ألغاز تاريخية

جاك السفاح : هل حل اللغز يكمن في قبر غامض

بقلم : ياسمين رحمي – مصر
[email protected]

إذا انحرفت عن الطريق في أحد شوارع مدينة بريسبان في استراليا وساقتك رجلاك إلى عمق الأرض الهادئة على جانب الطريق لربما تعثرت بمقبرة معينة، وهذا يفسر الهدوء الذي يعم المكان وخلوه من الناس، باستثناء الزائرين القلائل الذين جاؤوا لوضع الورود بجانب شاهد القبر التابع لأحد أحبائهم، وهؤلاء يجيئون في صمت ويمضون في صمت. ومن ضمن تلك الشواهد شاهد غريب، كُتبت عليه عبارة “دفن إلى جوارها زوجها” فما قصة هذا الشاهد؟

القبر يعود لرجل يُدعي ” والتر توماس بوريوت” دُفن في مقبرة بريسبان. وقد تعرض القبر للتخريب عدة مرات في السنوات الأخيرة، لم ومن أو “ما” الفاعل؟ لا أحد يعلم.

blank
شاهد القبر غريب .. لا يحمل اسم المدفون بل اسم زوجته .. كتب على الشاهد : “بيسي ماتت في 25 حزيران 1957 .. وزوجها” .. من دون ذكر اسم الزوج .. والقبر يتعرض للتخريب باستمرار

والتر هذا كان طبيبًا جراحًا أسترالي الجنسية عاش في القرن التاسع عشر وقد ذهب إلى لندن وأقام هناك 10 أسابيع تقريبًا وغير معروف الهدف من الزيارة، إذا كان قد أُستدعى لمهمة طبية مثلًا…

ما إن وصل صاحبنا إلى لندن حتى بدأت الظواهر المرعبة والغامضة في الحدوث بشكل سحري… وأعني بالظواهر سلسلة من جرائم القتل البشعة ، بينهم عاملٌ مشترك وهي مهنة الضحايا، فهن جميعًا كن مومسات. العامل الآخر المشترك هو أسلوب القتل الذي ينم عن شخص نيق للغاية، فالجثث كانت مشوهة ومقطعة بشكل دقيق جدًا، كما لو أن السفاح شخص مطلع ومثقف، يعلم الكثير عن علم التشريح والطب…

في إحدى الليالي الحارة ، إذ استعد شهر أغسطس للمغادرة عام 1888 ، تم العثور على سيدة مقتولة في وايت تشابل، جسدها كان مشوهًا بشكل ملفت، واتضح بعد التشريح والتحقيق أن الجثة تعود إلى ماري آن نيكولز ومهنتها البغاء…

المنطقة التي وجدت بها الجثة هي من المناطق الفقيرة في وايت تشابل، وتلك المناطق كانت مليئة بفتيات الليل، إذ أن الخيارات تكون معدودة عندما تصيح البطون من الجوع والجفاف. لم تعاني فتيات الليل فقط من المهانة والعمل الدنيء والمعاملة السيئة من الزبائن، بل ظهر أيضًا هذا الخطر المُحدق، وهو احتمالية التعرض للقتل والتمثيل بالجثة في كل ليلة…

blank
صور الضحايا الخمسة

بعد ماري قُتلت أربعة فتيات أخريات جميعهن قُطعت حناجرهن وشوهت بطونهن وأُزيلت أعضائهن الداخلية بحرفة عالية كما لو أن الفاعل جراحًا محترفًا. ألا يذكركم هذا بشيء؟

مع هذا النمط المتكرر بدأ يعتقد البعض أن الجرائم ليست متفردة، بل متصلة ببعضها، وانتشرت هذه النظرية كالنار في الهشيم مع وفود شهر سبتمبر، ومما أكد ذلك الاعتقاد رسائل عدة أُرسلت إلى وسائل الإعلام وجهاز شرطة لندن سكوتلاند يارد من شخصٍ مجهول، ودل محتواها أن المُرسِل ما هو إلا القاتل.
من ضمن الرسائل رسالة أُطلق عليها اسم “من الجحيم” أُرفقت بنصف كلية بشرية محفوظة ويُعتقد أنها ربما تعود لإحدى الضحايا. وهنا أصبحت الشرطة في مواجهة “قاتل متسلسل” محتمل أو كما نطلق عليه في الدول العربية “سفاح”. ولكن هناك آخرون اعتقدوا أن الرسالة ما هي إلا مجرد خدعة، حيلة قام بها أحد الصحفيين مثلًا لجلب الاهتمام بالقصة وبيع المزيد من الصحف.

blank
سفاح تربع على عرش الرعب في تاريخ الغموض والاجرام مع ان هناك سفاحين اخرين عبر التاريخ تفوقوا عليه بكثير في عدد الضحايا وبشاعة الجرم

برغم الجهود المبذولة للعثور على أدلة كافية لإدانة القاتل إلا أنه استطاع الإفلات من قبضة الشرطة والعدالة وما بقي غير الظنون بناءً على المعطيات المتاحة، إلا أن الشكوك دارت حول شخص بعينه برغم انعدام الأدلة وهو “والتر توماس بوريوت” لعدة أسباب، منها مهنته إذ أنه كان طبيبًا جراحًا وأن الجرائم بدأت عند وفوده إلى لندن وتوقفت حال مغادرته، والسبب الذي أراه الأهم هو تصريحاته بشأن العاهرات وكرهه الشديد لهن.

أُطلق على السفاح الغامض سواء كان والتر أو غيره “جاك باقر البطون“.

ومازالت القصة رائجة حتى يومنا هذا ومازالت مؤثرة كونها من أكثر القصص غموضًا ووحشية حتى إنه قد تم إنتاج فيلم سينمائي يتناول قصة “جاك باقر البطون”.
في الفيلم تولى المفتش “فريدريك إيبرلين” مهمة الكشف عن الجرائم وملاحقة المجرم لكنه كلما غاص أكثر في تفاصيل القضية كلما تاه أكثر وشعر بالعجز.

blank
فيلم “من الجحيم” انتاج عام 2001 قام الممثل جوني ديب بتأدية دور المحقق فريدريك ايبرلين

مما يثير الاهتمام في شأن ” فريدريك ” إنه كان مدمنًا للحبوب المخدرة، وتلك الحبوب كان لها تأثير غير اعتيادي، فهي برغم ضررها إلا إنها أخذته إلى عالم مختلف، عالم تعدى حدود الإدراك والواقع المعروف، بمعنى إنه حينما غاب عن الوعي وكان تحت تأثير المخدرات رأى ما يبدو إنها هلاوس، أشياء غير منطقية، أماكن لم يذهب إليها وأحداث لم يحضرها ومشاعر فياضة لم تكن له، وتبين بعد ذلك إنها لم تكن هلاوس إنما أشياء حقيقية، بطريقة ما هذه الحبوب كانت بوابة “فريج” إلى عوالم أخرى خفية عنه إذ أصبح خفيفًا كالريشة باستطاعته التنقل بسهولة إلى مشاهد ومواقع دون أن يتحرك أو يكون له وجود مادي.
وعبر هذه البوابات التي ولج إليها استطاع المحقق “فريدريك” الاقتراب من الكشف عن القاتل وحل لغز الجرائم لكنه ومع ذلك لم يتمكن من الإمساك بالقاتل لعدم وجود أدلة كافية…

هذا الفيلم لم يناقش فقط قضية الجرائم المتسلسلة التي لم تُحسم إلى يومنا هذا، بل أيضًا الانتقال الأثيري أو التنقل بالوعي دون الجسد واحتمالية أن ما نتصوره هلاوس في كثير من الأحيان هو في الحقيقة واقع لم نطلع عليه…

المصدر
Jack the Ripper

مقالات ذات صلة

12 Comments
Inline Feedbacks
شاهد جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى