أدب الرعب والعام

الموت لأبي حمدان

بقلم : البراء – مصر
[email protected]

الموت لأبي حمدان

– التدوينة السابعة عشر بعد المائة.

مر وقت مذ أن أمسكت بقلمي وخططت بجنوني على صفحاتكِ يا مذكراتي. في أول مرة فعلت فيها هذا، لم أتخيل أني سأصل لهذه النقطة. أكثر من مئة تدوينة أم أكثر مما حلمت به؟
قد تكون تلك هي التدوينة الأخيرة، لهذا أعدّها الأهم.

بقريتنا أبدأ. قريتنا صغيرة، أعرف هذا. لا نتخطى المئتين بعد الألف، ولا نهبط عن الألف وحدها. هل ستبالغ يا بن عبد الله حين تقول إن بقريتك تلك من الحكايات ما يُأنس الجان؟ لا يا مذكراتي العزيزة لن أفعل، لكنكِ تسألين بفضول، أحقاً ستُأنس الجان.. أي الحكايات؟
الجواب قد يكون نعم، أما أنا فلست جاناً ولا علم لي بهم، ولا أملك سوى الحكايات وحكيها، وأنسة الجان لا تهمني بكل حال.
هو هاجس ينتابني منذ عدة أيام. نزعة نفسية غريبة تحثني على تدوين قصة معينة حدثت بقريتنا، وهي قصة أبا حمدان.

من طيف ذاكرتي الذي قارب على الزوال، حاولت استرجاع أول مرة قابلتُ فيها الرجل السبعيني الموقّر أبا حمدان، ولم يحضرني مما أردت سوى ذكرى باهتة واحدة دغدغت مؤخرة عقلي، عن عجوز يقرب السبعين أو الستين، يحمل مِشنّة كبيرة فوق كتف من الاثنين، ويمشي في شوارع القرية بلا هوادة. فارغ الرغبة، فاقد شعاع الحياة، زائغ العينين حزينها.
إنا ولما كنا المجتمع الصغير، فقد تآلفنا أُلفة العائلة، وتناقلت الأخبار بيننا تناقل دود الحشد في أراضينا الزراعية، وهكذا عرفنا بعضنا البعض، هكذا عرفنا أمر أبا حمدان. غريب بيننا، كذا عرّفناه، وكذا طالعته الأعين بفضول وكنتُ جوزاً منها. قالوا آنذاك إنه الساكن الجديد لبيتنا القديم، بيت الحوامدية وهم عائلة أمي رحمها الله، وللحوامدية أولئك قصة أخرى غريبة كتبتها في التدوينة الثامنة.

أبو حمدان. جاءنا منذ عشر سنوات أو أكثر أو أقل بحدود السنة. عشر سنوات فيها تمكننا من الدخول إلى حدوده ودخل هو إلى حدودنا، فعرفنا عنه وعرف عنا، وأصبح من العائلة. زرته في بيت الحوامدية مرات لا أذكر عددها، ولكنها كثيرة. كان غامضاً، وأحسب أنه غموض الهروب من الماضي، ذاك أنه لا يفصح بالكثير عن ماضيه وعن أصله، ولمّا ألحُّ عليه في سؤالي يجاوبني القليل حتى يُسكتني. على أني شككتُ دوماً بأن وراءه سر، وأنه ليس مجرد عجوز عادي أتى ليسكن قرية عادية. لطالما سائلتُ نفسي كلما صفا بالي عن سبب قدومه. هل ادرك أخيراً أنه أخطأ حينما رحل؟ ولو فعل فلمَاذا لا يتحدث؟ لماذا لا يهتز له جفن كلما حادثته؟

حاولت أن أعرف سره. تقربت إليه كثيراً، حادثته فلم يحادثني. مازحته فلم يمازحني. سألته ولم يسألني. جاوبته ولم يجاوبني.
السر. حينما أتخيله أتخيله عظيماً. شيء أسطوري جدير بصمت حزين لعجوز. الماضي؟ ربما لا. لا أحسب أني رأيت ندماً في عميق عينيه. حينما أدقق بهما، ادرك أنهما لا يريان عن ماضٍ أليم. يبدو أن قد نسي. اغتظت. اشتعلت. سألته أثناء يقظته وأثناء نومه، ألا تخبرني بسرك؟

طالت أيامي ومرّ الكثير منها قبل إدراكي بأن ما أبحث عنه كان يقبع أمامي طوال الوقت، وأني لم ألحظه حتى أخبرني هو. إنه السر الذي جعلني مصمماً على ملء بضع صفحات من مذكراتي للحديث عنه، السر الذي اقتادني إلى دهاليز ذاكرتي لكشف النقاب عن بضعة أردهة مظلمة في عقلي.
“إنه المذياع”
كذا قال لي ذات يوم بوجه بشوش ملأته التجاعيد، يتحدث عن مذياع رأيتُه في غرفة معيشته، أسود كبير، معدني بالكامل ويبدو العتق عليه. يَثبتُ على طاولة خشبية عتيقة لا أعلم كيف حملت وزنها ووزنه. حينما أتذكر الأمر، أعتقد أني رأيته دائماً في ذات البقعة من غرفة المعيشة، ولم أعره أبداً أي اهتمام. رأيته في زيارتي الأولى لأبي حمدان، وفي الثانية، وفي الثالثة، وهكذا حتى الأخيرة، حتى قبل يومين، يوم مماته رحمه الله.

أخبرني أن ذلك المذياع لغز من ألغاز كوكبه الصغير، وأنه جاب ذلك الكوكب جيئة وذهاباً حتى حفظ كل شبر فيه. كوكب المذاييع.
من هو أبا حمدان إذن؟ رجل صيانة المذاييع، وقبلها كان صبي صيانة المذاييع. يمتهنها منذ العاشرة يقول، ولسبب ما صدقته، لسبب ما لم أظن أن عجوز في أواخر عمره مثله سيكذب على شاب ثلاثيني مثلي. رغم أن الرقم أرعبني، من العاشرة وحتى الستين، نصف قرن من الصيانة، نصف قرن من العيش وسط أفواه تتحدث بالترددات، له الله أينما كان.

أذكر ذلك اليوم البعيد كما أذكر البارحة، وأراه أمامي يحادثني عن سر المذياع فيقول وهو يحك ذقنه:
– أفنيت عمري بينها، أقصد المذاييع.. يا ولد.. لست أتحدث عن وظيفتي الآن، أتحدث عن حياتي.. كل حياتي.
أسأله بلطف مراعياً فارق السن بيننا:
– وما دخل ذلك بلغز المذياع؟
– ذلك المذياع، ورثته عن أبي.
يمسك الكائن المعدني الأسود ويقلبه بين كفيه مكملاً:
– هو من علامة تجارية قديمة، كان لها وزنها في السوق على أيامي.. ماركة مسجّلة. كانوا يستخدمونه في المقايضات والرهونات.
يصمت قليلاً فيبدو التردد جلياً عليه، ثم سرعان ما يبدده:
– أعلم أنك لن تصدقني بكل حال.. ولكن… أعتقد أن المذياع يريد أن يخبرني شيئاً.
لم أدرِ ما أقول، وبما أرد، فما بدر مني سوى كلمة واحدة على استحياء:
– يخبرك؟
يرد بسرعة وكأنما يدافع عن نفسه ضد نظراتي المتّهِمة بالجنون:
– ر.. رسالة.. يعني… كأن الرب يريد أن يخبرني شيئاً.
– وما ظنك بها؟ الرسالة.
– هذه هو مربط الفرس.. اللغز… أترى؟ أنا أعرف كل شيء عن المذاييع… كل شيء يا ولدي.. أخبرك كل شيء.
– وإذن؟
– المذياع لا يعمل أحياناً
– أصلحه إذن.
– لا أستطيع. حاولت على الأقل ثلاثمائة مرة.. نعم كما سمعت.. نظرت بداخله مئات المرات. استبدلت كل القطع، فعلت كل ما يُمكن فعله، ورغم ذلك.. يعمل كما يريد، ويتوقف كما يريد.
في تلك اللحظة بالضبط، سمعت صوتاً يصدر من ناحية أبي حمدان، بدا وكأنه مقطع من مسلسل إذاعي على إحدى المحطات العشوائية. صوت رجل يقول بسكرة حب:
– لا تخبريه عني، دعيني أنا أقدم له نفسي.
ترد عليه ما يفترض أنها فتاة شابة بصوت لا يشبه صوت الفتيات:
– ولكن…
– بدون لكن، حبنا يجب أن يبقى سراً.. و..
وانقطع الصوت. يقول أبا حمدان رافعاً حاجبيه:
– أسمعت؟
ارتبكت أيما ارتباك. ماذا يحدث؟ أقول بابتسامة مجاملة:
– نعم… يعمل وحده.. ربما البطاريات أو….
– لا أتحدث عن البطاريات، أتحدث عما قاله!
– قاله؟
– المذياع.. المذياع يخبرنا أنه يريد أن يقدّم نفسه لك!
استرجعت ما حدث بذهني، ثم سرعان ما ارتسمت ابتسامة بعد إدراكي ما يعني العجوز. كدت أن أقول شيئا لتهدئة روعه لكن كان أن سمعت الصوت مجدداً، صوت وقور يقول:
– الناس يمكن أن تنكر، يمكن أن تقول أنها صدف، لكن ربما عليهم أن يلتفتوا أكثر إلى الحقائق. لدي أوراق هنا تُثبت كلامي، ثم إن…
وينقطع الصوت مجدداً، بينما راح أبا حمدان ينظر لي مُغزياً. وقفت قائلاً ببعض العدوانية:
– لا لا… غريب هذا!
ينطق مجدداً. وتلك المرة بدا أنه إعلان لحركة تبرعات من نوع ما، فصدح صوت شاب كاريزمي:
– بدعمكم، المستحيل ممكن. اكسِ فقيراً واتصل على…..
وكان ذلك آخر ما أسمعه يومها، ذاك أني خرجت مهرولاً من أمام أبي حمدان ومذياعه.

..

أقول الحق.. لم يكن الأمر متعلقاً بالصدف. أمكنني وقتذاك أن أحطم إيعاز عقلي بألا أصدّق، بألا أنجرف وراء تيار الماورائية، لكن سفينتي في بحر الواقعية تحطمت بعد تلقيها عدة ضربات، وانجرفتُ… كغصن شجرة يطفو عائماً في مسار مقدّر له.

الإيمان بداخلي كان قوياً، ثابتاً لا يتزعزع، هذا ما ظننته، لهذا زرت بيت أبا حمدان بعد ذلك مرات عديدة، اعتبرتها زيارات للتأكد من صحة ما ببالي. ولعمري ما استسلمت بسهولة قط، ظللت صامداً مع انهيال الضربات عليّ، ولكن كنت أفقد القليل من قوتي مع كل ضربة أتلقاها، وضربة، مع ضربة، تقلص إيماني. ليلة ثم ليلة، ذهب وتركني. جلسة بعد جلسة، يختفي المنطق، ويرتقي المذياع. لشهر كامل، ظللت أداوم على زيارة أبا حمدان، ولشهر كامل ظل المذياع يحاورني كما حاور الشيطان آدم، حتى فقد آدم إيمانه، ومثله فعلت. إنه الجنون! حينما قابلت أبا حمدان منذ سنوات، ما ظننت قط أن الأمور ستكون بهذا العبث.


كان أسبوعاً. نعم. كان أسبوعاً وأتذكر هذا جيداً. أسبوع بالضبط قبل رحيله حينما أخبرني أنه سمع إعلان موته.
“الموت لأبي حمدان”
وثيقة موت مسبقة.. وتأتي على هيئة قصيدة شعرية من إحدى الترددات الإذاعية المتخصصة بالأدب حسب قول أبا حمدان.
بالطبع لم أصدقه. لم يمسني ذلك الخوف الذي مسّ العجوز. وحاولت بطبيعة الحال إقناعه أن في ذلك ما هو فوق مقدرة المخلوقات. تلك أمور الخالق يا أبا حمدان، ألا تفهم؟
راعيت حاله. قلت له ربما يقصد بها المذياع شيئاً غير ما فهمه، أو ربما هي مزحة، فينظر لي صامتاً، ثم يبتسم بهدوء.


“هل هذا ممكن يا رباه!”
سمعت المناجاة فجر اليوم الذي يسبق رحيله. العجوز المسكين. كان يبكي بصمت. يسجد بخشوع ويهمس بصوت لم يسمعه سواي في جامع قريتنا الصغير. ولم يكن إلا سواي وهو من بقيا بعد أداء الصلاة.

حينذاك، خطفتني الشفقة من وسط الجزء العاقل مني، وتركتني في أرض أبي حمدان. عجوز مسكين يظن أن علم الغيب والموت بيد غير يد الله. ضلالات العقل أقوى من إيمان القلوب يا أبا حمدان. أولم يتحدث نبينا عليه الصلاة والسلام عن كذب المنجمين حتى إن صدقوا أو صدفوا!
أما النهاية فكانت حزينة، كانت حزينة وأريد الاعتراف. كان ذنباً وأقر بهذا. ذنب عدم الاستماع لما قيل لي. ذنب عدم إدراكي أن قصيدة “الموت لأبي حمدان” من المذياع كانت علامة أرسلها الله لي لكي أنقذ أبا حمدان من الموت. رسالة فضضتُ وثاقها وقرأتها، لكني ما فهمتها، أو لربما أنكرتُ ما بها.

سامحني يا أبا حمدان. إني لنادم على عدم الإصغاء لك. عاهدت نفسي ألا أعاملك معاملة المجاذيب. عاهدت نفسي ألا أخبر مخلوقاً ما حييتُ بأنك كنت تهذي. عهد يقول أن أتماشى مع حالتكٌ المرضية وأصدق أن الصوت الذي تصدره بجانب فمك، هو صوت المذياع.
المذياع؟ لم يعمل قط! كان خرباً قديماً لا يبشر إلا بموت وانتهاء عمر افتراضي.
كنتَ المذيع يا أبا حمدان. كنتَ الممثل والممثلة. كنتَ صاحب صوت الجهوري الخاص بالإعلانات. كنتَ المذياع… وكنتُ السامع.

أعرف القصة. لا داعي لأن تخرج من قبرك لتخبرني. لا داعي لأن تنتحل صوت المذياع لتخبرني بما حدث. أراك جيداً وأنت في الثلاثين من عمرك.
تعيش في عالمك ملكاً. عشرون عاماً جبت فيها جميع أنحاء المملكة. رأيت كل المذاييع من كل صنف. اقتنيت المجلات الخاصة بالتكنولوجيا. ابتعت الجرائد، وقرأت المقالات. تبحث وتبحث عن المذاييع وآخر أخبارها.
الصوت كان خافتاً لكنك سمعته. همسات تدغدغ مؤخرة عقلك، أو حقيقة تفرض نفسها على واقعك.
“إن الأخبار عن المذاييع تقل”
جملة رفضتَ تصديقها، لكنها كانت تتكرر سنة بعد سنة، ولا تتوقف أبداً حتى وإن بدا أنها ستفعل. في النهاية تدرك الأمر. الصوت يعلو مع تكراره.

أنت الآن في الأربعين. تجارتك تموت، وربحك يقل. عالمك ينهار، ولا أحد يهتم. ثمة ما يدعى بالهواتف الآن. إنها تسرق الأضواء. بحجم كف اليد وبها مذياع ومسجّل وكشّاف وهاتف! هاتف بدون أسلاك!
تسائل نفسك، أي سحر هو ذاك! وأي سرقة تلك التي حدثت لعرشك!
الأيام تمر. متجرك فارغ ونهارك بطيء. أرضك جرداء بعد اخضرار ما بعده اخضرار. الأوراق تتساقط والخريف يحل على عقلك. لكنك تصمد. تقاوم.

ذات يوم، يأتيك أحدهم لإصلاح مذياع عمته القديم. أول زبون منذ سنتين. سنتين ظللتَ تفتح فيهما محل عملك. سنتين لم تغب شمسك فيهما يوماً واحداً فقط. تحاول أن تكرمه. تخبره أن سعر قطع الغيار قد ارتفع لكنك تملك الكثير من قطع الغيار قبل أن يرتفع سعرها ولذا ستحاسبه عليها بسعرها القديم. تحاول أن تستدرجه ليبقى زبونك، ويعود لك من جديد. تكرمه فتخبره أن سعر قطع الغيار هو جنيهاً وعشرون قرشاً، وأنك ستأخذ أربعون قرشاً أجرة يدك. ينفجر الرجل ضاحكاً. تتقطع أنفاسه ويعتذر بين لهاث وقهقهات. يظن أنك تمازحه ويعطيك عشرين جنيهاً ليخبرك أن تحتفظ بالباقي.
نقرة قوية على رأسك. استيقظ! أنت في الألفية الجديدة. لم يعد هناك معنى للقروش يا أبي حمدان!

الخمسون تأتي سريعاً.
العناكب، الكثير منها، اتخذت ما تحت أرفف محل عملك مرتعاً لها. لم تعد قادراً على الصعود فوق الكرسي لتدمير تلك البيوت. تشريد عنكبوت أو اثنين ما عادت مهمة سهلة عليك.

تغفو قليلاً منتظراً آذان العصر بينما تستمع لإذاعة القرآن الكريم. لا تعلم ما حدث في غفوتك تلك. لا تعلم سوى أن صوت الشيخ المنشاوي انقطع فجأة، وأن ثمة من ينادي بإقامة صلاة العصر. تهز نفسك وتهرع للحاق الصلاة. عند عودتك تدرك أن المذياع القديم الخاص بوالدك قد تعطل. المذياع الذي لم يصمت أبداً، قد صمت.

مرت سنوات مذ آخر مرة كشفتَ فيها عورة مذياع ما. سنوات لدرجة أنك نسيتَ أين طاقم مفكاتك. تجده بعد عناء وتبدأ مهمتك. تفك المسامير وتخلع الغطاء ثم تتنهد. الإثارة القديمة لإصلاح المذاييع تعود لك. أيام شبابك تعود يا عجوز!
هنا، هنا بالذات، يتوقف الزمن. تتحطم المرايا وتتمزق الصفحات. أنت لا تعرف ما يجب فعله! أنت لا تفهم ما يقبع أمامك!


الزهايمر أقسى من الموت، صدق من قالها.
تبكي على حالك. كيف لك، أنت أبي حمدان العظيم، أن تعجز أمام مذياع بسيط!
تحاول ان تفعل أي شيء، ولا تصل لشيء. تظل على حالك ليومين كاملين، وفي الثالث، وحين فجأة، يعمل المذياع. يعمل ولكن في عقلك فقط، فتتوهم أنه يحادثك. أتاك الجنون فسكن عقلك. عدم تقبل الواقع هو داؤك. الزهايمر هو عدوك.


أقسم لي صديقك العجوز الذي كان يجلس معك في محلك دائماً، أنك كنت مَلك زمانك، وأنهم كانوا يسمونك أبو حمدون الشمشون. أبتسمُ ولا أرد. الجزء الحكيم مني يوحي إليّ بحكمة جديدة، وهي أن الزمان عديد الملوك!
أعود لعالمي لأطالع صديقك يخبرني مجدداً أنك كنت رجلاً طيباً، فأهز رأسي بأسى ثم أسعى وأصافح القادم الجديد للعزاء. نعم، تلقيت العزاء بك كوني أقرب الناس إليّ. أقرب العارفين بك من قريتنا على الأقل، ذاك أن صديقك هو من أخبرني بما حدث لك. أخبرني بسرك، سرك الحقيقي.

أعرف أنك حاولت أن تخبرني بأنك ستنتحر، لكني ما صدقت أنك ستفعلها أبداً. وأنا نادم على هذا أشد الندم. لكني نقمت عليك، نقمت عليك يا أبا حمدان. نقمت عليك يا أبي!
ظننت أنك تلاعب ولدك حمدان بعد عودتك للقرية من غياب طال لعقود. هنا تزوجتَ، وهنا طلقتَ لتعود إلى المدينة. هنا ماتت أمي. وهنا ورثنا أنت وأنا عنها بيت الحوامدية قبل أن أتركه وأنتقل لمنزل جديد بعد زواجي. هنا أرسلك مشفى الأمراض العقلية لأكونَ وصياً عليك. وهنا مكثتَ ومكثتُ معك.


اسمح لي بأن أعرض لك أفكاري قبل معرفتي بحكاية مرضك. كيف لك أن تنسى ابنك حمدان! بل كيف لك أن تهتم بمذياع حقير أكثر من ابنك!
اعذرني يا أبت. ما ظننت أبداً أنك مريض بالزهايمر. لهذا أهملت في حقك. لم أتقبل قط أنك نسيت أن اسم ابنك الذي تركته رضيعاً مع طليقتك هو حمدان. هالني الشر وتمكن مني. أما الآن، وبعد موتك ومعرفتي بحقيقة مصابك، فالذنب يمزق أعماقي ولا أعرف ما أفعله سوى تدوين مآساتي هنا، راجياً السماح منك يا أبت.
أما المذياع فأصلحتُه، وصار يعمل جيداً الآن. وهبته صَدَقة لجامع القرية. يسمونه مذياع أبي حمدان.
والآن اسمح لي بالرحيل. ظننت أني أدوّن لمذكراتي واتضح لي في النهاية أني أدوّن لك.
السماح والعفو يا صاحب الشأن.
حمدان عبد الله.
قرية سكنون

ملاحظات الكاتب:
– القصة خيالية وليست مستوحاة من أحداث حقيقية، إنما من موقف معين مررتُ به.
– القرية خيالية.
– شكراً على القراءة.

مقالات ذات صلة

اشتراك
اشعار
guest
ضع بريدك اذا اردت استلام اشعار بالنشر

35 Comments
Inline Feedbacks
شاهد جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى
35
0
التعليق مفتوح للجميع .. رجاءا اسمعنا رأيكx
()
x

أنت تستخدم إضافة Adblock

مرحباً .. يبدوا أنّك تستخدم مانع إعلانات ، نرجوا من حضرتك إيقاف تفعيله و إعادة تحديث الصفحة لمتابعة تصفّح الموقع ، لأن الإعلانات هي المدخل المادي الوحيد الضئيل لنا ، وهو ما يساعد على استمرارنا . شكراً لتفهمك