أدب الرعب والعام

انتحار بنكهة السعادة

بقلم : حذيفة محمد – سوريا
للتواصل : [email protected]

لم يجد المحقق سوى صورة محترقة لطفل مشوه الملامح
لم يجد المحقق سوى صورة محترقة لطفل مشوه الملامح

(العشرين من سبتمبر / 20xx)

أعرفه جيداً… هو يسكن وحيداً. مشاكله ، خيبات الأمل ، نفسه المتعبة ، المجتمع المعطوب و الظروف المحيطة قد أفسدت عليه روحه… و عقله.

تستطيعون وصفه بأنه شخص يستمر بالحياة بقوة الدفع ، لا يستطيع التوقف و يسير بثباتٍ بلا شيء ، لا هدف ولا غاية منشودة ، لا مستقبل ولا مخططات خماسية او سباعية ولا حتى أحادية.

فراغ معدم تماماً يسكن صدره ، قشرةٌ بلا روح.

* * *

عاد للتو لمنزله بعد يوم عملٍ صعبٍ آخر ، لا شيء جديد ، كان يهيم في غرف بيتِه بِكامل الروتينية المستفزة كأنها مطبوعةٌ في جيناتِه أو تسري في دمهِ ، استوقفته المرآة ، هو لم يكن سوى في الثلاثين من عمره ، لا شيب ولا تجاعيد و لكن لسببٍ ما يجهلهُ أدرك في تلك اللحظة أنه لم يتغير على مرِّ السنين ، توقّف به الوقت منذ خمسة عشر عاماً لا يكبر ولا يصغر ، فيزيائياً الأمر يختلف بالطبع ، نفسياً و معنوياً فهو جلمودُ صخرٍ في ممر الزمن.

من هو ؟ حقاً… من هو ؟

هو المتعقّد من البشر و الحياة و من كل شيءٍ قد يخطر في البال ؛ حتى من ذلك البائع المتجول الذي لا يتوقف عن الصراخ في الشارع ، و من ذلك الولد في وسيلة النقل الذي لا تعرف أمه الغبية كيف توقف بكائه.

هو مشروب قهوة نسي صانعها إضافة البن ، هو نار نسَوا أن يضيفوها المزيد من الخشب فأصبح جمراً يخنق الصدور قهراً و حرماناً ، هو منزلٌ تناسى المتعهّد به أن يمدّ أنابيب الماء أو يحفر مسارات الكهرباء ، هو كوكبٌ بعيد حتى أن الشمس لم تعد تجذبه ، فضاع في فراغ الفضاء و الظلام ، هو شيطانٌ خسر قرونه في معركةِ شرفٍ ضد جبانٍ أخرق.

اااه صحيح ، نسيت أن أقول أنه أرمل أيضاً. نعم أرمل… أرمل في الثلاثين من عمره… و كأن كل ما كان يعاني منه لم يكن كافياً حتى تسرق منه هي الأخرى ، كانت تعلم كم هو يائسٌ من هذا العالم ، كم هو محبط و كم ينتظر لحظة الحقيقة. نستطيع القول أنها نذرت نفسها لتكون كل شيءٍ في حياته ، لتغير تلك القشرة الحجرية إلى تمثالٍ يسحر العيون ، أن تقلب تلك الجمرات الضعيفة إلى نار مستعرة تنير للناس و تساعدهم ، لكنها رحلت…الموت لا يعرف صغيراً ولا كبيراً و بالتأكيد الموت لم يتعرف على زوجته حينما اختطفها من بين يديه. رحلت منذ سنتين تاركةً إياه في مكب القمامة الذي نسميه “الحياة”. تاركتةً إياه ممزقاً و مشرداً زيادةً عمّا كان عليه ، تركته غير قابلٍ للإصلاح.

لم يكن في الأساس من المؤمنين بنظرية تعلّق الرجال بالنساء أو العكس… كان من هواة الحبِ المعتدل الصادق ، كان يؤمن أن رجلاً بلا أنثى و سيدةّ بلا ذكر هم مجرد أشباح ، هم طعامٌ بلا بروتين و هواءٌ بلا أُكسجين ، إنها الحاجة لملئ فراغ القلب. إنها الحاجة لإكتمال الناقص ، كما أن الجسد بلا طعامٍ يضعف ، الزرع بلا ماءٍ يذبل ، فالقلب دون ساكنٍ تتشقق جدرانه و مع الوقتِ ينهار خراباً ، و ما إن حصل على نصفهِ الآخر و اندمج معه ، حتى عبر خلاله منجل الموت ليقصمه نصفين ، آخذاً معه أحدهما و تاركاً الآخر للوقت.

اكتفى من صورتِه التي تشبه مشهداً مملاً رخيصاً من فيلم في الستينات ، دخل غرفته و دون أي منطقيةٍ في التصرف بدأ يبحث في أشيائه القديمة ، لقد اكتفى من كل شيء ، لقد خسر كل شيء ، و ليس مستعداً للإكمال أو التقدم بعد الآن ، استمر حتى وصل لصورةٍ كان عمره فيها خمس سنوات ، لم يكن هناك غير هذه الصورة من طفولتِه ، فلم يكن من هواة هذه الأمور ، إبتسامةٌ عريضة ، ذراعان مفرودان كأنهما جناحا طائر و سعادةٌ لا توصف ، كأنه في تلك اللحظة كان يمتلك العالم بين يديه… لن يصدق أحدٌ لو أقسمت لهم الأيمان المغلّظة أن الطفل في الصورة يشبهه ولو 0.01 بالمئة من يمسكها ، عوامل الحت و الترسيب و التعرية التي يفعلها الزمن تصنع العجائب بالفعل.

عيونه ترتجف ببطء و نفسه يتسارع تدريجياً و فجأة بدأ التكلم مع الصورة : “لماذا ؟ لماذا تركتني ولم تقف إلى صفي ؟ هل كان صعباً أن تتصدق علي ببعض سعادتك ؟ هل ضرك لو منحتني إبتسامةً من إبتساماتِك ؟؟؟ أكنت سعيداً و أنت تراني أتعذب و أغرق بالفشل و القهر و الحرمان ؟ هل ضحكت كما يضحك المتفرجون في المسرحيات وأنت ترى شياطيني تغرقني في هاوية التعاسة و المأساة ؟؟؟ لماذا دفنت نفسك حياً آخذاً معك كل مقومات السعادة ؟ لماذا تركتني أصارع وحدي ؟ لم يكن هناك أحدٌ لأكثر من عشر سنين يساعدني و كنت بحاجتِك فلم خذلتني ؟ لِم لم تستجب لندائي ؟ لِم لم ترحم جسدي و فؤادي ؟ ظننت أنك على الأقل ستعود لتواسيني عندما خسرت منقذتي..!
ظننت أني أستطيع الاعتماد عليك و قد تأخرت كثيراً في إدراكِ حقيقتك البشعة حتى فات أوان الإدراك ، أنك أناني ، نجرسي و فارغ…”

وقف بهدوء ثم توجه نحو الحمام ، فتح أحد الدروج و أخذ علبة كحولٍ طبي ، صبّ القارورة كاملةً في حوض الاستحمام ثم أشعل النار ، نظر للصورة مرةً أخرى و ثم و من دون تردد أو تعابير أسى أو حزن على وجهه رمى الصورة في النار ، قد لا يستطيع أحدٌ وصف شكلهِ لحظة اشتعال تلك الصورة ، شعور السعادة التي غمرته و هو يرى صورته تحترق كان… غريباً. لأول مرةٍ منذ سنتين بدأ بالضحك ، ضحك بهستيرية ، ضحك حتى إن أحدٌ رآه لظنّ أنه لم يعد يستطيع التنفس ، شكله كان مرعباً و هو يضحك ، ضحكٌ هستيري كالمجانين.

أراد بكل إخلاص حقاً أن تنتهي معاناته ، أن ينتهي وجوده.

جلس على الأرض يلهث كالغريق ، و مازالت ابتسامةٌ مشدودةٌ و متصلبةٌ مسرومةً على وجهه ، عيونه تتحرك دون أن تحدد هدفاً و قلبه ينبض بسرعةِ عدّاءٍ أولمبي اشتُرِط عليه أن يقطع كيلومتراً في عشرِ ثواني…

ولكن فجأة و على غير توقعِهِ هدأ كل شيء ، شعور دافئ لمس ظهره و امتد حتى وصل قلبه و كأنه يريد أن يحتويه و يكتنفه.

لم يكن يسأل و إن سأل فلا يريد جواباً ، فهو يعلم…
زوجته كانت تأتيه من الخلف و تسند رأسها على ظهره و تلف ذراعيها الطاهرين إلى قلبه.

كانت دموعه تسيل بهدوء و قلبه ينبض ببطئ ، لن تميز على وجهه شعور الفرح من شعور الصدمة من شعور الإمتنان. كل تعابيرِه و مشاعرِه انصهرت في شكلٍ واحد. شعور السلام.

الروح تزور أهل الأرض تحت ظروفٍ و حالاتٍ معينة… و روح زوجتِه لم تأتي وحدها ،فقد أتى معها زائر ، حينما نظر إليه وجد رجلاً جسيماً ، نبيل الملامح ، حسن الثياب. لم يستطع تمييز ملامحه فعيونه كانت مليئة بالدمع و نظره أصبح ضبابياً لكنه أستطاع تمييز ابتسامةٍ على وجه هذا الرجل ، ابتسامةٌ مسالمة و هادئة. أغمض عينيه مسترسلاً بالذكريات و رد الإبتسامة لضيفِه ، و ثم نزلت ستارةُ المسرح ، أغلقت المحلات أبوابها و أطفأت دور السينما أضوائها و معهم انطفأت روحه ، كما يطفئ طفلٌ شموع عيدِ ميلاده ، كما انطفأ آخر عود ثقاب بيدِ الطفلة بائعة الكبريت ، لكنه لم يرحل للفراغ أو الظلام كما كان يظن ، بل غمره السلام و النور و هو يعلم أن كما فرّقه الموت عن زوجتِه فقد جمعه معها بكل كرمٍ و إحسان.

* * *
(بعد يومين ، الثاني و العشرين ، ديسمبر / 20xx)

جاء أحد جيرانه لزيارته ، دق الباب عدة مرات و لكن أحداً لم يفتح ولن… أراد جاره الرجوع و لكنه علم أنه منذ أن دخل أمجد على منزله منذ يومين لم يخرج من العمارة ، فلم يراه أحدٌ طيلة يومين و لم يعتادوا عليه ذلك ،استدعى الرجل بقية الجيران و أخبرهم شكوكه فما كان منهم إلا أن اقتحموا عليه البيت ،بحثوا عنه حتى وجدوه عند باب الحمام ، مستلقياً على بطنه و يده اليمنى ممدودةٌ للأمام كمن أراد أن يصافح أحدهم ، كان جذع شجرةٍ يابس و وجهه عليه ملامح طفلٍ نائمٍ بعد ليلةٍ طويلةٍ من البكاء… والإبتسامةُ موجودة لم تفارقه.

حينما حملوه حتى يسعفوه لاحظ أحد الجيران شيئاً غريباً. كان شيئاً محترقاً في حوض الاستحمام و تنبعث منه رائحةٌ عطنة ، كريهةٌ جداً ، رغم الرائحة السيئة ، فضول الرجل دفعه لينظر ، اقترب أكثر حتى حمل الشيء من مكانه ، كان شيئاً كالبطاقةٌ و فيها ملامح لوجه : “إنها صورة” ، قال في نفسه : “ص…صورة لأحدهم و كأنه…طفل ؟”. الرجل أمعن النظر فيها لبرهة ثم… ملأ الرعب قلبه ، دون تردد رماها مكانها و خرج ليذهب مع بقية الجيران….

تقرير الطب الشرعي بإختصار كان أن المتوفى مات بسببِ سكتةٍ قلبية دون سببٍ واضح لها.

المحقق الذي زار المنزل بعدها قال أن لم يجد شيئاً في موقع الذي وجدوا فيه المتوفى سوى صورةٌ محترقة في حوض الاستحمام لطفل… مشوه الملامحٌ ، لطفلٍ يصرخ و يبكي بعنف و كأن عفاريت الأرض تقف أمامه و يمد يديه كأنه يريد الهروب من الصورةِ نفسها…

النهاية …

تاريخ النشر : 2021-07-25

مقالات ذات صلة

12 Comments
Inline Feedbacks
شاهد جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى