أدب الرعب والعام

أوراق الزمن الأسود

بقلم : مؤنس نورالدين بدرالدين – لبنان

ريح باردة صامتة كانت تحرّك أشجار المقبرة لترسم له وجه والدته
ريح باردة صامتة كانت تحرّك أشجار المقبرة لترسم له وجه والدته

العُمر هو أوراق ، وللزمن أوراقه وألوانه ، يقولون بأن الألوان تأتي من الأبيض ، لكن هناك ألوان سوداء تأتي من الأسود وتصبغ الأيام بلونها ، منذ صغرنا والزمن الأسود يلاحقنا قصفاً وتهجيراً ، ثم تنتقل الغيمة السوداء إلى بلد آخر ثم تعود إلينا كما تعود فصول السنة ، انعكاس اللون الأسود خلق عندي قصة ، قصة لم تأتِ من العدم ، بل حدثت مع أشخاصٍ أعرفهم ، جمعتهم في منزل واحد منزلهم هو قصة أسميتها “أوراق الزمن الأسود” ، حيث في وقت ما شعرت بأني زياد ، وفي وقت أخر كُنت والده ، أحياناً كُنت زوج ليلى الخفى ، لكن وإن غيّرت فيها الأسماء والأماكن تبقى القصة مرآة لحياتهم تعكس حظهم السيء .

                               ***

كان زياد في العشرة من عمره ، كان جالساً إلى طاولة الطعام عندما حضنته والدته من الخلف ، قالت له : لقد وضعت لك الطعام في حقيبتك لكي لا تنساه ، أطالت فترة احتضانه فقال لها : أمي أنا ذاهب إلى المدرسة وليس إلى الحرب ، سأعود بعد الظهر ، لماذا أنتِ مضطربة هكذا ؟ فكّرت في نفسها ، صحيح ، لماذا أنا مضطربة ؟ هذه سنته السادسة في المدرسة وليست الأولى ، لماذا اليوم لا أطيق فراقه ؟ ربما كانت والدتي على حق عندما كانت تقول : ألن تنجبي المزيد من الأطفال ؟ ولدٌ واحد لا يكفي .

أوصلت أبنها إلى الباب على غير عادتها ، وضعت يدها على رأسه وكأنها تعطيه بركاتها ، بقيت تنظر إليه وهو يبتعد ويبتعد ، بعد أن غاب عن نظرها دخلت دون أن تغلق الباب ، وكأنها تستعجل عودته.

بعد ساعات أمضاها زياد في الدراسة ، بدأ ومن خلال شقّ الباب الواسع الذي يكشف الممر الواقع بين الصفوف يرى مجموعة من الأساتذة يتشاورون بجدية وكأنهم يقرّرون أمراً هاماً ، وكأن القرعة وقعت على أحد الأساتذة لكي يقوم بمهمّة ما تبدو وكأنها مهمّة صعبة ، أنطلق هذا الأستاذ باتجاه صف زياد ، كاد أن يصل إلى الباب لكنه تراجع ، ثم أتى ناظر المدرسة ، اقترب من الباب ثم تراجع ، اقترب ناظر آخر من الباب ثم تراجع ، أخذ زياد يفكر هل هو المقصود بهذه النظرات ؟ من شق الباب هنالك فقط خمسة أشخاص مرئيين هو واحد منهم ، ماذا يريدون منه ؟ إنه لم يفعل شيئاً ، لماذا لا يقتربون أو يكلمونه ؟ ربما ليس هو المقصود ، ولكن مع اقتراب الناظر ، وعندما دعاه إلى الخروج معه ، تأكد بأنه هو المقصود ، ذهب مع الناظر كان ينظر إليه منتظراً أن يقول له ما حدث ، الصمت كان سيد الموقف ، ثم قال له الناظر : إنه القدر ، عليك بأن تكون رجلاً ، لقد توفيت والدتك بحادث سيارة ، لم يستوعب الموضوع ، ذهب راكضا باكياً إلى المنزل ، أراد أن يشكي همه إلى والدته التي ظن بأنها تنتظره ، كان الشارع خالياً وبارداً ، بصعوبة استطاع أن يتذكّر الطريق إلى منزله ، شعر وكأنه يرى هذه المشاهد للمرة الأولى ، وصل إلى المنزل ، لم يكن منزله يبدو كما اعتاد أن يراه ، أحس بأن كل شيء تغيّر ، حتى أوراق الأشجار في المدخل كانت ترسل حفيفاً حزيناً يضاهي حزن الصغار عند فقدان أهلهم .

هناك الكثير من النساء ، بصعوبة شقّ طريقه إلى الداخل وسط حشد الباكين ، كان يسمع أصواتاً تقول : مسكين لقد تيتّم باكراً ، أخذ ينظر حوله متسائلاً أين هو هذا اليتيم ؟ شق طريقه إلى المطبخ ، كان يظن بأنه سيجد أمه تضع اللمسات الأخيرة على الغداء كالعادة ، كان يظن بأنها ستقول له بأنهم يكذبون ، كان بحاجة إلى حضنها ، إلى لمسة حنانها ، المطبخ كان خالياً منها ومن رائحة طبخها ، إحساس غريب لم يشعر به من قبل ، إنه غريبٌ في منزله ، ما هي إلا ساعات حتى قامت الجنازة ، كان يسير كالمشلول ذاهباً لوداع أمه ، في المقبرة كان يرتجف كورقة في مهب الريح ، ألن تخاف أمه في الظلمة لوحدها ؟ هل إذا مات الآن سيكون معها ؟ كان والده ما زال في الطريق إلى المنزل من الخدمة لذلك كانت الأنظار مسلطة عليه ، كان يريد أن يصرخ ، أن يقول سئمت لعبتكم المخيفة ، أين تخبؤون أمي ؟ عشرات الأسئلة بقيت بدون أجوبة . كان والده قد وصل إلى الجنازة متأخراً ، عادوا إلى المنزل ، ضجيج ، أحاديث وجموع تفرقت مساءً . الأن هو لوحده مع والده في المنزل ، كان والده جالساً على كرسيه محدودب ظهره ينظر إلى الأرض ، والده الجندي القاسي يبدو محطماً فما سيفعله هو ؟ لم يسأله والده إن كان يريد أن يأكل ، لم يتكلم معه ، غلبه النعاس ، ذهب إلى غرفته لينام دون مرافقة من والدته لتغطيه .

تكوّر على نفسه ، ثم أزاح الغطاء عنه ، أراد أن يجبر والدته على القدوم لتغطيه كما كانت تفعل كل مساء ، ولكي تمد يدها لكي تتحسس رأسه في حنو وعطف لكنها لم تأتِ ، فعل كما كانت تقول له أن يفعل ، تخيّل صوتها بالقرب من أذنيه يقول له كما كانت تقول عندما يخاف من اللاشيء : لا تخف من شيء فأنت رجل، لفّ الغطاء جيّداً حول جسمك لكي لا تمرض ونم .

في اليوم التالي ذهب و والده لزيارة القبر ، كانت الشمس على وشك الغروب ، كانت المقبرة خالية وصامتة ، قبورها تشع بضوء غريب ، ريح باردة صامتة كانت تحرّك أشجار المقبرة لترسم له وجه والدته ، شعر بأنه يكبر ، شعر بأن الطفل يغدو رجلاً عند وفاة والدته .

استيقظ صباحاً ، ظن بأنه مر بحلم مزعج ، ظن بأن والدته ستكون قد استيقظت ، سيبحث عنها في المطبخ ، يا له من كابوس مزعج سيرويه لها ، لكن المنزل كان بارداً خالياً إلا من أبيه الذي لم يترك كرسيه ليلاً .

لا ، لم يكن يحلم ، هذه حقيقة قاسية عليه أن يعتادها ، ظن في نفسه : هذا كابوس مزعج ، قد أكون ما زلت نائماً وأحلم ، عندما أستيقظ سينتهي الكابوس .

تخيّلها قادمة إلى المنزل تبتسم له تقبله وتقول : ها أنا عدت من السوق ، هل تأخرت عليك ؟ هل ضجرت لوحدك ؟ هل أنت جائع ، ما هذا الذي في وجهك ، هل تعاركت مع أحد ؟ اذهب وغيّر ملابسك الوسخة .

في اليوم التالي استيقظ ليجد نفسه وحيداً في المنزل ، إذن لا شيء سيغيّر واقعه ، تذكّر بأن والده يذهب باكراً إلى الخدمة ، ثم فكّر : ثلاثة أو أربعة أيام في الخدمة وأنا لوحدي ! أخذ يبحث عن أقصوصة أو أية تعليمات تخبره ماذا يجب أن يفعل ، لم يجد شيئاً ، أحس بالضياع ، أراد أن يسمع أية تعليمات “مزعجة” من والدته ، أن يسمع صوتها الملائكي يصدح في أرجاء المنزل ، لكنه الآن لوحده ، خاطب نفسه قائلاً : عليك أن تعتمد على نفسك . ذهب إلى المطبخ ونظر حوله ، فتح الثلاجة وأخرج منها بيضاً مفكراً : لا بأس بالبيض المقلي ، وضعهم في السخان وحرّكهم قليلاً ، أراد أن يحمل السخان إلى الطاولة ، صرخ وقفز ، لقد أحرق قليلاً يده فهو لم يستعمل قطعة قماش ليمسك بالسخان . وضع يده تحت الماء البارد ليخفّ الألم ، أراد أن يشكو همه لأحد ما ارتدى ملابسه ، حمل كيساً من الثلج بيده ، وذهب إلى المقبرة ، خاطب قبر والدته قائلاً : أمي لقد أحرقت يدي ، ألن تقبّليها لتشفى ؟ لم يجاوبه سوى الصدى ، تابع طريقه إلى مدرسته . قبل الوصول تذكر بأنه نسي الطعام بسبب الألم ، قال : لا بأس ، سأكل على الغذاء .

شعر في المدرسة بأنه غريب ، نظرات الشفقة كانت تزيده حزناً لكنه لا يريد العودة إلى منزله البارد حيث لم يعد يوجد من سيحضنه ، المنزل بلا أم ليس بمنزل .

بعد المدرسة عاد إلى المنزل جائعاً ، ركض باتجاه المطبخ منادياً ” ماما ” ثم انتبه أنها لم تعد معه ، عاد خائباً باتجاه الكنبة ، استلقى عليها ، غلبه النعاس ونام .

عندما استيقظ وجد نفسه في العتمة ، خاف ، بحث عن زر الإنارة ، أضاء الغرفة ، منذ ثلاث سنوات وصديقه الدبدوب على سطح الخزانة ، أنزله وأجلسه إلى جانبه ، شعر بالطمأنينة ، لا أحد يقوى على صديقه الدبّ ، أكل البيض المقلي بارداً ، أخذ معه الدبدوب ، دخل إلى غرفته ، صنع من غطاءه ما يشبه الخيمة ، قال للعبته : نحن هُنا بأمان ، حضن دبدوبه تحت الغطاء بكي قليلاً ثم غفى .

أصبح انطوائياً أكثر فأكثر ، لم يعد يعني له العالم الحقيقي شيئاً ، أخباره كلها يقولها فقط للعبته ، شخصيات ألعاب الكمبيوتر هم أصدقاؤه ، ذات يوم وهو عائد من المدرسة كان شارداً كالعادة ، سيارة مسرعة تقف ، سائقها ينزل منها و يدفعه قائلاً : عليك أن تسير على الرصيف ، الدفعة القوية تفقده توازنه ، يقع في الوحل يتمزق سرواله عند الركبة وتترك الوقعة جرحاً في ركبته ، يتابع سيره مُبتلاً إلى المنزل ، يغسل رجله يلفّها بخرقة ممزّقة ، يغيّر ملابسه ، يحاول رتي بنطاله ، لقد كان يراقب والدته عندما كانت تصّلح ملابسه أو ملابس والده ، لكنه ينكز أصبعه بإبرة الخياطة ، يشعر بالألم والبرد ، يحاول إشعال المدفئة ، يتذكر الحرق بالمقلاة ، يغيّر رأيه ، يحضن دبدوبه ليشعر ببعض الدفء ، يتكوّر على نفسه ، تتملكه الحمّى ، يزوره طيف والدته في المنام ، تقول له : طفلي المسكين لا أستطيع أن أعبر لك بالكلمات عن حبي لك ، أو عن الأسى في قلبي لأنني لن أكون إلى جانبك وأنت تكبر ، لقد رسب قلبي في أول امتحان ، من دفعك إلى الوحل قتلني ، إن لله طرقه وأفكاره لرعايتك أفضل من طرقي وأفكاري ، عش حياتك لأقصاها ، أنا مضطرّة للرحيل ، سيرعاك الله ، سأراقبك من فوق وسأحبك إلى الأبد .

يعود والده من الخدمة ، تسرّه عودته فهو على الأقل لم يعد لوحده ، لكن وجود والده كان تقريباً كعدمه ، كان يجلس على الكرسي وكأنه ملتصق به ، لم يكن يتكلّم أو يفعل شيئاً ، أراد زياد الخروج للعب ، سار على مهله ، انتظر أوامر والده ، لم يسمع شيئاً من الجُمل المعتادة : لا تخرج أو لا تتأخر ، أصبح خارجاً في العالم الواسع دون أي إرشادات ، أوامر والده التي كانت تزعجه لم تعد تزعجه ، إنه يريد أن يسمعها ، يريدها بشدة ، الحرية المطلقة التي حصل عليها فجأة أخافته ، لم يعتد على اتخاذ القرارات بنفسه .

ذات يومٍ وهو عائد من المدرسة تبعه كلب متشرد ، كان يتوقّف عن السير فيتوقف الكلب ، يسير من جديد فيتبعه ، ابتسم ، مرر يده بنعومة على رأس الكلب ، أخذ الكلب يهز ذيله علامة سرور ، وصلا إلى باحة المنزل ، أراد الكلب الدخول فقال له زياد : لا ، أنت ستبقى في الخارج وأنا سأحضر لك الطعام ، سأدعوك وحيد فأنت مثلي وحيد .

أصبح وحيد رفيق زياد في مشاويره ، كان زياد ينظر إلى جاره وهو يغسل سيارته فيغسل كلبه بذات الطريقة ، يمتطيه أحياناً لبضعة أمتار ثم يقفز عنه ، كان الكلب لا يتذمر ، كان الكلب يشعر بوقت خروج زياد من المدرسة فيذهب إليه ليلقاه عند منتصف الطريق ، عندما حاول ولدان ضرب زياد بسبب خلاف بسيط بينهم ، أتى وحيد من اللامكان ، انقض كالصقر على واحد منهم ، أوقعه أرضاً وبدأ ينبح في وجهه وهو ينظر

إلى زياد منتظراً أوامره ، لكن زياد طلب منه ترك الولد ، هرب الولدان ولم يحاولا أبداً مضايقته من جديد .

كان يقف مساءً خارج المنزل عندما بدأ يسمع الأمهات تنادي من تخلف من أولادهن للدخول إلى المنازل ، نظر ناحية باب منزله ، هو لا أحد يناديه ، وضع يديه على أعينه لكي يخفي دمعه قائلاً لنفسه : سأدخل لوحدي ، لن يناديني أحد .

مرت سنة ، ذات يوم دخل والده إلى المنزل مع إمرأة غريبة وقال له : تعرّف عليها ، هذه ستكون أمك الجديدة ، قال : أمي لا بديل لها ، لن تجد إمرأة كأمي ، هل نسيت جمالها ، رقّتها ، ضحكتها ، عطفها ؟ أطرد هذه المرأة فوراً ، هذه ساحرة شريرة استحوذت عليك ، الإجابة كانت صفعة قويّة من والده على وجهه الصغير ، ركض خارجاً ، وصل إلى المقبرة أخذ يخاطب والدته قائلاً : سيسرقون مكانك في المنزل ، إمرأة شريرة تخطف أبي ، يقول بأنها ستكون أمي ، لا تصدقي ذلك ، أنتِ وحدكِ أمي و لن أستبدلك بأمهات الأرض مجتمعات ، كان الكلب إلى جانبه يصدر صوتاً حزيناً وكأنه يريد أن يقول له : ما يحزنك يحزنني ، بسبب موقفه من المرأة ساءت معاملة والده له ، المرأة أصبحت زوجة أبيه ، حاولت التودد له ، ازداد نفوراً منها ، كانت تعد له طعامه ، تكوي له ملابسه ، المنزل أصبح نظيفاً كما كان في السابق . نفوره منها لم يخفّ ، إن سألته إلى أين ، أجاب : لستِ أُمّي فلا تسألي ، إن سألته إن كان جائعاً أجاب لا دخل لكِ في الموضوع ، كانت تشعر بالأسى من أجله ، لكنها لم تجد الطريق إلى قلبه .

عندما أصبح عمره أربعة عشرة عاماً ، كان شقيقه الجديد من زوجة أبيه قد أصبح في الثانية من العمر ، كان يحبه ويرعاه سراً ، ويتظاهر بكرهه أمام والده وزوجته ، كانت زوجة الأب تتظاهر بأنها مشغولة عن أبنها ، وتراقب بطرف عينها زياد وهو يلاعبه فتبتسم ، لقد كانت تعلم أن زياد يختبئ خلف شخصية قاسية زائفة ، لكن حقيقته أطيب بكثير ، لم تكن بحاجة لأن تبذل جُهداً لمعرفة طينته الحقيقية الرائعة .

ذات يوم كان يتنزه مع كلبه بعد مغيب الشمس ، سيارة داخلها فتاتان تتوقف ، تسأله إحداهن : لماذا أنت وحيد وحزين ؟ أجاب : أنا حزين ؟ نعم حُزنك أخفى الشمس ، هل لديك وقت للسهر ؟ نحن ألآن بمزاج رائع ، إنه عيد ميلاد ليلى الثامن والعشرون . تردد في البداية ، نزلت ليلى من السيارة ، سألته عن اسمه وعرّفته بنفسها ، ألا تريد أن تحضر عيد ميلادي ؟ لا أحب أن أرى شخصاً حزيناً يوم عيدي ، تردد أولاً ، لكنه تحت إصرار الفتاتين وافق بخجل وصعدا هو وكلبه إلى السيارة ، في الحفلة كانت الأضواء والموسيقى خافتة ، المشروبات على الطاولة ، وضعت أمامه ” ليلى ” كوب من العصير ، البنات بدأن بالمزاح ، زياد أنت شب لازم تشرب ويسكي ، تجاوبهم ليلى ضاحكة : دعوا البطل وشأنه ، عن طريق الخطأ مد يده إلى كأس ويسكي ، أحس بمرارة الطعم وبصق ما شربه فوراً ، أحس بنعاس ، قالت له ليلى : سأوصلك إلى منزلك ، ألتفتت إلى المدعوين قائلة : تابعوا الحفل سوف أعود ، في الطريق أسند رأسه إلى كتفها وغفى ، أيقظته بحنان عندما وصلا إلى شارعه ، أوصلته إلى أمام منزله ، كان والده يقف في الشبّاك ينتظره ، فور دخوله وبصوتٍ قاسٍ سأله : أين كُنت ؟ من هي هذه الفتاة ؟ من أين تعرفها ، ولماذا رائحتك مزيج من الدخان والويسكي ؟ لم يصدق والده أنه لم يدخن ولم يشرب وإنه كان مدعواً إلى عيد ميلاد رائع وبأنه ولأول مرة ينسى حزنه لساعة واحدة .

في الليل عاد إليه الحُلم المخيف بعد أن كان قد غاب عنه بضعة أيام ، هذا الحلم لم يأتي من الفراغ ، لقد كان يلهو ذات يوم بسكين والده الحربية ، نسي السكين خارج المنزل ، عندما عاد والده و وجد السكين خارجاً ، غضب غضباً شديداً ونادى زياد ، خرج زياد من المنزل ، شاهد السكين في يد والده ، فهم بأن موقفه صعب ، بدأ يجري لكن والده جرى خلفه ، كاد زياد أن يسبق والده لكنه شعر بأن جسمه يتلاشى من الخوف ، سقط على ركبتيه ، لم يعرف والده أن زياد وقع من الخوف بل ظن بأنه توقف من التعب ، ضربه ، لم يشعر زياد بالألم لكن بالذهول ، لم يستوعب كطفل ما حدث ، لم يرتكب جرماً يوازي هذا الغضب ، من يومها و زياد يحلم كل ليلة بأن ثلاثة غوريلات عملاقة يلحقن به ويتلاشى في ذات المكان ولا يتمكن من الهرب ، أصبح يخاف أن يغمض عينيه فيتعرض للحلم ، كان يصحى من الحلم خائفاً ، ينادي والدته ، كان والده عندما يكون في المنزل يمنعها من أجابته قائلاً : لا تدلعيه كثيراً ، أريده أن يصبح رجلاً ، لم يعرف أبداً بأنه السبب في كوابيسه .

مرت أيام ولم ير زياد ليلى ولو بالصدفة ، عصراً كان يسير على الطريق الذي كان يسير عليه يوم الحفلة ، كان وجوده ليس صدفة ، لقد أراد رؤية صديقته الوحيدة ، مر وقت ليس بالقصير ، قبل أن يقرر أن يبحث عنها ، رآها قادمة بسيارتها تتوقف وتصرخ زياد أصعد اشتقت لك يا صغيري ، وصلا إلى مطعم ، جلسا على شرفته ، طلبت طعاماً ، أهتمت به وأطعمته كأنها والدته ، لكنها طلبت منه نزع سدادتي تنكات البيبسي ، أرادت أن تُشعره بأنّه شاب يُعتمد عليه ، سألته عن سر الحزن في عينيه ، لماذا لا يضحك ؟ لماذا يسرُد دائماً و بما ؟ سرد لها قصته وكيف يعيش ، علّقت قائلة : أنا أحب الكتابة ، سأكتب فيما بعد قصّة حياتك سأسمّيها أوراق ألزمن ، سأترك الكلمة الأخيرة إلى أن تكبر سنختارها معاً ، ( في داخلها شعرت برجفة ،

لماذا عقلها اختار كلمة ” ألأسود ” والعنوان : أوراق الزمن الأسود ).

في طريق العودة توقفت أمام محل خلوي ، اشترت له جهاز مع خط ، حفّظت رقمها عليه ، قالت له : احتفظ به إنه لك ، سأتصل بك في أوقات فراغي وأنت اتصل بي في أي وقت تحتاجني فيه ، أصبح لدينا الآن وسيلة للاتصال ، لن تفقدني أو أفقدك .

علاقتهما توطّدت أكثر فأكثر ، أخذ يشعر وكأن والدته أرسلت له ليلى ملاكاً من السماء ، وليلى كانت تعطف عليه ، تحب فيه صمته وصدقه وبؤسه ، لكن بعد كل لقاء كان يصطدم بوالده بعنف ، والده يريد إبعاده عنها ، وهو يزداد تعلّقاً بها .

كانا يسيران قرب محلات للملبوسات ، وقع نظره على جاكيت أعجبته ، أصرّت “ليلى” على شراءها له ، أخذها إلى المنزل خائفاً ، كان خوفه في مكانه ، مزّقها والده وضربه ، تدخلت زوجته لمنعه عن ضربه وسألته لماذا هذه الحدة ؟ أجاب : ألم تسمعي ب “ليلى” صاحبة الفيلا ؟ المرأة ذات السمعة السيئة ؟ زياد صديقها الآن ، كيف أخلّصه منها لا أدري ، أجابت زوجته : لم يُثبِت أحد شيء سيّء بخصوصها ، لا أحب توزيع الاتهامات دون أي إثباتات ، أجاب أب زياد : إنها تعيش برفاهيّة وهي لا تعمل ، من أين حصلت على مالها ؟ ولماذا الغموض في حياتها ؟ أجاب زياد : ليلى أروع وألطف وأرق إنسانة ، ليتك تزوجتها ، لو كنت أنا من يختار لك زوجة لكنت اخترتها هي زوجة لك .

أجاب الأب : لا ، إنها سيئة ولا أريدك أن تقابلها . انتهى النقاش كالعادة من دون نتيجة .

ليلى كانت متزوجة سراً من ثري عربي ، أعطاها الفيلا ومالاً ، لم يكن يلتقيها إلا نادراً وزواجهما كان سراً لأنه متزوّج من إمرأة أخرى ، من هنا بدأت الإشاعات ، كانت محبة للحياة ، سهرة السبت كانت عامرة دائماً في فيلتها ، بعد اختفاء زوجها كثرت مشاويرها فظلمها الناس .

ذات يوم وبينما هما جالسان في مقهى على رصيف الشارع ، دخل والده شتمها ودفعها أرضاً ، لا شعورياً صرخ زياد : أمي ، و وقف لإنقاذها ، دفعه والده ثم جره معه خارج المقهى ، كان هناك الكثير من الناس ، شاهدوا ما حدث دون أن يتدخلوا ، لا أحد يريد أن يتدخل في مشاكل عائلية ، دفع أبو زياد بأبنه إلى السيارة وأخذه معه إلى المنزل .

افترقا ، بعد ما جرى من مهزلة في المقهى لم تعد تتصل به ، وهو كان يخجل من الاتصال بها ، كان يخاف عليها من والده ، لكنه كان ينظر إلى الخلوي وينتظر معجزة اتصالها ، بدورها كانت فور عودتها إلى المنزل كل مساء ، تبحث بين الأرقام التي لم تجب عليها ، ربما زياد اتصل وكان بحاجة لها .

اختفت الابتسامة عن وجهه ، فقد شهيته للأكل ، عاد إلى الانزواء ، لم يعد يكلم سوى كلبه .

كان والده يراقبه ، يشعر بالأسى لأجله ، لم ينسى عندما زياد نادى ليلى بكلمة ” ماما ” كانت عفوية وتعبّر عن نوع صداقتهم ، هل ظلمها ؟ هل تسرّع بالحكم عليها ؟ حتى زوجته لامت تسرّعه ، لا يستطيع أن يرى زياد يذبل أمام أعينه ، إنّه ابنه وكل ما يريده هو حمايته.

اقترب منه وقال له : إن أردت أن تتصل بها اتصل ، راقب خطواتك وأنا سأراقبك بدوري ، لم يصدق زياد ما سمعه ، ذهب إلى غرفته واتصل بها فوراً ، لأنه يلهث ظنت أنه في مأزق ، قالت له : ما بك ؟ هل أنت في مأزق ؟ هل والدك يزعجك ؟ زياد ، تكلم بسرعة أرجوك ، أجاب : لا ، هو من سمح لي بالاتصال بكِ .

سألته إن كان يستطيع الخروج ؟ أجاب طبعاً . وصلت إلى طرف الشارع حيث كان ينتظرها ، ذهبا في نزهة ، بدأت كلامها بجملة : اشتقت لك يا صغيري ، أجاب : أنا أيضاً كبيرتي ،  زياد بالمقهى ناديتني أُمي ، رغم الموقف الذي كنت فيه سرّني سماع هذه الكلمة منك ، أحبّ أن تناديني دائماً بهذه الكلمة ، حياتي معقّدة ، لا أعتقد بأنّه سيكون عندي ابن غيرك ، عند عودته إلى المنزل كان يحمل بيده لعبة كبيرة ، قالت له سهى ( زوجة أبيه ) هل عُدت للألعاب ؟ أجاب لا هذه هدية من ليلى إلى شقيقي عماد .

منذ أن حصل على الخلوي بدأ بالتصوير ، التقط صوراً جميلة ، كانت النموذج عنده ليلى ، التقط لها مئات الصور ، وعشرات الصُور لشقيقه عماد عندما يكون على سجيّته ، أرادت ليلى أن تجعله ينمّي موهبته ، أهدته كاميرا حديثة ، أخذها معه كيفما سار ، أحبّ أن يصوّر كلّ ما يجري من حوله ، كان يقول : الزمن والمشاهد لا يتكرران ولكن بالصور نكررهما مراراً .

لكي يستطيع الذهاب والعودة من المدرسة بسهولة ، اشترت له ليلى دراجة هوائية ، أحب زياد الدراجة ، أحبها لأنها هدية من ليلى ، لكن عند خروجه من المدرسة لم يجدها ، فقدانه لدراجته أحزنه كثيراً ، شعر بأنه لم يحافظ على هدية أحبها من شخص يحبه كوالدته.

ذات يوم كانت الشرطة تصادر الموتوسيكلات الغير شرعية ، أحب أن يصور المشهد ، إحدى المُصادرات تمّت بخشونة ،

شاهده الشرطي يُصوّر ، ظنّ بأنّه يستهدفه بسبب خشونته مع المعترضين ، طلب منه أن يعطيه الكاميرا ، رفض زياد ، طلبها مرّة ثانية ، أجاب زياد : هذه هدية ثمينة لن يلمسها أحد ، تداول العسكري في الأمر مع الضابط ، قال له الضابط : أحضرها بالقوة ، هجم العسكري على زياد ، شجّعه أمر الضابط له ، لكمه في صدره وأخذ الكاميرا . شعر زياد بالضعف ، دخل إلى مقهى التسلية الذي يقع خلفه وجلس على كرسي ، صاحب المقهى الذي يعرف زياد و والده اتصل بوالد زياد وأخبره عن الموضوع ، أتى والده مسرعاً وعلِم من هو العسكري المذنب ، هجم عليه كالصاعقة قائلاً : تريد أن تلعب دور “رامبو” معه ؟ تعال العب دور “رامبو معي ودفعه بقوة ، فصل العسكريون بينهما ، استرجع أبو زياد ألكاميرا ، دخل إلى المقهى أعطاها لزياد الذي كان يحاول أن لا يبكي ، قال له : لنذهب إلى البيت ، عند وقوفه شعر بدوار ، بصق دمّاً ، أراد التمسك بكم سترة والده لكنه لم يستطع الوصول إليها ، فسقط أرضاً .

اتصل صاحب المقهى بالإسعاف ، وصل المسعفون بسرعة ، قال لهم صاحب المقهى : انتبهوا لصدره ، فاللكمة أصابته هناك ، وصلوا إلى المستشفى ، صورة الأشعّة أظهرت ضلعاً مكسوراً وجرح في الرئة ، قال الطبيب : مُجرّد وقت ويشفى ، لا شيء خطير ، لكنه بالطبع سيبقى هُنا .

بقي والده جالساً على الكرسي بقربه طوال الليل ، في اليوم التالي ظهراً وبعد أن سألت عنه ليلى في كلّ الأماكن ، لم يردّ على هاتفه لأنه لا يحمله ، علِمت ” ليلى ” بما حدث وأتت إلى المستشفى ، أتت خائفة ، دخلت بكامل أناقتها ، بعطرها ونظارتها السوداء ، تحمل ورداً وعلبة من الشوكولاتة .

دخلت الغرفة ، نظر إليها أبو زياد بأعين تعِبة ، قالت : سلامته ، لنضع النقاط على الحروف ، أنت والده وأنا بمثابة والدته ، أجاب أعلم ، الناس تظلم أحياناً ، المجتمع قاس يا أبنتي ، عليكِ أن تكوني قوية لتتعايشي معه .

قالت له ليلى : بأماكنك أن تذهب لترتاح قليلاً وسأكون مكانك أثناء غيابك ، أجاب : زوجتي سهى ستأتي بعد قليل لتأخذ مكاني ، ولكني سأذهب الآن وأترككما تتحدثان ، شكراً لكِ .

ذهب أبو زياد ، روى لها زياد بصوت ضعيف قصته ، قالت له : كان يجب أن تعطيه فوراً الكاميرا وأنا أشتري لك غيرها ، لا تجازف بحياتك أو تترك نفسك للأذية من أجل شيء نستطيع شراءه بسهولة. أجاب : أنا لا أحب التنازل عن أشيائي بسهولة ، خاصةً وأن الكاميرا هي هدية ، هدية منكِ.

أربعة عشر يوماً في المستشفى ، أصبحت ليلى صديقة للجميع ، لم يمرّ يوم واحد دون أن تزوره ، “عماد الصغير كان يصرّ على القدوم كل يوم لرؤية زياد ، وليأخذ الشوكولا من يد “ليلى ،  بعد أن فحص الدكتور زياد ورآه في صحة جيدة سمح له في الذهاب إلى البيت .

أصبحت ليلى فرد من أفراد العائلة ، كانوا يخرجون أحيانا معاً كعائلة واحدة ، كانت ليلى تهتم بالجميع ، إلى أن أتت لتزورهم ذات يوم حاملة معها حلوى قائلة : هذا دور” أبو زياد فقد أحضرت له الحلوى التي يحبها ، دمعت أعين سهى وركضت إلى غرفتها ، تبعتها ليلى ، طرقت الباب ودخلت من دون أن تنتظر ردها ، قالت سهى : لا تأخذيه مني ،” أبو زياد هو كل ما لدي ، لا أستطيع أن أدخل معك في منافسة فأنتِ أصغر وأجمل ، أجابتها ليلى : هل سمعتِ يوماً أغنية ( نحنا اللي ياما كتير ، فرشولنا الأرض حرير ، علشان نرضى في يوم يكونوا حبايبنا ؟ أجابت : نعم ، قالت لها : هذه الأغنية وُجدت قبل أن أولد ولكنّها تنطبق علي ، لست بحاجة إلى رجل متزوج ،” أبو زياد شقيقي الكبير ليس أكثر ، أطمئني ، وأنتِ الآن شقيقتي أيضاً ، لو أردت زوجاً لتزوّجت من جديد ، لدي مشاكل من زواجي السابق تكفيني ،  أطمئنت سهى ، ابتسمت وخرجا معاً من الغرفة لينضمّا إلى الباقين .

بينما كان زياد وليلى في طريقهما إلى منزله اعترضتهما سيارة غريبة في الطريق ، نزل منها مسلحان ، أنزلوهما من سيارتها وأمروهما بالصعود إلى سيارتهم ، حاول زياد المقاومة ، خافت عليه ليلى وصرخت : زياد ، لا تقاوم . وضع المسلحون غطاءً على رأس كلّ من زياد وليلى واقتادوهما إلى جهة مجهولة ، هناك قالوا لليلى : لنا مع زوجكِ مالاً وقد اختفى ، الآن أنتِ من سيدفع ، أجابت : لكني لم أره منذ أكثر من سنة ، وأنا لست قيّمة عل أمواله ولا أملك شيئاً منها . أجابوا : نعلم أنه أعطاكِ مالاً وأنكِ ورثتِ مالاً من أهلكِ ، ألآن أنتِ ستذهبين لأحاضر المال و الصبي سيبقى هنا ، إن بلّغتِ البوليس أو إن لم تعودي خلال ست ساعات سنقتله ، انطلقي ، بدأ العدّ العكسي .

اقتادوها مع غطاءٍ على الرأس إلى حيث أوقفت سيارتها ، قالوا لها : عندما تعودين إلى هُنا اتصلى بهذا الرقم لنزوّدكِ بالمعلومات عن كيفية تحركك . ذهبت إلى المصرف ، بعد تفكير ارتأت أن تخبر أبو زياد بالموضوع ، اتصلت به وأخبرته ، طلب منها المماطلة ، داخل البنك وهو سيتصرّف قائلاً لها : لا تخرجي من البنك قبل وصولكِ إشارة منّي ،  اتصل بالأجهزة الأمنية ، خلال عشر دقائق كانت السيارات جاهزة مع آلة تحديد الاتصالات ، وصلها اتصال يقول : ألآن بأماكنك الخروج .

طول الطريق كانت سيارات الأجهزة تراقب ، السيارة تبعد عن الأخرى حوالي أربعمائة متر ، سيارة تقول للأخرة : ورائك ، فتنطلق . وصلت ” ليلى ” إلى نقطة ألصفر ، اتصلت بهم قائلة : جاهزة مع المبلغ ، أعطوها تعليماتهم ، ذهبت إلى حيث التسليم ، قالوا لها : هاتي المال ، أجابت : الصبي أولاً ، أحضروا زياد و سلّموه لها ، أخذوا المبلغ وانطلقوا ، عادت بزياد إلى منزله ، ترحيب الجيران كان حاراً ، حملوه على الأكتاف ، قال والده : لو لم يؤكدوا لي أنّه سيكون بخير لما سمحت لهم بالقيام بالمطاردة ، بعد ساعة كانت العصابة بيدّ الأمن ، والمال أُعيد لليلى .

عيد ميلاد زياد الخامس عشر ، أصرت ليلى أن يكون في الفيلا ، وأن يكون مُميزاً ، رفاقه كانوا يتهامسون : لم نعلم أنه بهذا الثراء ، كنا نظنه شخصاً عادياً ، بالونات ، موسيقى ، مهرج ، ألعاب نارية.

بعدها بأيام كان زياد ورفاقه يلعبون لعبة على الموتوسيكل ، يسرعون ، يصعدون تلة صغيرة ، ثم يقفزون إلى الشارع ، كان الشارع فرعي ، قليلاً ما تمر فيه سيّارات ، كان أحدهم يُراقب لينبههم في حال مرور سيارة .

أتى دور زياد ، شيء ما جعل المراقب يسهو قليلاً عن مراقبة الشارع ، ربما أراد أن يرى كيف سيقفز زياد لذلك ركّز نظره عليه ونسي الشارع ، أسرع زياد صعوداً إلى التلة ، ثم قفز إلى الشارع ، سيارة مسرعة قادمة من العدم صدمته ، طار عالياً وسقط أرضاً مضرّجاً بدمائه ، ذهب في غيبوبة ، أتت سيارة إسعاف ونقلته إلى المستشفى ، مرت أيام وهو يرقد في المستشفى وجميع من عرفه يصلّي لأجله ، إلى أن حصلت معجزة ، فتح عينيه وقال : ليلى ، كانت ليلى في المنزل وسُهى كانت قرب زياد ، اتصلت سُهى بليلى قائلة : تعالي بسرعة ، زياد أفاق من غيبوبته ويريد أن يراكِ ، قفزت ليلى إلى سيارتها بسرعة ، سارت بأقصى سرعة نحو المستشفى ، قلبها كان يدقّ بعنف ، سترى زياد وهو بخير ، وصلت وتفاجأت بسُهى تبكي خارج الغرفة ، حضنت سهى ليلى وقالت : مات زياد ، أجابتها ليلى : لكن أنتِ قلتِ لي بأنه بخير وينتظرني ، أجابت سُهى : لقد قال لي الأطباء بأن هذه الحالة تحدث أحياناً قبل الموت ، كانت صدمة قاسية على والده وسهى وشقيقه الصغير ، الصدمة الأقوى كانت من نصيب ليلى ، في الجنازة كانت ليلى تخفي أعينها خلف نظارة سوداء ، لكنها كانت تمد يدها كل بضعة ثوانٍ لتمسح دمعتها قبل أن تصل إلى خدها ، كلبه كان يصدر صوتاً شبيهاً بالبكاء ومن الجلي أنه يعلم من هو الميت وبأنه لن يعود ، عند انتهاء مراسيم الجنازة رفض الكلب أن يترك القبر ، كانت ليلى تحضر له الطعام إلى جانب القبر ، بعد عدة أيام ، أحضرت له الطعام كالعادة ، لكنها وجدته ميتاً من الحزن ، لم يستطع ” وحيد ” أن يبقى وحيداً .

بعدها بأسابيع كانت دورية من الجيش تداهم أماكن فيها وجود محتمل لإرهابيين ، أحد الإرهابيين تمكن من الفرار باتجاه الشارع العام ، فوجئ بأنه محاصر ، حمل قنبلة و رماها باتجاه عربة الجيش ، مرت القنبلة من فوق العربة وسقطت على الرصيف حيث كان يقف مجموعة من الأولاد ، لم يتردد أبو زياد لحظة واحدة ، رمى بنفسه فوق القنبلة محتوياً الانفجار بجسده ومنقذاً في الوقت ذاته الأولاد ، هكذا استشهد بطلاً .

ذات مساء مر رجلان بجانب فيلا شبه مطفأة ، يلفّ بوابتها الرئيسية شريط أسود ، سأل أحدهم ألآخر : لمن هذه الفيلا ؟ أجاب الثاني : يقولون أنها لأمرأة حزينة لا ترتدي سوى اللون الأسود لا تحبّ كثيراً الاتصال بالعالم الخارجي ، مسكينة لقد فقدت ابنها وأخاها في فترة وجيزة .

داخل الفيلا حيث الإضاءة الخافتة ، كانت ليلى تطبع الأسطر النهائيّة للقصّة ، قطّتها كانت تراقبها بفضول ، تحاول أن تمسح لها الدموع المنهمرة على وجنتيها ، تدفعها برفق بيدها ، تكتب كلمة ” النهاية ” تسحب الورقة من الطابعة ، تضمّها إلى أوراق أخرى في مغلّف كُتِب عليه : أوراق الزمن الأسود .

في اليوم التالي وضعت ليلى المغلّف على الكرسي الذي إلى جانبها في السيارة وانطلقت باتجاه دار للنشر لنشر القصة ، كانت تراقب المتاجر والناس والسيارات ، تشعر وكأن كل شيء أصبح مختلفاً وليس كما عهدته ، توقفت على الإشارة الحمراء ، سيارة غريبة توقفت إلى جانب سيارتها ، رجل يصوّب ناحيتها مسدساً فيه كاتماً للصوت ، يطلق طلقة واحدة باتجاهها بكل احتراف تصيبها الرصاصة في رأسها وترديها قتيلة ، نقاط دمها الأحمر تتناثر على المغلّف الأبيض .

شاب كان يمارس هواية الجري ، شاهد بالصدفة ما حدث ، اتصل بالشرطة والإسعاف ، مد يده من الشباك ،

دعاه فضوله إلى فتح المغلّف ، قرأ على وجه السرعة بضعة أسطر ، أعجبته بداية القصة ، تأبّط المغلف وتابع ركضه ، بعد مرور بضعة سنوات قرر أن ينشر القصة ليشارك الناس فيها ، عندما سأله الناشر عن أسم الكاتب أجاب : الزمن الأسود.

في الشوارع القريبة تجول قطة مُهملة تتعرض للرفس أحياناً من بعض الخبثاء ، تموء مُطالِبةً بصاحبتها ، تنتظر أن تُربّت عليها يد صاحبتها الحنونة وأن تضع لها طعامها في صحنها .

أمام منزل كئيب يقف طفلٌ ينتظر ، يتساءل : لماذا طال غيابهم ؟ يريد من أبيه أن يضمه ومن أخيه أن يلعب معه كما كانا دائماً يفعلان .

في المقبرة القريبة حيث قبر زياد يتوسّط قبر والده وقبر والدته ، تجد خيال ذراعين يمتدا ليجعلا القبور الثلاثة تبدو كجسمٍ واحد مُتّحد .

الفيلاّ مطفأة نمت فيها بصورة مخيفة الأشجار والأعشاب فبدت كغابة .

زوجة أبو زياد في مطبخها تطبخ وترنّم أغنية تراثية حزينة .

 النهاية ………

 

تاريخ النشر : 2020-04-05

مقالات ذات صلة

91 Comments
Inline Feedbacks
شاهد جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى