منوعات

اليربوع الازرق

بقلم : نور الهدى الاخضرية – الجزائر

السحابة العملاقة لانفجار القنبلة النووية
السحابة العملاقة لانفجار القنبلة النووية

في خمسينيات القرن الماضي كانت الجزائر تحت الاحتلال الفرنسي الذي دخلها عام 1830 وظل يقتل ويعذب ويهجر في سكانها في أسوا مظهر للاستعمار في ذلك الوقت ، لكن الجزائريين لم يستسلموا ابدا لهذا الذل فمنذ دخول فرنسا الى الجزائر والثورات تتوالى تباعا في كل المناطق من ارض الجزائر الشاسعة ، الى أن اندلعت الثورة التحريرية المجيدة والتي اخرجت فرنسا من الجزائر خاسرة وذليلة باعتبارها كانت قوة عظمى في ذلك الوقت.

ورغم كل الجرائم التي ارتكبتها فرنسا والتي شاهدها العالم باسره والتي رفضت حتى الاعتذار عنها الا أن هناك جريمة لن تمحى ابدا بل ستظل تدمر الجزائريين لأكثر من مليار سنة وستبقى آثارها الى وقت طويل طويل جدا فاليكم القصة.

blank
رقان .. منطقة صحراوية جنوب غرب الجزائر

في عام 1958 في الصحراء الكبرى الجزائرية ، في منطقة رقان وهي منطقة صحراوية شاسعة اصل تسميتها هو (ريكان) وتعني أنثى الابل باللغة بالتارقية ، بدأت فرنسا باعمال تهيئة وبناء في المنطقة حيث بدأ 6500 فرنسي و3500 جزائري من سكان المنطقة العمل ليل نهار من اجل انهاء التحضيرات اللازمة لمشروع فرنسي هام سيغير مكانة فرنسا بين القوى العالمية.

وقد انتهى تجهيز المشروع في أقل من ثلاث سنوات. وبعيدا في منطقة الغرب الجزائري قام الجيش الفرنسي بنقل 150 سجين من سجن مدينة سيدي بلعباس وسجن مدينة معسكر ايضا وقاموا بنقلهم الى منطقة رقان بالجنوب الجزائري وطبعا لا أحد يعلم من السجناء الى أين سيأخذون أو ماذا سيفعل بهم ، فكل شيء كان محاطا بسرية تامة تنذر بالخطر.

في صبيحة 13 فيفري 1960 استيقظ سكان قرية تاعرابت التي تبعد عن منطقة رقان بـ 2 كلم على وقع انفجار ضخم هزت اركانه جدران بيوتهم الطينية البسيطة ، خرج السكان لاستطلاع الامر وشاهدوا سحابة كبيرة جدا ترتفع شيئا فشيئا الى السماء على شكل فطر عملاق ، السكان المحليون لم يعرفوا ما حدث ولم يجرأ أحد على الاقتراب من مكان الانفجار فالمنطقة المحيطة به مطوقة ويمنع الدخول اليها فهي منطقة عسكرية ، وعاد السكان الى ممارسة اعمالهم اليومية محاولين نسيان دوي الانفجار .

حقيقة الانفجار

blank
اول تجربة نووية فرنسية

ربما تتسائل عزيزي القارئ عن ما حدث وما مصير الاسرى لا تقلق سأخبركم بما جرى، كان الانفجار الذي وقع هو أول تجربة لقنبلة نووية فرنسية على أرض الجزائر نعم انها تفجير نووي ، في الخمسينات ومع بدأ السباق نحو التسلح النووي للقوى العظمى سارعت فرنسا هي الاخرى لامتلاك القنبلة النووية فقامت بابرام اتفاقية مع اسرائيل وحصلت بموجبها على الاموال لبدأ مشروعها النووي وقد كلفت فرنسا أول قنبلة 1 مليار و260 مليون فرنك فرنسي.

وقد سميت التجربة الاولى للقنبلة النووية الفرنسية باسم (اليربوع الازرق) واليربوع هو حيوان صحراوي صغير يشبه الفأر يعيش في المناطق الصحراوية أما اللون الازرق فهو لون مشترك بين علم فرنسا واسرائيل.

كان وزن القنبلة حوالي 70 كيلو طن أي ثلاثة أضعاف قنبلة هيروشيما اليابانية، بعد تفجير القنبلة الأولى والذي باء بالفشل مخلفا سحابة مشعة أكثر من 100 ألف مرة من معدلها المتوقع كما سجل سقوط امطار سوداء في 16 من فيفري في البرتغال ثم في اليوم التالي سقطت الامطار السوداء في اليابان وكانت هذه الامطار تحمل اشعاعا أكبر بـ 29 مرة من معدلها المتوقع.

blank
الرئيس ديغول : “مرحى لفرنسا! منذ هذا الصباح اصبحت أقوى وأكثر فخراً” .. احتفل الفرنسيون بكونهم اصبحوا رابع قوة نووية .. اليربوع هو قارض صحراوي صغير

بعد ثلاثة ايام من وقوع التفجير الاول أكدت فرنسا أن الاشعاع في المنطقة غير مؤذي لكن الحقيقة كشفت عام 2013 بعد رفع السرية عن عملية اليربوع الأزرق حيث تم الكشف عن أن مستوى الاشعاع خطير وأن أضراره وصلت الى جنوب فرنسا وغرب افريقيا ،حيث أن فرنسا استعملت في تجاربها النووية مادة البلوتونيوم شديد الاشعاع والذي يستمر اشعاعه لـ 4 مليار سنة، طبعا فرنسا كانت تعرف خطورة هذه المواد المشعة على البشر والبيئة لذا فضلت اجرائها بعيدا عن اراضيها فقررت اجرائها في مستعمراتها في المحيط الهادي لكن تكلفة نقل القنبلة كانت كبيرة جدا فاختارت اقرب مستعمراتها وهي الجزائر فالجزائر تملك صحراء شاسعة وبعيدة عن الأنظار فهي خير مكان لاجراء تلك التجارب.

ربما ما زلتم تتسائلون عن الأسرى وما حدث لهم لا تقلقوا سأخبركم ، قامت فرنسا باحضار السجناء وقبل اجراء أول تجربة نووية تم تشييد أعمدة في منطقة التفجير وتم ربط كل أسير بعمود وتركهم هناك لمعرفة كيفية ومدى تأثير الأشعة النووية على البشر .. تصور عزيزي القارئ هذه الجريمة ، فرنسا اليوم تنفي هذه الحادثة لكن شهود عيان أكدوا حدوثها فبعض الجنود الذين تولوا نقل الأسرى شهدوا على هذه الحادثة وحضروا التفجير ايضا، ومنهم العسكري ميشال دو سوبري الذي كان ضمن 9 عسكريين موجودين على بعد بضعة كلمترات من موقع التفجير. وقد صرح قائلا : (كنت أمام الجبل عند وقوع الانفجار ، لقد كان مروعا اهتزت الارض تحت أقدامنا وأصبنا باشعاع سحابة اشعاعية بلغ ارتفاعها 2600متر).

blank
يقال انه تم وضع بعض الثوار الجزائريين الاسرى في مكان الانفجار لمعرفة تأثير القنبلة على البشر .. فرنسا تنفي حدوث ذلك

فرنسا لم تكتفي باجراء تجربة واحدة فبعد فشل التجربة الاولى بمنطقة رقان اكملت فرنسا سلسلة التجارب فقامت في 1 افريل 1960 بتفجير قنبلة أخرى باسم اليربوع الابيض ثم تلتها قنبلة أخرى باسم اليربوع الاحمر في 27 أفريل 1960 ثم قنبلة اليربوع الاخضر في 25 أفريل 1961.

استمرت فرنسا في تجاربها النووية في الصحراء الجزائرية في منطقة رقان ومنطقة إينكر بالهقار لمدة ست سنوات من 1960 الى 1966. أي حتى بعد استقلال الجزائر(حوالي 17 تجربة).

خلال اجراء هذه التجارب أصيب أكثر من 40 ألف نسمة بالاشعاع ، وحتى اليوم ما زالت آثار هذه الجريمة تظهر في تشوهات خلقية لدى المواليد الجدد في مناطق التفجير والمناطق المحيطة بها ، ارتفاع معدلات الأورام الخبيثة والتعقيدات الجينية نتيجة التعرض للأشعة ، انتشار أمراض العيون وأمراض السرطان، أما بالنسبة للبيئة فقد اختفى فصل الربيع في مناطق التفجير وتراجع عمر الابل لأقل من 20 سنة كما إختفت عائلات نباتية كاملة من الغطاء النباتي للمنطقة، وأصبحت بعض الأشجار عقيمة لا تثمر مثل أشجار الفستق البري والزيتون الصحراوي وتلوثت المياه أيضا.

بعد هزيمة فرنسا في حربها مع الجزائر وخروجها ذليلة منها لم تكلف نفسها تنظيف نفاياتها النووية فقد ترك الجيش الفرنسي أطنان من المواد المشعة التي مازالت الى اليوم في أماكن التفجيرات. ولأن فرنسا لم تؤرشف هويات الضحايا فلا يمكن التعرف عليهم أو المطالبة بحقوقهم منها.

blank
لوحة تحذيرية في منطقة الانفجار

واليوم مازال آلاف السكان يعيشون في منطقة مشعة خاصة قرية الحموديا ومنطقة رقان ومنطقة اينكر. ورغم أن الدولة الجزائرية قامت بتطويق المنطقة ومنع الدخول اليها لخطورة الاشعة الا أن الامراض الخبيثة وتلوث البيئة مازال مستمرا فبعض السكان البسطاء قاموا ببناء مساكنهم من مخلفات الواح القصدير التي تركتها فرنسا بعد التجربة والتي كانت تحوي نسبا عالية من الاشعة دون علمهم بالامر نظرا لجهلهم بخطورة هذه المواد ، لذا مازال السكان الى يومنا هاذا يعانون من هذه التجارب وما زالت الحكومة الجزائرية وجمعيات حقوق الانسان وعائلات ضحايا الامراض السرطانية في مفاوضات وصراعات مع الحكومة الفرنسية من أجل الحصول على حقوقهم في التعويضات والاعتراف بالجريمة اللاإنسانية التي قامت بها فرنسا في حقهم وفي حق كل الجزائريين خاصة وأن فرنسا لم تكشف عن كل أسرار تجاربها النووية في الجزائر ولا عن أماكن سرية أجرت فيها تفجيراتها . لذا يبقى حجم الضرر الذي أحدثته هذه التجارب غير معروف تماما.

رغم أن فرنسا أصبحت من الدول المالكة للسلاح النووي إلا أن أرواح وعذاب ضحايا هذه الاسلحة سيبقى عارا على فرنسا تحمله جيلا بعد جيل وإذا نسته هي فالتاريخ لا ينسى وكذلك نحن الجزائريين.

عزيزي القارئ أتمنى أن تعجبك المقالة رغم الجريمة الفظيعة التي تتحدث عنها لكن مارأيك
أنت هل ستنسى هذه الجريمة لو كنت جزائريا؟

كلمات مفتاحية :

– Gerboise Bleue

تاريخ النشر : 2021-04-07

مقالات ذات صلة

76 Comments
Inline Feedbacks
شاهد جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى