منوعات

سارة برتمان : ضحية العبودية

بقلم : نور الهدى الاخضرية – الجزائر

كل ذنبها انها كانت تمتلك جسدا مميزا
كل ذنبها انها كانت تمتلك جسدا مميزا

في عصرنا الحالي تتغنى الدول العظمى بالحرية وبحقوق الانسان وتهاجم الدول الفقيرة وتتهمها بمحاربة الحريات والديموقراطية وحقوق الانسان ، لكن هل يا ترى نظرت هذه الدول الى الوراء قليلا الى ماضيها السحيق أم انها تتجاهل هذا الماضي وتدير ظهرها له ، طبعا لأنه سينفي خرافة دفاع هذه الدول عن الانسانية …

اليوم سنذهب الى هذا الماضي لنحكي قصة امراة عاشت في زمن سيطرت فيه هذه الدول على كل شيء حتى الحرية وجعلت من الشعوب الاخرى اقل منها درجة بل اكدت على أن هذه الشعوب من أصل حيواني!!.

في احدى القرى الصغيرة التي استوطنت على ضفاف نهر جامتوس في جنوب افريقيا ولدت فتاة صغيرة تدعى سارة عام 1779 في قبيلة خوي خوي وهي احدى القبائل المشهورة في جنوب افريقيا ، كانت سارة فتاة جميلة بشرتها ذات لون اسمر جميل ، توفيت والدة سارة عندما بلغت الثانية من عمرها ، ثم ما لبث ان توفي والدها ايضا الذي كان راعيا للماشية عندما كانت مراهقة فعاشت حياة صعبة.

تزوجت سارة في عمر صغير على غرار كل الفتيات وانجبت طفلا لكنه توفي ومع دخول الاحتلال الهولندي الى البلاد وسوء الاوضاع قتل زوجها على يد المستعمر فبقيت سارة وحيدة فاضطرت في سن العشرين أن تعمل كخادمة عند عائلة هولندية في كيب تاون واصبحت تدعى سارتجي وهي لفظة هولندية تعني سارة الصغيرة .

blank
كبر الكفل حالة جسدية مميزة لدى بعض القبائل .. حيث تتراكم الدهون في المؤخرة .. وهي تختلف عن البدانة فالمرأة قد تكون نحيفة لكن لديها مؤخرة كبيرة

كانت سارة جميلة لكنها كانت تملك بعض المميزات الجسدية التي اشتهرت بها قبيلتها وهي المؤخرة الكبيرة جدا وهي تظهر بسبب تراكم الدهون وتسمى طبيا كبر الكفل  (Steatopygia) ، وقد كانت هذه المميزات تجذب المستعمرين البيض ، ففي احد الايام اثناء عمل سارة عند العائلة الهولندية زارهم جراح وطبيب بريطاني يدعى وليام دنلوب فجذب نظره شكل سارة وخاصة حجم مؤخرتها فطلب شرائها من رب عملها والسفر بها الى بريطانيا.

رب العمل رفض في البداية لكن الطبيب استطاع اقناعه بأنه سوف يقوم بدراسة جسدها فوافق سيدها على بيعها خاصة بعد ان وافق محافظ المنطقة السيد هاندريك سيزار على سفر سارة الى بريطانيا ، وفي رواية اخرى تقول ان الطبيب دينلوب اغرى سارة بالشهرة والثروة اذا عملت كموضوع للدراسة والبحث بسبب شكلها ووقعت على عقد معه للسفر والعمل لكن هذه الرواية اعتبرت غير صحيحة فسارة امية لا تكتب ولا تقرا فكيف لها أن تقرأ عقدا وتمضي عليه! بل الاقرب الى التصديق انها بيعت الى الطبيب دنلوب مثلها مثل كل العبيد الافارقة في ذلك الوقت الذي شهد بيع واستعباد اكثر من عشرين مليون افريقي.

جحيم لندن

blank
اجبرت على العمل في السيرك وعرض جسدها للجمهور

عندما وصلت سارة مع مالكها الجديد الى لندن عام 1810 وهي في سن 21 بدات سلسلة من الدراسات على جسدها بشكل مهين لكرامة الانسان وليس هذا فقط بل اجبرت على العمل في سيرك بيكاديلي للحيوانات وقد كانت توضع في قفص مثل أي حيوان وتجبر على الظهور امام المتفرجين عارية ليروا شكل جسدها ومؤخرتها ، كما اجبرت على التصرف كالحيوانات فتقف وتجلس مثلهم. كما حصل صاحب السيرك على نقود اضافية مقابل من يرغب في لمس مؤخرتها وهي اقسى صور الاستعباد. كما اجبرت على الرقص ايضا ومقابل كل هاذا لم تحصل على اجر عملها بل كانت تعطى القليل الذي لا يكفي حاجاتها.

بعد عمل سارة في سيرك بيكاديلي للحيوانات ومعاملتها المهينة وتهافت الناس لمشاهدتها ولمس مؤخرتها احدث كل هذا ضجة خاصة بعد تكوين الرابطة الافريقية والتي دعت لاطلاق سراحها ، كما دعى روبرت ويدربيرن وهو ثائر من جامايكا لتحريرها وتحرير كل العبيد ، كما دعى العبيد الى قتل اسيادهم وتحرير انفسهم وهذا ما أدى الى سجنه واعتقاله عدة مرات.

بعد كل هذه الضوضاء اضطر البريطانيون لمنع سارة من الظهور في السيرك مجددا لكن المحكمة احتجت بان سارة مرتبطة مع الطبيب دنلوب بعقد عمل وموقعة عليه.

blank
تمت مسائلة سارة أمام القضاء على عملها في السيرك

وفي هولندا تمت مسائلة سارة أمام القضاء على عملها في السيرك فقالت أنها تفعل ذلك بمحض ارادتها وليس تحت أي ضغط وأنها تحصل على اجرتها ، لكن اكيد أن سارة اجبرت على هذه الاقوال لأنه من غير المعقول أن يقبل أي بشر الحياة والعمل الذي تقوم به خاصة وأنها كانت قد أدلت بتصريح في وثيقة قانونية من قبل وقالت عكس كل ما قالته في المحكمة لكن ربما ضغوط سيدها وظروف استعبادها وخوفها وأميتها جعلها تغير اقوالها.

بعد مضي اربعة سنوات في لندن بيعت سارة من جديد لتعمل في سيرك آخر ، وبعد مشاهدة الجمهور الفرنسي لشكل جسمها ومؤخرتها قام بعض المؤلفين الفرنسيين بتأليف مسرحية عنصرية هزلية عرضت في الاوبرا الفرنسية تدعى (المكروهة للنساء الفرنسيات) وهي عبارة عن خليط من الفلسفات العرقية والفنتازيا الجنسية التي اشتهرت لفترة وقتها.

كان الرجال الفرنسيون يشاهدون سارة وكل منهم يتخيلها في خياله المريض فأجبرت على العمل في الدعارة كما افرطت في الشرب لتنسى الذل والمهانة التي تعيش فيه. كل هذا الاستعباد والخزي لم ينتهي بل تواصل بعد أن اشترى طبيب نابليون سارة وبدأ بدراسة جسدها كظاهرة و قام بنشر سلسلة من الدراسات التشريحية المزورة والتي مفادها أن الافارقة يشبهون القرود وقد يكونون من اصل أحد انواع القرود وأن الجنس الاوروبي هو جنس سامي لا يرقى له أحد.

حتى بعد الموت ذل

blank
الهيكل العظمي لسارة معروض في متحف باريس

في سن 26 سنة توفيت سارة عام 1816 بعد حياة مليئة بالعبوية والذل والاهانة لكرامتها البشرية وسوء المعاملة ، توفيت وحيدة وحزينة وقد اختلفت الروايات حول سبب الوفاة بين من يقول انها توفيت بالجدري ومن يقول توفيت بالزهري ومن يقول بمرض رئوي ، لكن حتى بعد وفاتها لم ترتح سارة المسكينة بل خلال اقل من 24 ساعة قام العالم كوفييه بتشريح جثتها وانتزع منها المخ والاعضاء التناسلية واحتفظ بها في جرار مملوؤة بالفورمالين واحتفظ بالهيكل العظمي ليصنع منه قالبا للجسد وتابع دراساته في التشريح المقارن ليثبت أن سارة أقرب الى القرد مثل كل الافارقة.

تم عرض رفات سارة في متحف الانسان بباريس وهو متحف يعرض الكثير من الجثث والاعضاء البشرية لاشخاص من مختلف الشعوب وفي عام 1974 تمت ازالة هذه الرفات ووضعت في مخزن ونسي امرها.

عندما تولى مانديلا حكم جنوب افريقيا بدأ محادثات مع الحكومة الفرنسية مطالبا بجسدها عام 1994 ونجح في ذلك بعد قرابة 200 سنة من وفاتها ونقلت رفاتها الى مطار كاب وعادت الى قريتها غامووت ودفنت هناك واقيم حفل تأبين لها في 9 اوت 2002 لترتاح اخيرا سارة في قريتها وفي وطنها.

قصة سارة واحدة من آلاف القصص لأفارقة استعبدوا طول حياتهم وليس فقط الافارقة بل الكثير من الاشخاص من كل الدول تعرضوا لهاذا العذاب من قبل دول تتغنى اليوم بالحريات متناسية الجراح والآلام التي خلفتها في ذاكرة الشعوب التاريخية فهل يا ترى ستنظر هذه الدول يوما ما لتاريخها الاسود وتطلب الغفران أم انها ستواصل تغنيها بحقوق الانسان في هذه الدول الضعيفة؟

كلمات مفتاحية :

– Saartjie Baartman
– Freak show
– Steatopygia

تاريخ النشر : 2021-03-16

مقالات ذات صلة

72 Comments
Inline Feedbacks
شاهد جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى