أدب الرعب والعام

الطبّال

بقلم : عطعوط – اليمن
[email protected]

رعى الله من قرأء واثاب من علق
واحسن الى من نشر ودقق ..
وسلم من سلم الناس لسانه ويده …ِ
وغفر لمن سمى واستسمى وعلى النبي صلى…

– لن أدعك تنام قبل ان تروي  رواية؟
– سمعآ وطاعة.

حمد فأثنى وعلى النبي صلى ثم قال:
سأروي  رواية من عهد التتر ومن عاش خبًر.

تبسم عفيف واستبشر .
تقدم فقبل جبين جده ويداه
ثم امتد مستلقيآ على قفاه .
مصغيآ ناظرآ لوجه جده فاتحآ فاه .
بعد ان سأل : ماهو إسمها يا جدي المصان ؟

– إنها رواية [[ الطبّال ]]
كان الخير قبلته والعدل وجهته .
ساندته الأشباح . وقارنته الارواح .
وبعد ان التف الفرسان حوله
اظهر سطوته واقام مملكته .

انه زنقل اصغر اخوته .
لم يكن ليله يدرك نهاره .
توفى والده وهو في عز شبابه.
سأل امه : هل خلف ابي ما نستعين به على الزمان؟
– تفضل هذا مفتاح المخزان.
.دخل فعثر على طبل
وإلى جوارة لفة حبل .
حمله ومشى

ارض تغدي وارض تبدي وارض تصلي بها على روح النبي .
انهد حيله وداهمه ليله . 
فانحشر في جذع شجرة كي ينام .
ومع العِشاء برق بارق
تلفت حوله فلمح كهف تحت شاهق .
صعد اليه بعجل
دخل ملهوف 
شمم صنف غير مألوف . 

بزغ القمر فتمكن من النظر
رآه نظيف كلما خطى فيه خطوة صر .
وكأنه كُنس لتوه بمكانس بشر .
وضع الطبل في قعره
ثم صعد اخدود في تجويفه
سمع صرير فتح باب  
فهبط إثنان شباب .
اقزام بيض الاجسام .
حفاة عراة شعرهما ينسدل الى الاقدام .
قال احدهم : اين وجهتنا ؟
رد: سنصطاد هذا المساء
نهشم العظم ونمتص الدماء .
ثم انبطحا على وجهيهما
فتمرغا بالثراء
فجأة
صارا وحشين من وحوش الغاب.
أسد رابض
ونمر نافض
ثم انطلق مسرعين في اتجاهين مختلفين
عادا بعد فترة
يجران جثتى
رجل وإمرآة
وضعاهما على الباب .
وكررا التمرغ بالتراب
فعادا كما كانا شابين مجدوعي الانوف

أقشعر بدن زنقل . 
فثنى قدماه وشدها بالحبل
فسقطت بعض الحصى
  على الطبل .
فاحدثت صوت وقرقعة مرتفعة .
اعاد صداها الكهف وكرر .
اختفيا الإثنان بلمح البصر   
سمع زنين وانين من الاثنين
فتبادلا الحديث
– من انت ؟
– اين نحن ؟

فقاطعهما زنقل وقال: ادخلا الكهف
مسرعين قبل ان يعود الوحشين ؟
– من انت ايها المتكلم الخفي ؟
– انا  عابر سبيل لاتخافا مني .

دخلا الكهف .
فنزل اليهما مسرع
كانا ممزقي الثياب والدماء تقطر من مغارز الانياب .
سأل الرجل بعد ان افاق: عن هويته؟
رد: انا مرزاب من ديرة مرقاب .
– لا تلمس الطبل واخبرني هل تعرف هذا الكهف من قبل ؟
رد : لم يتسنى لي معرفته . الست انت ساكنه ؟
افاقت المرآة مع الآنين تتآجح
فقالت: هل من رشفة ماء ارشف ريقي نشف؟
اعطاها ما تبقى في القربة
وبعد ان افرغتها سألها كسابقها؟
ردت: انا جواهر من عشيرة عكابر . لم يسبق ورأيت هذا المكان لاحاضر ولا غابر .

– احضركِ الى هنا نمر يحملك بين فكيه آلم تريه؟

ردت: كلما اعيه اني كنت واقفة على حافة بير الماء منفردة
القيت بدلوي فسقطت خلفه
فتحت عيناي هذه اللحظة 
وجدت نفسي جوار هذا الغريب في حال مريب .
فناديتنا ادخلوا فدخلنا هذا كل ما لدينا .
ان كان لديك ماتقوله إخبرنا ؟

وجه الكلام لمرزاب : انت ايضآ اتى بك أسد بين فكيه يحملك وإلى جانبها وضعك . 
فكيف امسك بك ؟

رد: بعد المغرب ذهبت للبحث عن إبل ضالة حسب طلب شيخ العشيرة
فجأة صهل الجواد والقاني من على ظهره
فلم استيقض الا جوار هذه المرآة .
لم ارى الأسد الذي تتحدث عنه.

والآن إن كنت جني من الجان
وعلينا جان
أطلق لنا العنان وامنحنا الامان ؟
فنحن من بني الإنسان .
أنا وحيد المنشاء
أبرً امي المقعدة منذ عام مضى
واقتاد والدي بعد ان بُليً  بالعمى .
فأنظر ماذا ترى؟

قالت جواهر : انا ايضآ حالي خائب احاطت بنا النوائب
ابن عمي لي خاطب ووالدي من الثأر هارب
وحيدة طريدة
ماتت امي وجميع الاخوة بمرض الحصبة .

بعد ان سمع زنقل القول اشتد به الهول
فحكى لهم بطيب خاطر .
فقال: انا عابر من دياري مهاجر .
لم اكن استطيع اليكم النظر لولا شُعاع القمر.
إسمي : زنقل من ديرة بني عطى
هل تعرفونها
او احد لكم عنها حكى ؟

– كلا لم نسمع ولم نرى .
– دعونا ننام وغد نكمل ماتبقى .

صعد ونام بعد عناء .
ايقظته مطاردة الفئران
فوجد نفسه في مكان غير المكان
في جذع الشجرة الاولى 
وكانه من حلمه صحى .
وقربته فارغة من الماء
وكل ما حوله سهل متسع
لا تل فيه ولا مرتفع .
مشى غريب .
تراوده الوساوس
وسواس يسأل ووسواس يجيب
اين الكهف اين الاسد اين النمر العجيب ؟
اين ذهبت جواهر ومرزاب؟
لم يعثر على جواب وكأن ما حدث حلم او سراب .
صادفه صياد
سأله ماء وزاد؟
نال المراد ثم سأله: هل تسمع بديرة المرقاب
او  عكابر؟
رد: كلا .

استمر في نفس المسار
انقضى نصف نهار .
دخل مغارة على السبيل مبنية من الحجارة
قضى فيها بقية نهاره
كي يبات فيها ليله .
ومع ضوء الشفق وصل ثلاثة سراق.
مع عروس مشروعة . خمارها منزوع ملهوفة مرعوبة .
دخلوا وبدأوا بتقاسم الفلوس .
اختلفوا لمن تكن العروس .
فأشهر كل واحد سيفه .
انتهز زنقل الفرصة
قرع الطبل بكل ما اوتي من قوة .
ففروا منكبين على وجوههم .
همت العروس اللحاق بهم .
فامسك طرف ثوبها واحكم اغلاق فمها
ثم قال: لا تخافي انا بشر سوف انجيك من التتر 

بقت صامته بعد ان اطمأنت .
اجتمع الثلاثة
وقرروا العودة .
تقدم اشدهم بسالة وبقي الاثنان في انتظاره .
وقف باب المغارة يلقي نظرة .
فقذفه زنقل بحجر قضمة ساقه .
راح يئن من الجراح نحو رفاقة .
اتى الثاني وغرد بيده سيف مهند .
فكبله بالحبل واحكم شده
وقطع بسيفه يده وعلقها في عنقه
واليهم اطلق سراحه .
رآى الثالث ما حل برفاقه
ففضل النفاذ بجلده قبل ان تقطع يده او رجله . 
لم يعد لهم من قرار
فولوا الادبار ولاذو بالفرار .

جمع زنقل الفلوس . 
ثم التفت نحو العروس ؟
فقالت: انا ردهى إبنة جابر شيخ بني عامر .
ليلة عرسي
هاجم ديرتنا الغوغاء
قتلوا الرجال والارحام
واشعلوا النار في الخيام .
قتل من قُتل وفر من فر .
فتقاسموا الغنائم والسبايا
فكنت من نصيب هؤلاء .
امسكوا بي
واقتادوني
الى هنا.

– هل تعرفين الطريق الى المضارب؟
– نعم لي بها امارة فهي لا تبعد كثير عن هذه المغارة . اتيتها للصيد ذات مرة .
– نامي سأصلك باهلك إذ حل عليك صباحك .
– من انت في الاول والاخر؟
– إنا بشر لن يلحقك مني آي شر.

باتت القبيلة في استنفار
انتشر الفرسان في كل مسار
ومع طلوع النهار كانوا قد يئسوا فناموا .
وصل زنقل الديرة في الضحى
وخلفه ردهى .
امام خيمتها تجمهر الرجال والنساء
الكل يريد ان يعرف ماذا جرى .
واين باتت ردهى .
عن الكلام زنقل صام .
; تولت ردهى
الايضاح التام  .
اركبوا زنقل على جمل .
واوضح للناس ما حصل .
اقام زنقل ضيف مبجل .
البسوه ازهى الحلل .
همست ردهى في اذن امها
ان تحضر زنقل الى وكرها .
سألته : هل لك حليلة او تهوى اصيلة ؟

– لا ذا ولا ذاك ماذا دهاك؟
– وقع الفؤاد بهواك لن يرض بسواك .
– ألا ترين اني طبال وما تطلبه محال ؟
– كلا . أراك فارس متمكن نظيف المعدن
اعف من عفيف واشرف من شريف.

رد : لي هدف من رحلتي منشود قد اعود وقد لا اعود .
– سانتظرك .. لن يمسني غيرك .
– لكن بعريسك ماذا ستفعلينه؟
– ساشترط عليه شرط سيهلك دونه . 
خُذ إحتفظ بهذا المشط في الكمر
متى ما انكسر إعلم اني في خطر .

ودع زنقل ردهى وداع حار .
التقطت مسامع ام ردهى ما دار .
فنقلت الى جابر الاخبار . 
طلع النهار .
صال ابن خالها وجال
طالبآ اكمال الاحتفال .
حضرت ردهى المقام
فقالت: ما حل بي 
لن يمر مرور الكرام .
لن اكن لإبن خالي عروس قبل ان يحصد الرؤس.
عرضوا على زنقل قبل ان يرحل
المال والحلال
فابى اشد الإبا ورحل مثلما اتى .

صاح عفيف : جدي جدي تمهل فقد احرق الشمع يدي .
سأحضر مصباحي.
هاه ها أنا قد اتيت .
حدثني أكمل من حيث انتهيت .

– واصل زنقل مسيره
واضعآ عكابر ومرقاب نصب عينه .

دخل ديار عامرة عليها النعمة ظاهرة
اهلها كثير وخيرها وفير . 
صغيرهم فرح وكبيرهم مرح .
مشى بين الخيام بإسترحام .
استوقفه شاب شاركه الإبتسام
وحوله حام ثم قال: إتبعني الى المقام .
اوصله الى شيخ العشيرة
القى السلام فرد التحية
فامر الخادم
بالذبح واكرام الضيف القادم .

اخبره ان مهنته طبال.
رد: جئت في ميعاد راج وإنٌا اليك نحتاج .
نحن نتحضر لإقامة عُرس لم يسبق وان سمع به بشر في من تقدم او تآخر .
بقي عدة ايام في نعيم تام .
صادف عازف رباب على الدرب استقام .
فقال: اصحبني بطبلك الى المرعى
هناك يحلُ الطرب والغناء
وصلا الخلاء وبصوت الرباب اشدى
ثم نظر نحوه وقال: لماذا طبلك لم يشارك ربابتي اللحن يا فتى ؟

احتار فحكى له قصته وان الطبل ليس مهنته .
– لاتقلق سآتي بإبن خالي
فهو للطبل عاشق وللرباب مرافق
وكلما عليك
ان تقف جواره ماسك لطارة.
وبعد أن تتدرب تكن الطبال المرتقب .

اُقيم الاحتفال وتيسر الحال
وكان ذلك كما قال .
سأله في احد الليال
بما انك رحال  دابر غابر
هل سمعت بالمرقاب او عكابر؟
رد: نعم هي على مسافة طير طائر .
– هل لك ان تدِلني على السبيل إليها تُحمد ؟
فلي فيها مراد ومقصد .

نعم : سنجوب الديار ولامصار
ونصل إليها ذات نهار .

اقتنع بما قال فعمل الى جانبه طبال جوال فجنى الاموال .
تنقلا من ديرة الى ديرة
ومن عشيرة الى عشيرة .
اطلا ليلآ على ديرة المرقاب .
فنبحت عليهما الكلاب .
فتلقاهما أُناس كأنهم ذياب . 
وبعد ان وقفوا على فحواهما
اقتادوهما الى خيمة .
سألوهما حاجتهما
فقالا: ما احوجنا الى الطعام.
عاد احدهم حاملآ حِلة وجذوة
نفخ الموقد باب الخيمة  .
أكلا الخبز وشربا القهوة .
سمعا انين  التفتا نحوه
فإذا برجل موثق في عمود الخيمة حالته رمٍة .
سألا القهوجي : هل هذا
اسير نزال ؟
ام عاشق غزال؟
او سارق حلال؟
ام رهينة مال؟

رد: ليس له مما ذكرتم مآل
إلا انه كما ترون فاقد للصواب .
إسمه مرزاب .
ذات ليلة بعثه شيخ القبيلة
يبحث عن إبله .
بعد يومان وجد فاقد لعقله .
وهذا هو حاله .

قال زنقل في نفسه:
مرزاب هذا هو من اجتزت من اجله الصعاب .
انصرف القهوجي وبقي مع صاحبه
يتبادلا السمر حتى بزغ القمر .
نام صاحب الرباب فاقترب زنقل من مرزاب .
– خُذ كُل يا مرزاب
انا زنقل صاحب الطبل

رد: زنقل زنقل بني عطى
انت من اسقى جواهر الماء؟

– نعم يا مرزاب هو انا .
اين امك المقعدة واباك الاعمى؟

رد: جميعهم ماتو وانا كما ترى .
فُك وثاقي يازنقل اخرجني .
كل من حولي هنا لن يصدقوك وربما قتلوك . الكل بجناني جازمين ومن شفائي قانطين .
– لكن اين سنذهب يا مرزاب فانا غريب ؟
– سنذهب تحت ظلام الليل بسكون
ونستخرج كنز والدي المدفون
من قعر احد الاجداث المتناثر
ثم نذهب للبحث عن جواهر .

كان لكلامه عليه بالغ التأثير
فاستجاب له دون تأخير .
هم بترك رفيقه نايم
خشيً لوم اللائم .
ايقظه بعد ان فك وثاق مرزاب .
تخطوا الدور فوصلوا الى القبر المهجور .
رفع مرزاب الاحجار والتراب .
ظهر صندوق انتشله وعلى حافة القبر وضعه .
فتحه فإذ به مليئ بحبات الذهب .
انتابتهم الدهشة والعجب .
وضعوا الذهب في صرات
توزعوه فحملوه ضمن سائر المتاعات .
حثوا السير فتخطوا حدود الديرة الى ابعد مسيرة .

قابلهم غلام كان عجول يجر خلفه ثلاثة خيول .
سألوه: أتبيعنا ؟
قد انتفخت اقدامنا.

رد: على الرحب والسعة اقطع
ولكن ما من احد بوسعه ان يدفع؟

– سَم بكم ؟
رد: عشرمجيدات جياد لكل جواد.
– نريد ان نعتليها ربما يكن هنالك عيب فيها؟
– إن كنتم فرسان مدربة اعطيكم هذه السيوف المهندة.

اعطوه الذهب الذي طلب
فاعطاهم الخيول مع السلب .
وكانت حالته عجب !
ثلاث مرات شرب وعلى ربوة انتصب . 
غادروا المكان.
فجأة أحاطتهم الفرسان  .
– سرقتم الجياد  ايها الأوغاد؟
– كلا نحن اشترينا من غلام لتونا
هو قائم على الربوة خلفناه .
ذهب بعض الفرسان مسرعين فاحضروه في الحين .
عثروا على الثمن بحوزته .
وجدوا الثمن مريع
فتشاورا
ثم قالوا : قد اجزنا المبيع .
سنعود بالسارق الى الديرة لنرى ما يكون مصيره .
عندها اطلقوا العنان ومشوا بأمان
صاروا ثلاثة بعد ان كانوا إثنان
اضحوا ممتطين مستلبين وقد كانوا راجلين مسربلين .
ارتقوا الى مستوى الاجاويد
فالقوا  بالرباب في اخدود من الاخاديد .
تبادلوا فيما بينهم المشورة
فاجمعوا على ان يكن لهم حرفة او مهنة . 
جمعوا  الاعشاب من الشعاب السفنة  
فطبوا بها اصحاب العلل المزمنة .
كانوا ظاهرين غير مستترين فهم
يعالجون المعسرين.
كان مرزاب هو طبيب الاعشاب .
وصاحب الرباب هو من يفتح الكتاب
أما زنقل فمكتشف العلل .
فصارت لهم حكاية ورواية.
اضحت علومهم تسبق قدومهم .
وصلوا ديرة عكابر استقبلتهم الاكابر . 
سالهم زنقل عن جواهر ؟
– جواهر !
هل انت ساحر ؟
من اين تعرفها؟

رد: اين هي آتوني بخبرها ؟

بقو مذهولين الى وجهه ناظرين
فقال احدهم: حالتها سر من الاسرار
فقد ذهبت الى احد الابار
في آخر النهار
ادلت بدلوها  فسقطت خلفه
واستقرة في قعره 
انتشلوها من البير الصباح
بقت جسد بلا روح
عدى انفاسها تفوح . 
طال الامد وحالها لم يتجدد . 
طبوها الاطباء وتفحصها الحكماء
بلا جدوى فها هي كما ترى .

– لكن انا اختلف عن باقي الاطباء وسائر الحكماء
افسحو لي المجال هذا المساء؟

ردوا: الامر يحتاج الى تدبيرة سنرى ما يقوله شيخ العشيرة .

في المساء عاد احد الرجال
فقال: شيخنا يطلب حضورك في الحال .
لبى زنقل الطلب بإستعجال . 
مثل بين يديه .
فعبس وجهه وأحمرت عينيه .
هل ارسلك والد جواهر بعد ان هرب ونحن نحث عليه الطلب .
– دلنا على مخبئه فقد دنى آجله ؟

– لاصلة لي به
إنما مرادي علاج إبنته .
– لك ماطلبت 
وإن اخفقت لن يغادر جسدك الديرة إلا ملفوف في حصيرة .
خذوه اليها في خدرها وابقوه تحت البصر
– تفضل هذه هي تعامل معها بحذر .
– وجدها مستلقية في عتمة
قرع الطبل قرعتين ففزعت
ثم باغتها بالنداء يا جواهر مرتين .
: انتفضت واستوت جالسة
فقالت: رنة طبل معروفة ونغمة صوت مألوفة وإني بذلك ملهوفة .
رد: انت من افترسها النمر ؟
ردت : مرحبآ بمن اتى
هل انت زنقل بني عطى .
: نعم انا
عنكم سألت غيم  السماء
وسحقت غبار الماء
قرأة الكف والمندل علي ارى ما بكم حل .
فجهدي ما كل وصبري ما مل .
وها هو مرزاب خلصته من العذاب اتذكرينه؟

– نعم جمعنا الهم والغم وشمًلنا في الكهف التم .

دنا زنقل من اذنها وهمس
لازالو يبحثون عن اباك ليل نهار مجدين في طلب الثار .
:هل تعلمين  قراره ؟
نلحق به فنشد آزره.

ردت : فيما بعد  نتناقش
اشعر بجوع شديد وعطش
آتني بما أسد به رمقي واروي ظمائي.
سمع الحراس الحوار
فنقلوا الى شيخ القبيلة الاخبار .
: لقد فك سرها بإحكام
فوقفت على الاقدام
وطلبت الماء والطعام .
قال:اعطوها الاكل والشراب
والبسوها جديد الثياب .
بعد ان استيقظت من سباتها
عادت الى سابق عهدها
جوهرة من الجواهر
تمشي حوامة دوامة
كانها عوامة
ليس لها في الارض إقامة .

اوصلوها الى الشيخ على عجل
والى جانبها طبيبها زنقل .
قال الشيخ: إعلمي يا جواهر اني بقيت في شأنك حائر .
اتيتك بالاطباء والحكماء على جناح طائر .
وعلى يد هذا الطبيب اتت البشائر .
وبعد ان صار ما صار وبسببك تولد الثأر .
فكل فارس طلب زواجك
فطغى عليك عنادك
تعلقتِ بحبال ابن عمك سرمد
وقد رآت كيف تخلى عنك وشرد
بعد ان أقدم اباك على قتل سرًاج
الذي طلبك للزواج .
الان اعرض عليك الاقتران وترك الاوهام والجنان .
تكوني حليلتي و ربت بيتي .

ردت :هذا لن يكون
الا بعد ان تكف عن ابي طلب الثار
وتمكنه من استقبال الضيف واشعال النار .
والآن أإذن لي بالذهاب للبحث عن ابي .

– لك ذلك
خذي مابدالك من زاد وراحلة
فمعظم البلاد قاحلة .

انطلت الحيلة على شيخ القبيلة.
فجأة وصل مرسال من شيخ عشيرة مجاورة.
قال: أبنة الشيخ اصيبت بالعمى وقد احصى الحكماء والاطباء بلا جدوى .
وقد وهب نصف ملكه لمن يطُب إبنته .
فبلغه تواجدكم فارسل بإحضاركم.
وقع الاختيار على مرزاب فهو طبيب الاعشاب.
قالت جواهر : سنمر من الديرة
ونبقي مرزاب في العشيرة
ومتى ما اتم اقتفانا بالمسيرة .
عرج مرزاب في طريقه على ضيعه .
فاخذ من الأعشاب كلما هو سام .
ثم جمعها وسحقها بإحكام .
وصل وقت الظهيرة
استقبله شيخ العشيرة
اوصله اليها
وجد عيناها مبيضة جفونها متقيحة منتفخة .
فاخرج ما جمع من اعشاب
وضمد عينيها .
فحست بالالتهاب .
فحذر وانذر من الاقتراب
او فك العصاب .
قبل مضي يوم كامل مكمل.

ثم انصرف على عجل لاحقآ جواهر وزنقل .
قص عليهم القصه فعجبوا مما صنعه
فقالوا; قضيت على البصر والبصيرة
باتوا ليلهم قُرب عين ماء .
بينما هم نيام
الخيل صهل
لمحت جواهر فارس يتجلجل
واضعآ سيفه على عنق زنقل .
انقضت عليه مسرعة
غارزة خنجرها في ظهره .
فقالت: انا جواهر اغدر من غادر .
من انت ايها الماكر؟
إنزع سيفك قبل ان انتزع روحك .
افلت النصل فصاح 
جواهر انا اباك صابر .
انتبذا فتعاتبا عم صار وجرى
في هذه الاثنى زنقل صحى .
لم تصدق عيناه ما ترى .
امر عجيب جواهر تقف تتبادل الهمس مع غريب ؟
شك بمرزاب فعثر عليه مضطجع على التراب . جوار صاحب الرباب .
تصنع المنام فنام نوم الذئاب.
(مفتح عين ومغمض عين )

فإذ بهم اشعلوا النار في الحطب .
ايقض مرزاب وصاحب الرباب
انتفضوا قيام 
فقال : اترون ما آرى خلف الإكام؟
: دون شك متيمان  يتبادلان العشق و الغرام .
لكن اين جواهر؟
هل غدرت ففجرت ؟
; طوقوهم على عجل
فوجدوا الدموع تنهمر من المقل .
قالت : لا تسيئوا الظن بي
انما هو ابي.

غرز الجميع السيوف على الرمال
وتعانقوا عناق الابطال .

وبقوا عشر ليال
في سهر واحتفال
يصيدون
ويشوون  .
شدوا الرحال عائدين
صائلين جائلين .
قال مرزاب : اوشكنا على الإقتراب من ديرة الفتاة التي وضعت على عينيها الاعشاب .
وارى انه من الصواب
توخي الحذر فربما يكن قد حل بها شر .
صادفوا احد الرُعاة
سألوه عن احوال الفتاة ؟
رد: كانت عمياء فمر حكيم من الحكماء
عالجها بلمح البصر فعاد اليها النظر .
وهم يبحثون عنه كي يعطوه آجره .
: قهقه مرزاب وقال: آتاني رزقي .
أتعرفون كم هو أجري؟
نصف مُلك ابيها .  
إصحبوني كي التقي بها
فإن ابوا دفع إجرتي اعينوني على أخذها .
سبق الراعي بالأخبار الى الديار
فوصلوا وهم لهم بالانتظار.
شيخ العشيرة واهل الديرة
كبار وصغار .
رحبت الفتاة بمرزاب ترحيب حار 
وقد اضحت جفونها بلا رموش وحواجبها من دون شعار .
قالت: زلني الالتهاب وزلزل .
رفعت الضمادة ووضع محلها عسل
فات اسبوع جفت القروح وتقرنة ثم انقشعة فعُدت مبصرة
إلا إن رموشي وحواجبي كماترى انبرآت .
حلوا ثلاثة ايام في أكل ومدام 
ورابع الايام
جمع اباها الحلال
وشطرة شطرين
وقال: هذا كل ما لدي من مال
إختار لك اليمين او الشمال .
اختار شطر منها فأقتادوه
عشرة إبل وعشرون خيل ومائة شاة
رحلوا بقافلة كبيرة من فلاة الى فلاة
يذبحون ويقدحون يسرحون ويمرحون

في احد الايام .
انهمرة عليهم السهام من خلف الإكام
برز امامهم فارس استقام .
فقال:
ليس لكم دابر او عابر إلا بتسليم صابر ؟
شيخ عشيرة عكابر
يطلب رأسه ورآس جواهر .

نظر زنقل الى من حوله . طالب المشورة .
ثم قال : ابلغ الشيخ امتثالنا لأمره وإعطائنا مُهلة .  
سنآتيه الى مقامه
ونعطيه مرامه .
ليس لنا قُدرة على عناده .

انشرح الشيخ واستبشر بماسمعه من خبر .
فوضع حول القافلة طوق محكم من الفرسان على القمم
فقد رآى فيها مكسب ومغنم .

أحلك الظلام
اناخوا الإبل واحاطوا الشاة بمن سبق وان استأجروهم من الرُعاة .
اخفوا السيوف ومشوا على ظهر الخيول
اظهروا الخنوع ليس لهم رأس مرفوع .
خرج اليهم شيخ العشيرة سنان
ليس جواره سوى بعض الفرسان .
اعطى زنقل الإشارة
فاشهروا السيوف البتارة
قضوا على الشيخ وكل من كان جواره .
سمحوا لاحدهم بالهروب نحو القافلة.
فاخبرهم بالواقعة فشاهدوا النيران في الخيام مشتعلة .
تركوا ما كانوا عليه من حصار عائدين نحو الديار .
خالفوهم المسار
وعن القافلة كسروا الحصار .
مع طلوع النهار واصلوا بقافلتهم قطع القفار .
في نهاية الوادي اقتفى أثرهم الاعادي .
انقسموا نصفين
فوضعوا لهم كمينين
على الطريق
في اول وآخر المضيق .
امطروهم سهام فسقط المقدام وفر الهُمام .
ظهر
في المقدمة النمر
وفي المؤخرة الاسد
بددوهم بدد لم يذروا منهم احد
نهشتهم المخالب ومزقتهم الانياب
فلم يعثر منهم عدى الثياب . 
فأقاموا على الاطلال عدة ليال بعد ان قُتل من قُتل وفر من فر من الرجال .
وصلوا ديرة مرقاب
فاستقبلوهم بالتحية والترحاب .
فأقاموا ضيوف مرفوعي الانوف

قال زنقل : يا مرزاب مقامك ببلدك طاب
إبن دارك ولا تقطع عنا اخبارك .

رد: يازنقل صار داري خراب
وهنا ذقت اصناف العذاب .
لن اقيم ابعد من صوتك
ستلاحق قدمي قدمك وتجاور داري دارك .
ستراني صداد رداد للرؤس حصاد
لن اكن لأمرك راد .
ألست من اعاد اليً الرشاد ؟

عندها حمد زنقل المولى وقال:
إذآ وجهتنا ديرتي بني عطى .
مضت الايام والليال وهم في ترحال .
ازداد إعجاب زنقل بالطبل اكثر من ذي قبل .
اخذ ينظر اليه
فشاهد صورة النمر والاسد عليه .
فلفه بعمامة الراس
واخفاه عن اعين الناس .

وصل زنقل الديرة وجد امه عليلة
في ايامها الاخيرة .
تقوم على خدمتها اخته الصغيرة .
بقيت اخوته منتشرين في الغربة .
جثى على امه واجهش بالبكاء
فاسندتها شذاب الى القفاء .
لمسته في الجبين 
انخفض  لديها الانين .
: زنقل عدت من السالمين .
انتظرتك سنين .
كم تاقت عينآي لرؤيتك .
حتى ابيضت .
قبل ان تنال ما تمنت .

امعن زنقل فيها النظر
أنهمرت دموعه كقطر المطر .
فقال : عدت غانم من الشر سالم
عدت بمال ونوق وفرسان سبوق .

اخبريني يا اماه
عن الطبل وما حواه
ما هو فحواه ؟
اذا لم يكن ابي طبال فلماذا اقتناه؟

– يا عفيف
النعاس غشاني وانسدلت اجفاني
إذهب لتنام غدآ نكمل الباقي …

في المساء التالي
حضر عفيف مستعجل
حاملآ في يديه كوب شاي وفاكهة سفرجل .
– تفضل يا جدي المبجل 
– رشف  ثم استند  فقال;
يا عفيفي هل تذكرني اين انقطع حديثي؟
رد: عند سؤال زنقل امه عن الطبل وفحواه ولماذا والده اقتناه؟ 

نظرت اليه قبل ان تجيب
تشحرجت فطلبت شربة
وبعد ان زالت عنها الغُصة حكة له القصة .
فقالت:
تردى ماعز من شاهق
علق على شجرة شوحط
فلا صعد ولا على الارض حط .
حضر بعض الرُعاة فشدوا اباك بالحبال .
ادلوه وانزلوه انزال
فخلص الماعز في الحال .
هموا برفعه انقطع الحبل .
تسلق نحو كهف
وجد بداخله طبل .
بقي فيه حتى احضروا الحبال
حمله على ظهره اثناء عملية الإنتشال .
استغرب الجميع لأمره ومكان تموضعه
وشدة صوته .
البعض قال : من مقتنيات الجان .
وقال اخر : من عهد سليمان .
ومنهم من قال: هو من زمن الطوفان .
وضعه المرحوم في المخزان .
ومن يومها اعتلت صحته
وذهب عنه عقله .
بقي على حاله حتى وافاه آجله .
هذا كل ما اعرفه .
هل ما زال بحوزتك ؟
تخلص منه قبل ان تهلك .

– نعم انه رفيق وصديق
اعتمد عليه وقت الضيق .

وضع زنقل الطبل حيثما كان في المخزان .
وحرزه بالاقفال وادوات الامان .
فلا تطاله الايدي ولا تراه الاعيان .
فرعى رُعاته الخيل والابل والضان
اضحى حامي حِمى
فأشعل النار في ليال الشتاء .
نُصب الخيام ورفع الاعمده والاعلام .
وذبح الذبائح وقدح الطعام
فتوافد العوام وكثر الزحام .

ضيف آت وضيف غاد
وضيف على الزاد .  

جن جنون شيخ العشيرة طهطل .
كيف وصل زنقل الى ما وصل .
فارسل  يطلب حضوره .
ذهب زنقل مع مرزاب وصاحب الرباب يصحبهم عُكابر واخته جواهر .
دخلوا خيمته مستلبين فاهتزت هيبته في الحين .
قال زنقل: اتيناك سامعين مطيعين ياشيخ طهطل 
اسمعنا طلبك على عجل ؟

رد: يازنقل اتيتنا بغرباء عن الديار
قد يكن ورائهم ثار او عار
فالشر يأتي مع الاشرار .

رد: بعضهم رفاقي والبعض رُعاة إبلي وشاتي . ترتبط حياتهم بحياتي 
فهم سند وعليهم يعتمد إذ حمى الوطيس واشتد .

رد: ساعطيهم مهلة حتى يغادروا العشيرة .

– سنعود وعليك ابلاغنا بالاجل الموعود .

إتى ام زنقل الاجل فنحر
واطعم واجزل .
ومد مائدة لا آخر لها ولا اول .
اشتاط صدر طهطل بالحسد والغيرة
فابلغ بإنقضاء المهلة .
قالت شذاب : اخي زنقل إن طهطل شيخ مبتذل .
داهم دارنا عدة ليال يريد الحرام قبل الحلال .
وقف مرزاب منتفخ النحر
كفرس البحر .
وانتاب صابر ارتعاش كالطائر .
بينما اجتزت جواهر احد الظفائر
وبقي صاحب الرباب يمرغ العسل بالتراب .

قال زنقل: استباح في غيابي داري
سأريه هذا المساء كيف يكون الاخذ بثاري .

في غسق الظلام داهموهم وهم نيام
فصاحت النساء واستيقض العوام .
بعد ان رفس الخيل وصهل
اضحي طهطل في قاع الخيمة مجندل .
اجتمعت العشيره وبعد المشورة
اجمعوا على ان يكن زنقل عقيدهم
وبقية ضيوفه فرسانهم وحماتهم .
عم الخير الجميع وذهب الويل الفضيع .
فأسس زنقل مملكته
وبلغت الاخبار مسامع اخوته
فحضروا والتم شمل عشيرته
فكان له جيش جرار
يحمي الديار ليل نهار
صار مرزاب وزيره
وصابر قائد حرسه
اما صاحب الرباب فوزير حربه
انتشر الحب والوئام وحل السلام .
انكسر المشط بيد زنقل .
فتلبد وجهه وترجل . 
امتطى الخيل وانطلق يشق الغبار
فلحقه الفرسان بنفس المسار .
اضحوا ثالث يوم على الابواب .
وجدوا جابر مصاب .
تحاصرهم الغوغاء يريدون الانتقام من ردهى .
صال زنقل وجال مع من معه من الرجال.
بلغ مسامع ردهى وصول زنقل
استبشر وجهها وتهلل .
خرجت من المقام فلوحت بالسلام .
قرعت السيوف بالخطر
كشر النمر وصهل الاسد وزمجر .
انقشع الغبار فزال الخطر
لم يعد هناك للغوغاء آثر .
اطمأن على جابر وتبادل الحديث مع ردهى.
اخبرته ان خطيبها قتل منهم الكثير وبث فيهم الرعب طوال العام
وبعد ان تمكنوا من قتله اتوا للانتقام .
اقام مع الفرسان ثلاثة ايام .
ثم طلب ردهى من ابيها .
فبرزت من دون حجاب وردت بالايجاب .
عاد زنقل الى الديرة
وبعث مهر ردهى في اكبر مسيرة
وبعرسها الفرح اكتمل بعد ان زُفت بالف جمل
فكانت ملكة زمانها زُفت الى سلطانها .
قُرع الطبل وارتعش
من مغرب الى غبش .
سمعه القاصي والداني
فتوافدوا لتقديم التهاني .
فعُقد قران  جواهر بمرزاب .
وتزوج عازف الرباب بشذاب 
وزفت أرملت طهطل لصابر على خجل
فحضر النمر والاسد
وصافحا زنقل يد بيد
فلاذ الحضور بالفرار
وعلى العرسان أُسدل الستار .

وفي النهاية والختام صلوا على خير الانام…
اللهم صلي و سلم عليه وعلى آله واصحابه اجمعين ومن تبعه بإحسان من اليوم الى يوم الدين آآمين ..

عطعوط

اليمن

مقالات ذات صلة

26 Comments
Inline Feedbacks
شاهد جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى