أدب الرعب والعام

اللعب بالماضي ..

وسط الظلام في القفص الذي أجلس داخله يأتي صوت صرير مزعج ثم يفتح الباب مصدرا دوي هائل ليدخل أحد الحراس و يصيح بصوت خشن :

ــ أخرج أيها السجين ، ستعرض على مولاي المظفر القطز الآن .

قلت لنفسي :

ــ من كان يظن أنني سأسافر من عام 2022 إلى الماضي ، و أكون سجينا في مصر المملوكية . فقبل بضع ساعات كنت أجلس في بيتي بمنطقة السيدة زينب أتصفح مواقع التواصل الاجتماعي ، و الآن أنا سجين في قصر السلطان سنة 1260 م لدى سيف الدين قطز ، كيف حدث هذا؟! .

قبل أيام قلائل كنت في مكتبة جدي ــ الذي توفي مؤخرا ــ المولع بالكتب و الأغراض القديمة . ترك لي ورثته كل الكتب لعدم حاجتهم إليها ، ولكوني دكتورا في التاريخ الإسلامي . وبينما أجمع الأشياء وجدت خلف المجلدات المرصوصة في أحد الرفوف المرتفعة علبة قديمة مغلقة بإحكام لفتت انتباهي .

فتحتها بعناية شديدة فوجدت ساعة قديمة جدا و غريبة ليس لها مثيل ، وأمامها ورقة بالية مصفرة مدون عليها ” اللعب بالماضي لا يجلب إلا الكوارث و إن كنت مصرا فلديك يوم واحد في أي زمن تختاره ” .

إقرأ أيضا : جـرح المـاضي

حسنا لم أكن لأصدق هذا الكلام ، لكن الرجوع إلى الماضي أحد احلام الطفولة بالنسبة لي ، سأجرب و لن أخسر شيئا .

عدت إلى البيت و بالي منشغل تماما بتلك الساعة ، وقد قررت أن أجربها و أن يكون المكان الذي أزروه هو مصر يوم 03 اوت 1260 م . وهو اليوم الذي يسبق معركة عين جالوت بشهر كامل . أدخلت التاريخ إلى الساعة فاختفى كل شيء .

استيقظت وسط سوق شعبي ، فتحت فمي دهشة .. فكأني في إحدى المسلسلات التاريخية . ملابس قديمة و لغة عربية فصحى ، سحرني المكان بجماله و كأني في عالم خيالي .

كان هدفي محددا مسبقا ، و هو تحذير السلطان قطز من المكيدة التي دبرت ضده بعد معركة عين جالوت و أدت إلى مقتله . فلطالما كنت معجبا بهذه الشخصية و متأسفا على قصة قتله . بعد أن حكم حوالي سنة و انتصر على المغول الغزاة في معركة حاسمة غيرت مجرى التاريخ . لكن كيف اصل اليه بسرعة و أنا لا أملك إلا يوما واحد .

لاحظت أن ملابسي الحديثة بدأت تجلب اهتمام الناس و تشكلت حولي حلقة منهم . و رأيت حارسين مسلحين يقتربان من المكان ، إنها فرصتي إذن . افتعلت شجارا و سببت السلطان بأعلى صوتي و اشتكبت مع أحد الحراس ، هكذا ضمنت أني سأعرض عليه لنيل عقوبتي . فقطز حسب علمي رجل عادل و لن يصدر حكما ضدي حتى أعرض عليه .

مقيد اليدين والساقين ، أسيرا تحت مراقبة حارسين إلى مجلس السلطان . كان يجلس وسط رجاله كأنه أسد ، شاب أشقر كبير اللحية نظرته ثاقبة ظاهر المهابة .

شرح له أحد رجال ديوانه ما فعلت ، نظر إليّ نظرة قوية جدا سأتذكرها لباقي أيامي ثم قال :

ــ لماذا سببتنا أيها الرجل؟ ، هل أسأنا إليك أو ظلمناك؟ .

إقرأ أيضا : و رقصت على رفات الماضي

قلت بصوت مرتجف :

_ الأمر ليس كما يبدو يا مولاي ، لقد كنت أريد مقابلتك في أقب وقت لأمر حياة أو موت ، فكان أسرع طريق إليك ما فعلت ، لكني ما قصدت سوءا بكم أبدا .

أردف السلطان :

ــ قل أيها الرجل .

ــ العفو يا مولاي ، إنما أحمل إليك سرا لا ينبغي أن يعرفه الجمع من رجالك .

نطق أحد الرجال بصوت قوي و بعصبية دون أي تكلف :

ــ دعني أضرب عنق هذا الجاسوس يا مولاي .

نظرت إليه فكان شابا أشقرا قوي الجسم . كانت كلتا عينيه مختلفتين في اللون ، لقد عرفته .. إنه الظاهر بيبرس .

تدخل قطز قائلا :

ــ لا تتعجل أيها الأمير ركن الدين ودعنا نسمع منه .

قلت في نفسي هذا ظني بك يا قطز .

أشار لأحد الرجال فاصطحبني إلى غرفة خالية مفروشة جميلة الأثاث تبدو كغرفة استراحة السلطان . و بعد قليل دخل علي السلطان متوشحا بسيفه و طلب مني أن أتكلم .

قلت له بصوت حاولت جعله واثقا ما أمكنني :

ــ سيدي ، أنت مقبل على معركة مصيرية ، لكن هناك مكيدة ستدبر ضدك من طرف بعض الأمراء بقيادة أمير الجيش ركن الدين بيبرس . و أظنهم يبغون قتلك و الاستيلاء على العرش ، فجئت لتحذيرك .

ــ كل ما قلته جميل ، لكن كيف علمت به و أنت غريب عنا ، ألك بينة على ما قلت .

ــ نعم يا مولاي ، ستصلكم رسالة من المغول هذا نصها ( و قرأت عليه نص الرسالة الذي أحفظه) ، و بعد سويعات قليلة سأختفي عنكم كأن الأرض ابتلعتني .

_ السلطان : من أنت أيها الرجل ؟ .

_ لست من هذا الزمن ، إنما جئت لتحذيركم فقط .

_ قلت فأنصفت ، سأحبسك في مكان حصين و نرى صدقك ، فإن حدث ما قلت نظرنا في أمرك .

ــ لم يبق لي كثير من الوقت ، أنصحك بحبس الأمير بيبرس قبل التوجه إلى المعركة .

إقرأ أيضا : بين الأمس واليوم

بعد وقت يسير وصل رسل المغول إلى بلاط السلطان حاملين رسالة طويلة جاء فيها ” نحن جند الله في أرضه ، خلقنا من سخطه ، وسلطنا على من حل به غضبه . فلكم بجميع البلاد معتبر ، وعن عزمنا مزدجر ، فاتعظوا بغيركم وأسلموا لنا أمركم …”

و كان رد السطان هو قتل الرسل ، ثم أسرع إلى السجين الذي تنبأ بها قبل وصولها ..

لما دخل علي قطز كانت مدة اليوم على وشك الإنتهاء فقلت له :

ــ أوصلت الرسالة ؟ .

فأشار برأسه أن نعم .

فأردفت بسرعة :

ــ إذن لا تنسى ما أوصيتك … بيبرس .. بيـ ..

ثم بدأت أتلاشى من عالمه حتى اختفيت تماما .

تأكد قطز من صدق الغريب فعزم من فوره على سجن الأمير بيبرس و كل أتباعه و الموالين من الأمراء و الأجناد و كل من يشك في ولائهم تحرزا منهم .

بدأ قطز و رجاله بالاعداد للمعركة و رسم الخطة ، لكن معنويات الجيش انخفضت بعد تسرب الأخبار عن سجن الأمراء ووجود خيانة بالقصر و العدو على أعتاب مصر .

ومن المعلوم أن الخطة الأصلية شارك في إعدادها بيبرس ، وقاد مقدمة الجيش واستدرج المغول إلى سهل عين جالوت في فخ مدروس أدى إلى انهزامهم في النهاية .

لكن غيابه أثر كثيرا على أداء الجيش والخطة ، حيث أن قطز قرر الإشتباك بالعدو مباشرة دون إعداد أي فخ و هو ما أدى إلى كارثة .

رغم أن قائد الجيش قطز قدم أداء بطوليا وقاتل ببسالة مترجلا عن فرسه صائحا وإسلاماه و إسلاماه ، لكنه قتل في المعركة و فر ما تبقى من جيشه .

و حاول البقية من أمراء المماليك تدارك الأمر و أخرجوا بيبرس من سجنه و عينوه سلطانا على مصر ، لكن الأمور كانت قد فلتت و المعنويات انهارت و الأموال قلّت .

إقرأ أيضا : زائر مِن الماضي

ونتيجة لذلك سقطت مصر و قتل الأمراء و نسائهم و أولادهم وعامة الشعب وحدثت مجزرة رهيبة مشابهة لما حدث في بغداد قبل زمن قليل . وبعدها زحفت جحافل المغول إلى أوروبا .. وابتلعوها مدينة تلو الأخرى حتى أصبحوا حكام العالم القديم و غيرهم عبيد لديهم .

بطلنا لم يكن يعرف كل هذا و سندعه الآن يكمل لنا القصة ..

تلاشيت من عالم قطز و المماليك و أنا أشعر بسعادة كبيرة بعد تحذيري للسلطان من المكيدة ، لقد قمت حرفيا بتغيير تاريخ العالم بضربة واحدة ، الآن أعود إلى عالمي و سأرى كيف أصبح بعد ما فعلت ، أنا أتوقع أن قطز قد حكم طويلا بقوة و عدل و أظن أن العالم كله تغير .

تجسدت في منطقة عشوائية متسخة جدا ، الأوساخ و القمامة تعم المكان ، الروائح كريهة و القوارض و الزواحف و الحشرات كأنها تمرح في حفلة خاصة بها . لم تكن هناك أي بيوت أو مباني أو سيارات أو طرق . ماذا ؟ ، هل عدت إلى زمن خاطئ ؟ ، أين اختفى الناس فجأة ؟ . لولا نهر النيل أمامي الذي أعرفه لقلت أنها ليست مصر .

فجأة رأيت رجلين يأتيان مسرعين نحوي يرتديان ملابس غليظة تبدو عسكرية و معهما أسلحة ، اقتربوا مني .. أعينهم ضيقة جدا و شورابهم غليظة و بشرتهم حمراء جدا . تكلم أحدهما بعربية مضحكة و قال :

ــ أنت أيها العبد ماذا تفعل هنا ؟ .

ــ عبد ..؟ .

سألني :

ــ أين بطاقة عبوديتك؟ ، لماذا لست في معسكر العمل ؟ .

ــ أي بطاقة هذه ؟ ، أي معسكر ؟ ، أنا لا أفهم .

لم يطل الجدل إذ سرعان ما لقم أحدهما سلاحه و وجهه نحو رأسي و غبت عن العالم .

مصطفى 2018

- الجزائر - للتواصل مع الكاتب : [email protected]

مقالات ذات صلة

اشتراك
اشعار
guest
ضع بريدك اذا اردت استلام اشعار بالنشر

7 Comments
Inline Feedbacks
شاهد جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى
7
0
التعليق مفتوح للجميع .. رجاءا اسمعنا رأيكx
()
x

أنت تستخدم إضافة Adblock

مرحباً .. يبدوا أنّك تستخدم مانع إعلانات ، نرجوا من حضرتك إيقاف تفعيله و إعادة تحديث الصفحة لمتابعة تصفّح الموقع ، لأن الإعلانات هي المدخل المادي الوحيد الضئيل لنا ، وهو ما يساعد على استمرارنا . شكراً لتفهمك