “.
 
” إذاً أنزلي سيرا ، سأخوض في الوحل وحدي – “.
 
” أنت من ستنزل “.
 
قلتها بعصبية و زمّ هو شفتيه ثم ردد : ” علي تسليم هذه البضاعة شئت أم أبيت ، هذا عملي و أنا أنفذه حتى و إن كنت رافضة ، الآن تحركي ” .
 
أدرت محرك السيارة و عدت إلى الطريق ، بعدها لم أفعل أي شيء ، منذ سنوات و أنا خلفه ، أسنده بكل ما أوتيت من قوة ، أدعمه بكافة الطرق ، ربما ساهمت بطريقة ما في انحراف رفاييل ، الآن أدركت الحقيقة أنا لم أساعده أبداً ، كل شق عالجته شُرخ مجدداً – كل سد انهد ، الذنب ذنبي وحدي .

40 كيلوا غرام من الكوكايين في صندوق سيارتي الخلفي ، ما صنعته و ما حلمت به أُعدم الآن ، اختفى و تلاشى كالسراب ، أنا أنهار ، أذوي و أذبل ، أنا لا شيء .
 
أبعدني رفاييل و تولى هو القيادة ، كانت تفصلنا بضعة أمتار فقط من سيارات الشرطة ، صمتُ ، كنت أعلم النهاية ، أراها بوضوح الآن ، العالم يلفظني .

عندما اقتربوا و كادوا يصدمون السيارة أخرج رفاييل سلاح من سترته و فتح النافذة و أطلق عليهم عدة رصاصات عشوائية ، جاء ردهم فوري و حاسم ، مطر مُنهمر من الطلقات الحية ، كسَّر الزجاج الخلفي و ثقب الحديد ، راقبت رفاييل و هو يجاهد ليسيطر على السيارة و هي تتمايل على الطريق ، آمل ألا يصيبه مكروه – سأتمزق و أخسر حينها ، سأكون وحيدة و يتيمة ، كنقطة صغيرة في الأرض ، سأكون لا شيء إن تركني و رحل .
 
قلت متوسلة :
 
” توقف رفاييل أرجوك ، لا تطلق النار عليهم “.
 
بدأت الأدخنة تتصاعد من السيارة و هي تتعرّج على الشارع ، ملأت رائحة البارود المكان ، عدة طلقات أخرى مُوجهة من رجال الشرطة و شعرت بألم ساخن يجتاح كتفي من الخلف ، صرخت :
 
” أظنني أُصبت “.
 
” يا إلهي سيرا … يا إلهي ..! “.
ضغط على المقود و كاد يسحقه بقبضتيه ،  افترس الطريق أمامه كوحش و هو يزيد من سرعته بجنون ، كانت أصوات الصافرات تطغى على كل صوت ، الآن استيقظ رفاييل و لمس الحقيقة .
 
” يوجد طبيب قريب من هنا … لا بأس عليك ، فقط أضغطي على الجرح “.
 
قلت بضعف :
 
” الجرح في ظهري … لا .. لا أستطيع الوصول إليه ” .
بكى رفاييل ، لأول مرة أراه يبكي ، ناح كطفل ، تدفقت دموعه كفيضان ، كانت مؤلمة أحسست بها تطعن قلبي ، لقد إنهار و هُزم ، قلت :
 
” توقف هنا أرجوك “.
 
كان جذعي ينبض بالألم ، ألم ساخن – يحرق كجهنم ، ملأ دمي الدافئ ظهري ، تقهقر العالم و هو يُبطئ – أنا أختفي .
أوقف رفاييل السيارة ثم تجاوز مكانه و أخذني بين يديه ، ابتسمت و أنا أهمس :
 
” هل تسمع صوتي ؟ ” قُلت ” إنها أغنية الضباب تسمعها …. أليس كذلك ؟ “.
 
اختنق بكلماته و هو يجيب :
 
” نعم سيرا ، أسمعها … أسمعها بكل وضوح ” ربت على خدي بمودة : ” لن أسامح نفسي أبداً ، ليتني مت قبل أؤذيك “.
 
سعلت بقوة ، كان التنفس صعباً مع رائحة البارود . أغمضت عيني ، جاهدت لأتماسك و أتجاهل الألم ثم قلت :
 
” إنه مؤلم ، الطلق الناري ، لكن …. ” أخذت عدة أنفاس أحرقت جوفي و قلت ” الحياة أكثر إيلاماً ، لقد كنت وحيدة رغم الكثير من الحب …. كنت ساكنة و صاخبة في آن معاً … رفاييل … كنت أثنين ، أنا و أنت ، لم تغادرني مطلقاً ، بقيت معي دائماً ” .
 
نزع سترته و لفني بها ، ثم ضغط بقوة على ظهري في موضع الجرح و هو يضمني إليه ، لأول مرة منذ سنوات أشم رائحته بهذا الوضوح ، الأمان الذي افتقدت – ضاع مني و لم أجده ، ركضت خلفه لسنوات و لم أصله ، الآن حظيت به ، رابط الإخوة و العاطفة – لا ينقطع أبداً .
تناهت لمسامعي أغنية الضباب قلت له :
 
” أغنية الجسر و البرد هكذا .. سميتها رفاييل “
 
لقد كان صوتي – كنت أنا من أقول :
 
” أخذت أثمن الأشياء برحيلك “.
 
لقد ألفت الأغنية التي تُعزف الآن و أنا ألتقط آخر أنفاسي ، نظرت بعيداً عن كل ما حولي ، عن كل الضجيج ابتعدت و كنت خارج حدود المكان ، خارج الصخب .
 
” قالوا ذلك و نسوا أنك أخذتني قبل كل شيء ” .
 
لو علمت فقط حينها ، لو علمت أن أغنية الضباب ستكون حاضرة لحظة موتي بعيار ناري لارتعبت و خفت ، لهربت من كلماتها و لما ألفتها أبداً .
لكنني الآن لست جزعة من مواجهة هذه الحقيقة ، متصالحة مع كل شيء ، أخيراً سأجد السلام في الموت و حضن أخي ، نصفي الآخر ، جانبي المُظلم .
 
خفَّ الألم حتى تلاشى و انسحب ، ثم انقشع السواد و الضباب ، بعدها رأيت الفجر و الضوء – رأيتني على دراجتي الوردية أُسرع لأرتفع في عشب مارتن الرطب ، و قد كان يبتسم ، لم يكن غاضباً مني ، لم يغضب قط .
 
النهاية …

تاريخ النشر : 2020-11-05

السمراء

السودان

مقالات ذات صلة

67 Comments
Inline Feedbacks
شاهد جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى