أدب الرعب والعام

حينما تغدو لقمة العيش حلماً

بقلم : منى شكري العبود – سوريا

أسقوني كأس القسوة إلى أن ملئوا جوفي بها و الغريب أنني كنت أتلذذ بطعمها
أسقوني كأس القسوة إلى أن ملئوا جوفي بها و الغريب أنني كنت أتلذذ بطعمها

 

حينما كان الموت يقرع بطون أطفالي الجوعى ، كنت أتسكع أنقّب عن لقمة العيش في صلب الأرض ، كل من هنا محض هامش ، أتباع إبليس يطوقون منطقتنا بأسوار الموت ليطلق علينا لقب ” المحكومين بالمنفى ” ننازع الموت في اليوم ألف مرة ، إما أن يطرحنا أو نطرحه ، المسألة مسألة قدر ! عدت خاوي الكفين ، أقبل دموع جفت ، ليس بمقدوري سد فراغ جوفهم الخاوي ، مزجت لهم دموعي كحساء يتجرعون به قلة حيلتي ، فنامت الأعين مرهقة.

حرب موحشة قضمت من أعمارنا لتجردنا من الحياة ، و أي حياة تلك و هنا طفل جف رمقه كما يبست عروقه بعدما التهمها الجوع ، و كهل تأكلت عيناه بعدما نزف خده المضمخ بالدمع ، ليسقط كأخر ورقة في الخريف معلناً عن قدوم فصل موحش ، و شباب جعلوا من أنفسهم درعاً يتلقف ذخيرة بنادق الموت لأجل لقمة العيش ، و في النهاية يرحلون نسياً منسية ، لا يبقى من أثرهم سوى رماداً يتكحل به ذويهم ، يقودهم قادة جبابرة متوحشين لا تعرف قلوبهم الرحمة ، يسعون وراء غايات لا نطمح لها ، أننا لا نريد سوى السلام.

قذائف وغارات جوية تنبثق من صلب السماء ، تزيد حالنا سوءاً ، أصبح الموت حلماً ، يتكاتف مع من حالفه الحظ ليترك الآخرون يتغنون شوقاً له ، مرتعشين الأطراف ، منكمشين القلوب خوفاً من مباغتته لذويهم قبلهم.

 كانت تراودني فكرة الانضمام لحلفاء الشيطان كلما سمعت صوت قرقعة بطون أطفالي الخاوية ، لكن سرعان ما تربط زوجتي على قلبي خشية علي ، إلى أن جاء ذلك اليوم الذي فزعت من نومي على صوت صراخ زوجتي هيفاء ، هرعت إليها مسرعاً استفسر عن ما حصل ، وجدت آدم بين يديها  ينتفض بوجل ، تحشرج الموت في حنجرته ، صرخت ترجوني باكية بحرقة :

– أرجوك يا مهاب أفعل شيئاً ، آدم في حال يُرثى لها ، أخشى أن نفقده ، أرجوك يا مهاب.

– و ما عساي أن أفعل ، ليس بيدي سوى عجزٌ ممزوج ببهارات قلة الحيلة ، لو كان بوسعي أن أقتطع من لحمي وأطعمه لما ترددت بفعلها ، حتى الأرض أضحت يباساً و كأنها تعاقبنا هي الأخرى.

– أرجوك يا الهي أن تكن رحيماً به.

استجاب رب السماء لمطلبها و كان رحيماً به ، لفظ ولدنا آدم أنفاسه الأخيرة جوعاً أمام أعيننا ! هرول الجميع يرثون الثكالى ، تعالت أصوات النوائح ، تتالت النوائب بوفاة والدتي مرضاً و جوعاً و قهراً على أخي محمد الغائب منذ خمس أعوام مضت عليها كخمسين عاماً من الانتظار والشوق واللهفة والألم والبكاء والضياع ، تيقنت حينها أننا نعيش في غابة والغلبة للأقوى ، أخبرت زوجتي بقراري الأخير ، أجابتني بحنق:

– الطريق موحشة وعرة يا مهاب ، لم يعد بوسعي تحمل المزيد.

ضحكت ملئ الألم الذي في جوفي ، صرخت في وجهها ألفظ قهري :

– و تظنينني من أخترت ؟ كل ما حولي هو من أختار ، ولدي لفظ آخر أنفاسه على يدي هاتين و لم يكن باستطاعتي جلب قضمه خبز واحدة لتحييه ، أمي صارعت المرض أمام عيني و لم يكن بحوزتي يد فولاذية تقضي عليه يا هيفاء.

– في قانونهم كل من يقول لهم ” لا ”  يستحق الموت ، لذلك من اليوم سيلفظ العشرات و ربما المئات أنفاسهم على يديك التي ستغدو مضمخَ بدماء الأبرياء، و ربما من يستحق الموت ، بغض النظر أن كان يستحق في شرع الله أم لا ، أأنت مستعد لهذا يا مهاب ؟.

– حينما تجوع البطون وتتعرى أجساد المروءة ، فإن الضعفاء لا يميلون لأصواتهم ، بل تجذبهم مع الغوغاء أصوات الأقوياء المعطرة برائحة الخبز، وأن كانت تخرج من حناجر الشياطين.

– وحدهم ضعفاء الإيمان يقولون ذلك ، كل ما حصل قد قُدر من عند الله مسبقاً يا مهاب ، أرجوكَ عُد لرشدك.

هرعت أركض هرباً منها و من نفسي إلى صديقي أمجد الذي أنضم لهم مؤخراً ، بعد أن علم بمطلبي ضحك ملئ شدقيه ساخراً من مبادئي التي ذهبت أدراج الرياح.

– كفاك سخرية يا أمجد ، هل تحدثهم بشأني أم أفعلها ؟.

–  بالطبع سأحدثهم ، فأنت بالنسبة لي الآن غنيمة ! مبلغ أضافي و طعام وافر، نصحتك بهذا منذ زمن، لو فعلتها قبل الآن ما ودعت أفراد عائلتك جوعاً و مرضاً.

أسقوني كأس القسوة إلى أن ملئوا جوفي بها ، والغريب أنني كنت أتلذذ بطعمها ، جردوني من الرحمة ، أشبعوني لقيمات مغموسة بالدماء ، علموني كيف أجزم بأن كل من يقول لي ” لا ” عدواً لي ، غدوت مثلهم ، ضحك أطفالي بعد أن ملئوا جوفهم الخاوي ، أشرقت أرواحهم بعد أن كانت تحلق نحو تخوم المغيب ، بكت زوجتي قلة الحيلة.

النهاية …..

تاريخ النشر : 2021-03-08

مقالات ذات صلة

15 Comments
Inline Feedbacks
شاهد جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى