أدب الرعب والعام

تائه

بقلم : منى شكري العبود – سوريا

حلقت ذاكرتي تقلب ستة عشر عاماً قاحلة على مهل
حلقت ذاكرتي تقلب ستة عشر عاماً قاحلة على مهل

 
تعالت صرخات زوجتي ألماً ، بينما لساني يلهج بالدعاء ، أنها الساعة الثالثة عشر لها من آلام المخاض المتواصلة ، لعل الأمومة تعاقبها على حرمانها لي من الأبوة قهراً، حلقت ذاكرتي تقلب ستة عشر عاماً قاحلة على مهل ، دمعة نامية شقت طريقها على خدي لتجلد بسياط ألمها حرماناً يعقوبي كاد أن يطفئ بصيرتي ، لم يفتر لساني عن طرق أبواب السماء ، توجهت عيناي إلى من كان سبب حرقتي ، ترشقه بسهام الحقد والبغض ، أنه يوسف ولد زوجتي ! ، دخل منزلي رغماً عن عائلتي يتيماً أبن العشرة أعوام ، لم يعرف كرهه في قلبي مكاناً حينها ، بل أحببته بشدة ، إلى أن أشعلت زوجتي بيني وبينه فتيل الغيرة بتفضيله الدائم عليّ ، لأدرك قبل عام من الآن أن ليست الغيرة هي السبب ، أنما شعور داخلي أخبرني أنه السبب بحرماني من الأبوة ،

فزوجتي التي كانت تقنعني طوال الوقت أن العقم متأصل بجذوري ، فعمي لم ينجب وعمتي كذلك إلى أن استسلمت لأقوالها ، و علت عيناي غشاوة تردم عني ركام الحقيقة، أدركت أنها فعلت ذلك بغية أن يظل يونس وحيدها و مدللها فهذا وعد قد قطعته عليه قبل زواجها بي ، ضاربة مشاعري و إحساسي بالنقص عرض الحائط ، و منذ ذلك الحين و أنا أكرهه أيما كره رغماً عني ، و قد طردته من منزلي ؛ فجأة شقت صرخات طفلي يعقوب طريقها إلى قلبي، تعالى صوت بكاءه كما تعالت ضحكاتي فرحاً بقدومه ،

توجه يوسف نحوي يبارك لي بلقب الأبوة الذي كدت أموت شوقاً له ، تجاهلت وجوده معطياً له ظهري ، خرجت الطبيبة بطفلي تبارك و زغردتها ملئت أركان المستشفى ، اقترب يوسف راغباً بحمله لكنني لم أسمح له ، مرت ثلاث ليالٍ لم أذق فيها طعم النوم ليلاً بسبب بكاء الصغير المتواصل ، كان قلبي يتقطع لمرآه باكياً بينما أقف فوق رأس زوجتي الباكية عاجزاً ، لم يخطر لي أن طفلي كان يتألم ، في هذه الليلة تجهم وجه يعقوب وغدى أزرقاً ، شهق بطريقة أرعبتني ، حملته وهرولت مسرعاً حافي القدمين إلى المستشفى، ألقى الطبيب في وجهي كلماته كسياج يطوق عنقي:

 
– أنه بحاجة إلى حضانة فوضعه لن يتقبل العلاج الدوائي ، و في المستشفى الحكومي لا مكان له ، سيكون عليكم الانتظار، كما أنه لا يمكنكم الانتظار فحياة الطفل في خطر، يجب نقله إلى مستشفى خاص في أسرع وقت ممكن.

احتقن وجهي بالدماء ، غدت الدموع تتزاحم في محجري يلوذوا بالفرار من جائحتي ، حالتي المادية لم تكن تسمح لي البتة بنقل يعقوب إلى مستشفى خاص ، عدت إلى المنزل أفكر بما عليّ فعله ، لم يهدأ بكاء ولدي بينما أنا جالس فوق رأسه أبكي قلة الحيلة ، صرخت زوجتي ترجوني:

– أرجوك أفعل شيئا ً، ولدي سيموت، لا تجلس هكذا و تضع يديك على خديك ، قم و أفعل شيئاً.

خرجت من المنزل مثقلاً بهموم وأوجاع كادت تقتلني بذبحة صدرية ، طرقت باب والدي أولاً، لكنه كما توقعت أوصد بابه في وجهي يشتمني لذنب لا يُذكر ، أنني تزوجت أرملة و لديها طفل لا يرغبون بهم ، لم أكتسب أجر تربية اليتيم لبغضي ليوسف، و أغضبت والداي ، هل القدر يعاقبني ؟، طرقت جميع الأبواب ، بكيت ، رجوتهم ، قبلت الأيادي لكن لم يفلح ذلك بتلبية طلبي خوفاً من غضب أبي أن يحل عليهم ،

غدوت أركض باكياً تائهً ، عدت إلى منزلي خاوي الكفين ، أجر أذيال الخيبة ورائي ، وقفت على عتبة الباب ، أدركت أنني لا أحمل مفتاح المنزل ، طرقت الباب كثيراً لكن لم يجب أحد ، مرت ثلاث ساعات ببطء مميت ، جلست أرضاً ، عقلي يجوب كل فأل سوء في الأرض ، عله يدرك ما دار خلف هذا الباب فترة غيابي ، إلى أن مر جارنا أبا سالم ، غلفت ملامحه المفاجأة ، سألني بدهشة:

– ماذا تفعل هنا يا أبا يعقوب ؟، كيف حال طفلك؟.
أجبته بيأس:

– ينتظر رحمة السماء ، بل أنني لا أعلم أن لا زال حياً حتى الآن.
وعدت أطرق الباب بشدة ، أردف بدهشة:
– ما بالك يا أبا يعقوب ، ليس في منزلك أحد ، الجميع في المستشفى ، ألم تكن معهم؟.
سألته بدهشة:
– من الجميع ؟.
أجابني باستغراب:

– زوجتك و طفلك يعقوب و ولد زوجتك يوسف.
وإذا بأحدهم يناديني من خلفي (أبي…أبي) تلك الكلمة التي لم أستحقها منه يوماً ، أنه يوسف يطل علي بوجه مبتسم كعادته ، يبشرني كما كان يبشرني بالخير طوال عمره:
– أن يعقوب بأفضل حال يا أبتي.
ضممته إلى صدري ، بكيت أرجوه أن يسامحني، فقبل يدي يرجوني أن أكف عن البكاء ، باغتني بابتسامة عريضة:
– هيا لنذهب إلى المستشفى فيعقوب والمباركين ينتظرونك.
– لم أفهم مقصدك، من المباركين؟.
– هيا يا أبتي لا وقت لدينا.

ذهبت بصحبته إلى حيث ولدي ، استقبلتني زوجتي بضحكة بشرتني بالخير، بجانبها تقف والدتي وأخوتي يباركون لي بالمولود الجديد ، بينما يربت والدي على كتفي بيده ، قبلت يديه بفرحة ، باغتني قائلاً مشيراً إلى يوسف:
– والله إنه لخير الناس ، بارك الله لك به يا ولدي و جعل ولدك مثله.
نظرت إلى يوسف وإمارات التعجب تغلف وجهي، تباغتني أمي قائلة:

– أن يوسف من أنقذ حياة والدكَ بعد تلك الحادثة التي تعرض لها ، كما تعلم أن زمرة دم والدك نادرة ، و كان يوسف يملك ذات الزمرة و كان أمل والدك الوحيد بالنجاة ، لم نكن نعلم أن يوسف هو ذات الطفل الذي رفضنا يوماً أن يكن أحد أفراد عائلتنا إلا في هذا اليوم، و لكم ينهشنا الندم ، والله أنه خير ما رأيت.

عانقتني أمي بينما عيناي تعانق يوسف تشكره على فضلاً لن أنساه له ما حييت ، دخلت إلى ولدي نظرت إليه كثيراً ابتسم بملائكية أبهجت فؤادي.

النهاية ….

تاريخ النشر : 2021-05-20

مقالات ذات صلة

11 Comments
Inline Feedbacks
شاهد جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى