أدب الرعب والعام

رحلة البحث عن السلام

بقلم : نور الفارسي – تونس
للتواصل : https://www.facebook.com/nour.fersi.1

كان قراراً صعباً أن نفارق بلادنا التي أحببناها و مدينتنا التي شهدت على حب أمي و أبي

ليلة ككل الليالي التي لم أستطع النوم فيها منذ سبعة سنوات ، أنهض من النوم فزعاً مذعوراً بسبب الكوابيس المخيفة التي تراودني وأسترجع الذكريات المريرة التي مرت علينا … ككل ليلة أقوم بتحضير الشاي و أجلس قبالة صورة أبي أتأملها حتى يستحوذ على النوم .

كانت عائلتي تنتمي للطبقة الوسطى حيث كان أبي صاحب متجر بقالة صغير أما أمي فكان همها الوحيد في هذه الحياة هي تربيتنا أنا و أختي الصغرى تربية صالحة ، كانت بداية المشاكل عندما أغمي على أبي في محله و الحمد للَه عندما حصل ذلك كان في المتجر بعض الزبائن هم الذين نقلوه إلى المستشفى ، و عندما أفاق ألَح على الممرضين بأن لا يتصلوا بالعائلة خوفاً علينا من الارْتِيَاع ، فقد كانت كالصاعقة عليه عندما علم بأن دماغه مصاب بمرض خبيث في مراحله الأخيرة . 

كشفت ذلك عدة تحاليل و أشعات طبية ولم يتبق له إلا أشهر قليلة على مفارقته الحياة ، لكن بالرغم من كل هذا لم نكن نعلم بمرضه حتى أمي لم تعلم إلا بعد مدة ..

لاحظت تغير الجو و الأحوال في داخل المنزل رغم صغر سني ، فقد أصبح أبي أحياناً لا يذهب إلى العمل و أصبح دائم الشرود و الحزن لا يفارق عينيه ، وكانت المسكنات لا تفارق جيبه ، أما في الليل كنت أستفيق على صوت بكاء أمي و دعائها الذي لا يكف حتى تجف عيناها و تتعب حتى أصيبت هي الأخرى بالإرهاق الشديد …

بعد عدة أيام شهدت منطقتنا انتفاضة شعبية وصل صداها إلى جميع أنحاء البلاد في وقت قياسي ، وسرعان ما أصبحت البلاد رمزا للثورة و الدم و النزاعات و القتال ، ففي كل ركن في الشارع نجد شعارات ، و الجثث المرمية و الرصاص الفارغ بكل مكان في الأرض و بقايا البنايات جراء القصف المستمر و أغلقت جميع أبواب المؤسسات و محلات بيع الأغذية لقد كان كل ركن في البلاد يدل على الحزن و اليأس كل شيء تغير … 

ساءت الأوضاع أكثر و كثرت الاغتيالات العشوائية و زاد الخطر مع سقوط كل قذيفة بالقرب من منزلنا و زاد حزن العائلة مع كل خسارة قريب أو صديق حتى لاح في الأفق حل الهروب و الخروج من البلاد ، فبدأ أبي يفكر جدياً بالهروب و إنقاذنا قبل أن تسرع الحياة بغدره و يفارقنا خصوصاً مع تدهور حالته كل يوم .
كان قراراً صعباً أن نفارق بلادنا التي أحببناها و مدينتنا التي شهدت على حب أمي و أبي و الحي والمنزل اللذين رافقا طفولتنا و أيامنا السعيدة و الحزينة …

كان الناس يبيعون منازلهم و أراضيهم و أملاكهم بأرخص الأسعار ليتمكنوا من الرحيل و اللجوء إلى باعة الحلم بالهجرة غير الشرعية للنفاد بجلودهم و بناء مستقبل أفضل لأبنائهم بعيداً عن القتلة القذرين و المجرمين و المضطربين عقلياً .

لم أرَ أبي فرحاً منذ زمن طويل كذلك اليوم الذي أخبرنا فيه بأنه دفع نقوداً لأحدهم و أنه تحصل على وعد منه بمغادرة البلاد خلال يومين .
لم يذق أبي طعم النوم خلال اليومين المتبقيين و الحزن يتملكه خوفا من الموت قبل السفر و الوصول إلى بر الأمان و الأوجاع الشديدة برأسه ترافقه في كل دقيقة ، حتى جاء اليوم المنتظر , اليوم الموعود , يوم المغادرة هو يوم الركوب في سفينة الموت و الذل والهرب لكنه أفضل من عدم المحاولة والموت برصاصة طائشة أو قصف عشوائي .

كانت الرحلة على متن سفينة شحن وكنا ضمن حوالي 750 مهاجر غير شرعي على أمل الوصول إلى مكان يعمه دفء السلام الذي حرمنا منه و اشتاقت قلوبنا إليه ، مررنا بعدة عواصف و كان الطقس سيئاً جداً و شديد البرودة ، أما السماء فكانت موحشة شديدة السواد مخيفة ، كانت المياه تسيل على رؤوسنا و السفينة تهتز يميناً و شمالاً و البرد ينخر عظامنا ، لقد كان الخطر ينظر إلينا كل دقيقة من كل النواحي مكشراً عن أنيابه ، أما المؤن فكانت قليلة و المسافرين يعانون من دوار البحر و يتقيؤون طوال الوقت ، أما أختي فقد عانت مشاكل في القلب جراء القلق و الضغط النفسي و الخوف و الهلوسة ، فالمسكينة كانت تبلغ ست سنوات من عمرها …

كان المهاجرون ممددين تحت الأغطية ، ستجد بهذه السفينة مجتمع بكل أنواعه فنجد الناس العصبيين و المتذمرين الذين لا يعجبهم شيء ، و نجد أيضاً الناس المنهمكين بقراءة القرآن الكريم و الدعاء للنجاة ، أما أبي فساءت حالته أكثر و أكثر و في تلك الأثناء تعرف على طبيب سابق وحيد مع إبنته آملاً أيضاً بمستقبلٍ أفضل بعد موت زوجته في الحرب ، كان رجلاً ذا خلق حميدة و وجه بشوش يبث الأمل في قلبك عند رؤيته ، وكان سبب هذه الصداقة ملاحظته للأعراض التي يمر بها أبي و أنه يحتضر و لم يتبق له الكثير ، و كنت أذكر أنه كان دائماً ما يدخل في حوارات عديدة مع أبي لكن الجملة الوحيدة التي رسخت في أذني حينها هي " عائلتي أمانة بيدك يا صديقي بعد أن أغادر أوصلهم إلى مكان آمن "

دائماً ما كنت أذكر آخر ليلة في الرحلة ، أذكر أنني كنت بجانب أبي ألامس وجهه الشاحب ولحيته مقبلاً يدي و عيناه تفيضان تعاسة و استياءً و حزناً قائلاً :
-أحبك كثيرا يا ابني أرجو من اللَه أن يحميك دائماً من كل شر وهم .
-أنا أيضاً يا أبي ، أرجوك احك لي كيف وجدتني عندما كنت عائداً إلى المنزل من المدرسة و أضعت طريقي .
تنهد قليلاً ثم تحدث بصعوبة :
-لقد كان من أسوأ أيام حياتي لقد بحثت عنك في كل مكان , المستشفيات و مراكز الشرطة و الشوارع الموجودة قرب المدرسة لم أترك أحداً إلا و سألته عنك حتى فقدت الأمل و لم أعلم كيف سأنظر في وجه أمك … وعند عودتي إلى المنزل وجدتك مع أحد الجيران يطرق باب منزلنا لإرجاعك فقد وجدك بالصدفة أمام مكان عمله .

ثم سكتنا قليلاً و أضاف باكياً :
-لقد خفت كثيراً ، خفت أن أفقدك حينها ، لقد أحسست بأن الرعب تملك كل جزء من جسمي ، لم يكن همي في هذه الحياة إلا إسعادكم و حمايتكم …كم اشتقت لتلك الأيام ببساطتها و جمالها .

عانقته بشدة و في تلك اللَحظات أحسست بأنه يتنفس ببطء و يرتجف و يحاول أن يتكلم بصعوبة ..
-أشعر بالبرد الشديد …أشعر بالخوف …ما هذا الضوء الساطع… يا ربي …يا رب … أشهد أن لا إله إلا الله و أشهد أن محمد رسول الله.

لم أنس بكاء أمي و حرقتها …لم أنس خوف أختي ..لم أنس آخر النظرات البائسة التي رمقني بها لم أفهم شيئاً كنت خائفاً جداً من مواجهة الحياة من بعده … لم يلتفت لنا أحد من السفينة في تلك اللحظات بسبب المروحية التابعة لخفر سواحل البلاد التي وصلنا إليها لقد حطت على جسر السفينة عندها أحس كل الناس بالأمان و الارتياح إلا نحن نتخبط في ألم الفراق …

أوفى الطبيب بوعده و أوصلنا إلى مركز الاستقبال حيث عَملوا على تزويدنا بوجبات ساخنة و طعام و ملابس و أمنوا لنا أَسرةً … ثم فوراً بعد كل هذا قررت أن أخرج إلى العالم الحقيقي و أحاول الحصول على عمل في هذا السن الصغير و فعلاً لم يكن بالأمر السهل كما تصورت حينها ، فقد ظلمت و تعذبت من قبل أصحاب العمل ، فبسبب القاوانين المانعة لتشغيل الأطفال تحت سن الرشد وبسبب أنني كنت لاجئاً أيضا لم يكن لي حقوقاً أتمتع بها فقاموا باستغلالي و تجريدي من طفولتي و إرغامي على العمل لساعات عديدة بأجر زهيد ، و كنت في كل مرة أحس بالتعب و الميل إلى الاستسلام ، أتذكر أمي و أختي الذين وضعوا كل آمالهم بي ، أما ذلك الطبيب فلم يتخلى عنا و كنا دائماً على إتصال به ، لقد ساعدنا كثيراً و سيظل جميله في رقبتي إلى أن أتم مهمتي في تأمين مستقبل طفلته .

ففي أحد الأيام حاول بعض المجرمين الذين يقومون ببيع أعضاء صغار اللاجئين بخطف إبنته لكنه تصدى لهم و قتل أحدهم عن غير عمد ، فقد كانت غايته الدفاع عن نفسه و إبنته و لسوء حظه كان القاضي متحيزاً و حكم عليه بعشرين سنة سجن ، و منذ ذلك الحين أصبحت الأمانة أمانتين ، و بعد عدة سنوات من العناء و التعب و المحاولات العديدة و العمل في الغربة استطعنا الحصول على منزل و إقامة دائمة و تأمين مستقبل أختي و إبنة الطبيب الدراسي ..

لكن لسوء الحظ أصبحت الكوابيس تلازمني ، فصورة أبي لا تفارق خيالي ، لم أستطع نسيان الأطفال المشردين و الجثث المرمية و سفك الدماء في بلادي ، لقد عشت و شاهدت ما لا يستطيع الإنسان العادي تحمله في سن صغيرة ، لم أعد أريد من هذه الحياة إلا حماية عائلتي و إسعادها …لم أستطع المضي قدماً في حياتي ، لا أجيد شيئاً إلا العمل و الوحدة ، حتى أن البعض ينصحني بزيارة أحد الأطباء النفسيين لكنني لا أرغب فالظروف زرعت فيَّ عدم الثقة في أحد .

لقد غيرت الحرب حياة الملايين من الناس لكنها لم تستطع أن توقف أحلام البعض رغم أنهم خسروا أعمالهم و بيوتهم و فقدوا الاستقرار ، و مازال الكثيرون يعيشون تحت القصف و الضرب و الظلم ، و مازال الأطفال كل يوم ييتمون ، و مازالت النساء تبعن و تغتصبن و تستعبدن في بلدان الحرب ..
أرجو أن يحل السلام على جميع أنحاء العالم و أن لا يتذوق أحد طعم العذاب و الحرمان الذي لا أستطيع نسيانه و الذي ما أزال أعايشه .

 

تاريخ النشر : 2017-11-05

مقالات ذات صلة

20 Comments
Inline Feedbacks
شاهد جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى