أدب الرعب والعام

جاءتنا امرأة

بقلم : محمد بن صالح – المغرب
[email protected]

سكينة، فاتنة الجامعة بأنوثتها الفاقعة، تملك قوامًا أجمل من معظم تاريخ مدينتي.. عيونها يُطِّل منهما إبليس ويدعوك لمرافقته إلى الجحيم، وشفاهها الطرية تدفع البابا لرميِّ بقداسته. تلكم سكينة التي أغرتني بخطايا جسدها، الذي بدت لي فيها الدنيا كمنتزه يسحر الألباب.. كنا على علم بأننا أبعد ما تكون علاقتنا عن شيء يسمونه الحب، ولا بأجواره حتى؛ إن هي إلا لعبة الكبار التي نخوضها بلا هوادة.. وفي كل ليلة صبيحة عطلة، تجيئ إلى كوخي، أقصد شقتي، فأُضرم لها سجارة في فمها، وتفعل بدورها، وأضع على شرفها قنينة خمر فاخرة تجعلني أُفلس في الصباح، وأسكب لها ولي كأسًا، وأستمع إلى ما في جعبتها من أحاديث تمتزج مع أمارة السُكْر، وجمالها يتصاعد في سُكرها.

– أنا هكذا أريد نفسي يا عصام، متحررة من العرف المتخلف.

أرد عليها في خيالي: “وأنا هكذا أريدك يا سكينة، أن تنقلبي على كل عرف ودين، وجسدك وجبة تُشبع الوحوش”.

– أشعر أني بخير، ما عادت فكرة الزواج تطرق مخيلتي، ولا أفكر في رجل أقضي معه بقية حياتي، ويتقطع بطني لألد له ولدًا، ثم ليُفنى حسني وجمالي من أجل ذكر لا يستحق.. الرجل ليس مهمًا في حياة المرأة يا عصام.

تُتِّم جملتها الأخيرة وهي تحاول فتح قنينة ماء بمشقة، ولم تُفلح.. ثم مددتها إليّ لكي أفتحها لتشرب. فكرت: هذه البلهاء بالكاد تتحدث عن اللاأهمية للرجل في حياة المرأة، وها هي بحاجة لمساعدة رجل من أجل جرعة ماء!.

– لكنك يا عصام صديقي المقرب، الذي أريد أن أقضيّ معه وقت ممتع كيفما أشاء، بلا قيد ولا شرط. أتدري في المستقبل أطمح للانضمام لمنظمة “الفيمنست”.

وتكشف على ساقها الجميل وتمتد على الأريكة.. أشرب ما تبقى من كأسي دفعة واحدة.. أفكر أنها تعيش ضياع الشباب ولا تدري ما تكون، وتحاول أن تسلك كل السبل أمامها، وإحدى تلكم السبل أوصلتها إليّ.

– فلتحيأ كل متحررات الدنيا يا سكينة، عاشت كل “فيمنست” تدافع عن حق المرأة في عيش حياتها.. وعاشت هذه الساق التي تستحق شاهد على قبرها يوم تموت، أكتب عليه بخط يدي: هنا ترقد أجمل ساق مضت على وجه البسيطة.


فتعاقبت الأيام والأشهر، وبدرت في الترجل رويدًا رويدًا عن صهوة خطايا جسد سكينة، حينما أدركت بوجود من يشاركني في مص العسل، واستقبحت الشراكة مع غيري في هذا الجسد المليح، وعابرت من الباب الخلفي ناحية استعادة نفسي وأين تراها تُركت آخر مرة؟. ما كان الابتعاد عن سكينة هينًا، إلا أني كالمستيقظ بمشقةٍ في صباح صقيع وجنون الزمهرير، وينتظره يوم عمل طويل، فيلقى نفسه أمام حالين؛ العودة للنوم الجميل، وبعدها يطرد من العمل، أو اخماد رغبته الملحاحة للفراش والتوجه إلى منفعته.

***

معاذ، شاب صادقته لسنوات، إنسان لم يكمل تعليمه، إلا أنه عمل بجدٍ في حياته واستدرك افتقار ثقافته. عظم شأنه لديّ بعدما انتشلني من ضائقة مالية كادت تدّلني على طريق السجن، ومنذئذ قطعت وعدا على نفسي، أن أحمله على رموش عيناي لو حدث يومًا احتاجني فيه… إنه صاحبي الوحيد في هذه البلاد، أشاركه سعادتي وشقائي، كما يفعل هو، وبدا مآل صداقتنا ما حيّينا. ذات يوم جاء يُطلعني عن علاقته بفتاة حسناء، تدعى، سكينة، واشتعلت عيناه اعجابًا فظهر في نشوة وهو يحكي لي عن هذه الفتاة، التي سأكتشف فيما بعد هويتها، التي لم تكن عدا سكينة التي أعرفها.. فأي ريح هوجاء قذفت صاحبي الرزين إلى تلك البلهاء؟ وأتت أيام ملؤها ذكر سكينة لدّن معاذ، وصار يحمل إليّ عن نبئها، وكيف تكون لقاءاتهما، حتى ترتجف شفاهه في التفوه باسم سكينة، وبات ظاهرًا أنّ صديقي يذوب هيامًا في غرام عاهرة، وهو الذي لا يدري عن ماضي سكينة المجيد، التي اختبرت أحضان زملائها، أولهم، جنابنا الموقر.. إلى أن جاءني بالخبر السعيد، أنه وبحول الله تقدم لخطبة سكينة، التي وافقت مع أهلها والعرس في الصيف الآتي! معاذ يحكي لي بسرور، وأنا شارد أحاول أن أستوعب مما يقوله، وأُقنع حالي أن خطيبته حقًا هي سكينة التي تجد الزواج غاية لا ترجى إلا لدّن المتخلفات، فماذا جرى بحق صفاء نيّة صاحبي؟.

معاذ تبتسم له الحياة في عيون سكينة، وينتظر يوم تجتمع جواربهما في غرفة واحدة، وأنا أتمنى أن لا يأتي ذاك اليوم أو ليتأخر أكثر وأكثر حتى ألقى كيف بي أوقف مشية صديقي الحثيثة إلى أسرة فاسدة تنتظره في الجهة المتوارية من حياته؟ سكينة وإن كانت تملك منظومة راجمات الأنوثة؛ عدا أنها بعد السماء عن الأرض لأن تكون زوجة صالحة، وما زلت أتذكر كلامها عن الزواج والرجال، وهي تردد، وإن حدث وتزوجتْ يومًا، فلن تصبو لتكوين أسرة، بل تجربة أخرى وستضجر بعد حين وتُنهي الأمر. ففكرت أن الراقصة في عمرها لا تنسَ كيف يُهز الخصر، ولا أقبل لصاحبي عروس نامت في حُضني، وهذا أكثر ما يحزنني، فقد أتغاضى عن الباقي، إلا عن ذاك، فلا أقدر.. إلا أنه عظم عليّ البوح لصاحبي.. حاولت ودفعت نفسي لقولها، وأبى لساني على تمرير تلك الكلمة التي ستحرق شفتاي لا ريب.. فوّزن لساني في فمي زنة الأطنان، وتركته هناك يُشّل إلى أن يسأم من تمرده ويطاوعني، وانصرفت إلى مجابهة نفسي، ولقيتُ فيها اثنين يتخاصمان فيما بينهما، واحدٌ يُلوِّح بعزم أن أدع معاذ يمضي في زواجه بسكينة، وأضمر ماضيها معي في مقبرة ذاكرتي.. وآخر يُمانع صمتي وترك صاحبي في سبيل قد يلقى فيه حتفه.. فصدقت الثاني، وحزمت أمري على الوقوف في وجه تلك الزيجة وأن أجعل معاذ يرتد من حب سكينة، إلا أني لا أدري كيف؟ ففكرت، أن لا أُباشره بماضيّ مع سكينة، وأقتصر عن وضع حبيبته في سبكها الصادق، الغافل عنه صاحبي التائه في ظلال الغرام.

***

بانتظار معاذ في المقهى المعتاد، ومعي بضع أقوالٍ حارقة أرقتني لليالٍ وأربكتني لأنهرٍ، ودقت ساعة أن أُلقيّ بها، وليسمعها مني معاذ، وبعدُ فليأتي الطوفان.

– سكينة يا صاحبي.. لا تصلح لك زوجة، ولا حتى أن ترافقها في الطريق!

لقد نطق بها لساني في الأخير، وشعرت بطمأنينة تبسط في جسدي، بينما معاذ ينظر إليّ بذهول، كما لو سَكبت عليه – بغتةً – مياه باردة.

– ماذا؟

سُحقًا، سيكون عليّ تكرارها مرة أخرى !

– كما تسمعني، يا معاذ.. منذ أن أخبرتني بعزمك الزواج من سكينة، وجدت نفسي أبحث عن كيف أخبرك بحقيقتها.

– وما حقيقتها التي تعرفها؟

– كانت زميلتي في الجامعة، وزمالتها جعلتني أتعرف عليها عن قرب، ولم ألقَ فيها، عدا بنت لعوب كثرت علاقاتها مع الشباب.

المسكين، لاذا في الصمت وهو يراقب المارة.. تُرى فيما يُفكر؟ أتساءل، بينما أتهيأ لمعاينة أضرار ما أفصحت عنه.. صمته الغامض يجعلني أرتاب من رد فعله القادم.. التفت إليّ على حين غرة، كأنه تذكر أني هنا.

– لا أدري ما الذي جعلك تتحدث عن سكينة هكذا؟ أتظنني صبيًا غريرًا، ينجر وراء كل ما يسمعه؟

الظاهر أن هذا المتعوس لا تشوبه نيّة ليُصدقني.. ثم أخذت منه مهلتي في الصمت، حتى وجدت ما سأقوله.

– ألم تسمعني.. كانت زميلتي في الجامعة، واسأل عنها، وإني لصادق يا صاحبي.

– سمعت منك ما يكفي، والآن سأرحل.

– إياك والاسراع بالزواج منها.. دع الزمن يكشف لك عن غطائها المفضوح، ألا وهو الجمال يا غافل.

رحل.. رحل في ضجر بادئ على محياه، وما كان ينتظر مني ما سمعه للتو، ولولا عشرته لما أقدمت على ذلك.. وها قد تنفست الصعداء، والراجح سيسأل عن ماضي سكينة، ليسمع أعظم مما سمعه مني، وهو الذي لم ألق له شجاعة لقوله، ولربما أحتفظ به كورقة أخيرة بحوزتي؛ إلا أني على ريب بأنها ورقة رابحة، فقد تحرق صحبتنا.


ذات ليلة، وبينما أتقلب على الأريكة في ملل قاس، وأتابع على التلفاز فيلمًا غامضًا كأحلام نعاس بعد العصر، لم أفهم منه عدا أن البطلة تُدعى سوزان، وإذ بي أسمع دقات على الباب، وقمت له مجبرًا لا مخيرًا خشية أن يكون الطارق ذي أهمية.. فتحت بابًا لألقى في وجهي معاذ بنظرات لا تُطمئن.. ففسحت الطريق آمرًا له بالدخول، وبخطوات بطيئة يقصد ناحية أريكة البهو، بينهما أُغلق الباب وأفكر بالذي جعله يحضر عندي ويُخالط ملل ليلتي. جلس معي يشاركني متابعة فليم سهرتي غير المفهوم، قبل أن يستدير إليّ قائلا: ” ما زلت تشرب؟” وعاد ينظر إلى قنينة الخمر المنتصبة وسط المائدة، ولم يرحني هذا السؤال منه، كأنه يُمهد ويُفَرش لقول شيء ما؟

_ أجل.. ما تزال تلك القنينة تجالسني.

– وهكذا لن تتبدل أحوالك.

– أهذا ما جعلك تأتي لقوله؟

صمت لبرهه.

– بل جئت أقول لك، أني وصلت للحقيقة في علاقتك بسكينة، وكل الذي دفعك يومذاك لتمس في سمعتها.

أقال سمعة؟

– وبعدُ، ترى عن أي حقيقة وصلت إليها؟

عاد لكنف صمته، لربما يُفكر كيف يبدأ في اطلاق العنان لما يحمله لي هذه الليلة.

– لم يخب ظني في سكينة، إلا أنّ الظن خاب فيك أنت دون سواك! لقد علمت أن سكينة رفضت تقربك منها في الجامعة، وكيف كنت تُهرول وراءها بينما لم تعرك اهتمامها، ولأجل هذا قلبك عامر بالحقد ناحيتها، ما جعلك تؤلف الأكاذيب عنها.

لم ألق ما أقول عدا سؤال واحد: “من تقيأ عليك هذا الهراء؟”

– منذ ذلك اليوم الذي مسّستَ فيه بسمعة خطيبتي؛ جعلتني أشك حتى من كوني نفسي.. وذهبت أبحث في أقوالك المزعومة، ولم ألقَ لها أثر.. ولمجرد أن أطلعت سكينة بأنك صديقي، لأرى ماذا تعرف عنك؛ فكان الذي يعرفه كل الشعب، طائش زير النساء يشتكي منه كل من جاوره، وختمت معرفتها بك؛ بكيف كنت تركض خلفها لإغواءها ولم تفلح في مسعاك.. وهكذا اكتملت الصورة عندي.

أهو الحب الذي جعله يهذي؟ لم أقدر على تصديق ما يتفوه به هذا الذي يجلس إلى جانبي!، وبدا أن سكينة جعلتني غداءً لها قبل أن أتعشى بها.. فكرت أن هذا ليس صاحبي الذي أعرفه بالأمس القريب، وما كان هو الذي أُبصره الآن، إنه إنسان آخر على شبيهة خارقه من معاذ، خرج من آلة طباعة البشر، فأعيدوا إليّ النسخة الأصلية.

– وصدقتها؟

– أجل، كيف لا أفعل، وأنا أكثر العارفين بك يا عصام، وأعرف أين تقضي ليالك الحالكة.

لقد انتهى الأمر.. وما عدت أطيق رؤية هذا الكائن بجانبي، إلا أني تمالكت نفسي، وقررت أن أرميّ بآخر ورقة أملكها، وبعدُ سأدله على اتجاه الباب.

– حسنٌ يا معاذ، يمكنك تصديق من تشاء بيننا.. وقد أجد لك عذرًا، فالحب قد زارك أول مرة بعد غياب، وسرق منك بصيرتك وأطال لسانك عليّ.. وآخر كلامي، أن سكينة تلك مرت من هذه الشقة، ولو كان لتلك الساعة في الحائط لسان؛ لأخبرتك كيف كانت سيقان سكينة يُزينان هذه الأريكة المهترئة التي تجلس عليها الآن.. في هذه اللحظة أرحت نفسي من عذاب ضمير كان ليرافقني في هذه الدنيا.. ولا أوّد سماعة كلمة أخرى منك، فلترحل، وإليك عني ما حيّيت، فقد صدقت عاهرة وكذبت رجلاً.

ورحل بسرعة وقد صفع الباب وراءه.. وفي ذاتها لحظة انتهى الفيلم على التلفاز، واسودت الشاشة وتطلع منها السطور البيضاء، كأنه تجسيد لم وقع للتو.. أطفأت التلفاز، وفكرت أن عاهرة أخذت مني صاحبي.

***

– في صغرك، أكان لك صاحبًا عزيزًا يا أبي؟

تسألني ابنتي، وتنتظر جوابًا من والدها.. فانطلقت أنبش في مقبرة ذاكرتي، حتى استخرجت منها جثة تعود لشخص اسمه معاذ.

– كان لي صاحب عزيز يا ابنتي، يدعى معاذ.

– أين هو الآن؟.

– في مدينة أخرى.

وإذ بفضول عظيم يستحوذ عليّ لمعرفة ماذا حلّ بمعاذ بعد أن تعاقبت السنين.. ولم أقدر على مهاتفته وأكشف له من أكون، وأخذتُ أقلب في كناشتي العتيقة، بين صفحاتها المجعدة على أرقام هواتف لأشخاص على معرفة بي وبمعاذ، وسقط اختياري على زميل في أيام الجامعة، لعلّه ما يزال يعيش في مدينة معاذ ويعلم على حياته. رفع السماعة، وغدق عليّ بالترحيب، وبعد السؤال عن الأحوال واستذكار مدرج الجامعة وبقية الزملاء، في جو ممزوج بصوت ضحكات على مواقف، ليتها تُعاش من جديد.. ثم أجد نفسي أسأله عن معاذ، فيرد ” عن أي معاذ تسأل؟” حتى دُلته عن الشخص المقصود، أو اعتقدت ذلك، فصمت لبرهة، كأن أوراق ذاكرته تتقلب، فقال: “أولا تعلم؟”

– لا علم لي بحاله منذ أن تزوج.

– معاذ في السجن منذ بضع أشهر!.

– أقلت سجن؟!.

– بلى، في السجن.. لقد اُتّهم بقتل زوجته!

لكأنه سكب عليّ وعاء ماء بارد.. قبل أن يردف السبب الذي أدى بمعاذ لتصفية زوجته، فكانت الخيانة الزوجية، فسكينة احترمت منطقها ولم تتمرد عليه، وعشيري القديم تكفّل بإصدارها إلى عذاب القبر.. فقررت زيارته في السجن، أن أشاركه مصابه وابتلاءه، فعِشرته القديمة تدفعني إليه.

حتى ذات قيظ زوال، في يوم سطعت فيه الشمس أكثر من المعتاد، وجدت نفسي في عالم مسلوبي الحرية، وفي يدي تصريح بزيارة مسجون، وأمشي بتؤدة في دهليز طويل، إلى أن بدت لي رعب ملامح إنسان، فيها القليل من صاحبي معاذ، جعلتني أتعرف عليه.. وصرنا في تبادل للأنظار.

***

بعد أن نطقت العبارة الأخير من القصة الخيالية، صرنا نتناظر أنا ومعاذ، ثم يطرق برأسه منصرفًا إلى تفكير عميق.. لا ريب أني أفلحت في مرادي؛ أن أُفسد عزمه الزواج من سكينة، لا لشيء؛ عدا صحبته التي أرقتني وأنا أنكب باحثا عن إيقاف خطواته نحو أسرة نتنة.

– ما هذا الذي سمعته للتو يا عصام؟

– قصة.. قصة قصيرة ألفتها من أجلك، حتى أجعلك تتخلى عن فكرة الزواج من سكينة، وللمرة الألف وواحد، أقول لك، إنها لا تصلح لك يا صاحبي.

– وللمرة الألف واثنين، أقول لك، ما أدراك أنها لن تتغير؟

– ما عاد بحوزتي ما أضيفه عن هذه الورقة التي كتبت عليها القصة.. أريدك أن تأخذها معك، وافعل بها ما تشاء، فليكن حتى أن تمدها لأول سلة قمامة تصادفها في طريقك.

خرج معاذ وأخذ معه الورقة التي عليها القصة، حتى وصل عند صدع الباب، والتفت إلي قائلا: “شكرًا يا صاحبي”، ثم أغلق الباب بهدوء، ومضى في حال سبيله.. في الغد عاد إليّ صاحبي الذي أعرفه.

***

صرنا نتبادل النظرات ثم نطرق مع بعض.. شحبت الحياة في بصره، وفقدت المعنى والقيمة، فما عاد للنهار غد منتظر. لا أسفا بعدُ يا صاحبي، وقد وقع الفأس على رؤوسنا.. لذاك الذي ترك جيش من الطيبات، وقيّد خياراته في مثلث الخبيثات، هو الحب الأعمى الذي دلّك في طريق، بل والأخرس وكل العاهات، فطوبى لمن وقع هوى قلبه على الذي يستحق نيل هواهُ.

خطوت ناحية تلك القضبان التي تفصلني عن صاحبي الذي اكتسح الفراغ حياته، وحُصر في هذه الرقعة الباردة وراء الأقفال.. لم ألق ما أتفوه به، ولا كلمة لأواسي مصابه، وتخفيف من وطئة رعب القرون التي سيقضيها هنا.. فبكى!. دستُ يدي في جيبي، وأخرجت منه ورقة مطوية بعناية، كتبت عليها قصةً، ومددتها لصاحبي من بين القضبان، قائلا بصوت مبحوح خنقته إرادة مشاركته في البكاء : “حاولت جاهدًا انقاذ صاحبي في الواقع، ولم أُفلح، فأنقذته في الخيال”.

وعدت في حال سبيلي، أُفكر كيف جاءتنا امرأة، وسرقت صُحبتنا.

لذاك الذي ترك جيش من الطيبات، وقيّد خياراته في مثلث الخبيثات، هو الحب الأعمى الذي دلّك في طريق، بل والأخرس وكل العاهات.. فطوبى لمن وقع هوى قلبه على الذي يستحق نيل هواهُ

اقتباس

مقالات ذات صلة

26 Comments
Inline Feedbacks
شاهد جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى