أدب الرعب والعام

طيَّ النسيان – الجزء الأول

بقلم : وفاء سليمان – الجزائر

خلت أن الحياة ستتوقف عنده و لن أستطيع إكمالها من دونه
خلت أن الحياة ستتوقف عنده و لن أستطيع إكمالها من دونه

 
و ها هو عام كامل قد مر ، كان بأيامه التي طالت هي عمر فراقنا ، كدت بدايته أن أموت لبعده ، خلت أن الحياة ستتوقف عنده و لن أستطيع إكمالها من دونه ، كان قلبي من حر فراقه قد تصدع ، شوقي إليه كان يجلد ذاتي ، يمزق روحي ، يدمع عيناي فأفتح هاتفي على صورته لأمعن النظر بتقاسيمه علها تخفف عني جدا أشواقي ، فما يزيدني ذلك إلا نحيباً حد الانهيار .
 
تعذبت بعدها كثيراً كي أوطّن فيها نفسي على التعايش مع ذكراه لا نسيانه ، فنسيان حب تفتح قلبي عليه محال ، سافرت، ابتعدت ، حاولت أن أعود نفسي على غيابه ، أن أفر من غرامي وأيامي و ذكرياتي و أحلامي معه ، أن أهرب من علاقة استنزفت جل عواطفي و طاقتي ، خسرت لأجلها الكثير و تنازلت فيها عن الأكثر حتى تصمد ، ثم ما لبثت أن انهارت فوق رأسي .
 
و مع هذا و رغم كل ما حدث ، فإني ما ندمت على عشق ذلك الرجل الذي و رغم رحيله  فإنه ضرب جذوره بأعماقي ، استوطن خلايا جسدي فأصبح مني جزءاً لن يفصل مهما تكالبت الظروف و توالت السنين والأيام .
‏‎****‎

قبل أربع سنوات.
 
الفصل الأول :
 
اعتدلت واقفة بعد أن هزتني صرخة امرأة دوت من وسط قاعة استقبال المشفى ، تبعها عويل يقطع نياط القلب ، اندفع على إثرها طبيب الإسعاف مع الممرضة لتلقي الحالة ، و بقيت أنا شاردة لهنيهات وصدى الصرخة يرن داخل أذني قبل أستفيق على صوت همس أم حسام :
– ألديك عشرة دولارات يا زهرة ؟ سأعيدها لك أول الشهر .

حدقت في عينيها الذابلتين ، خديها الغائرين و وجهها الشاحب ، رثيت لحالها لأني أعلمها أما لأربعة يتامى لا معيل لهم سواها ، فكيف سأردها خائبة ؟.
مسحت يدي المبللة بمئزري المبقع ثم مددتها لجيب تنورتي و أخرجت منها خمسة دولارات و قلت لها :

– لا أملك غيرها يا حميدة .

تلقفتها شاكرة و تركتني أفكر كيف سأعود لبيتي في ساعة المساء المتأخرة تلك ؟ انحنيت لألتقط الدلو و المكنسة ثم صعدت الدرج الذي كنت أنظفه لأضعهما في المستودع و أجهز نفسي للرحيل ، بعد دقائق ارتديت معطفي وهممت بالرحيل لولا أن استوقفتني سامية ، و كانت ممرضة معروفة بالهذر و الثرثرة ، كنت سأتجاهلها و أرحل لكنها صاحت قائلة :

– انتظري يا زهرة ، لقد طلبت سيارة أجرة لتقلنا وسأدفع أنا ، أعلم أنكِ مفلسة .. ثم غمزتني ضاحكة فأيقنت أنها بالفعل لا تفوتها فائتة ، شبكت ذراعها بذراعي و سألت :
– هل سمعت الصراخ قبل قليل ؟.
– شيء تعودنا عليه يا سامية ، تذكري أن هذا مستشفى .
ردت هامسة بعد أن اتسعت عيناها و رفعت حاجبيها كعادتها وقت تنقل أخباراً شديدة الأهمية:
– أتعلمين من التي كانت تصرخ؟  إنها زوجة مدير المشفى شخصياً.
 
تحرك الفضول النسائي داخلي فسألتها :
– حقاً ؟ و لماذا كانت تصرخ ؟.

ردت بتأثر مصطنع : أبنها بين الحياة والموت ، حادث سيارة نجت منه هي ، أما المسكين فتحت رحمة الله ، إنه في العناية المركزة ، حالته خطيرة ، السيد عادل سيُجن من الصدمة .
التزمت الصمت وأنا ألج السيارة ، كانت خواطري مبعثرة ومزاجي مضطرباً ، فلم ألقي بالاً لكلام سامية الذي لم ينقطع إلا بوصولها لبيتها ، بعد عدة أمتار توقفت السيارة بي أنا الأخرى أمام بيتي ، ذلك المنزل التقليدي العتيق ، ملاذي الآمن ، كل ما تركه لي والداي وكل ما أملك في هذه الحياة .
 
‏‎****‎

بكوب من القهوة الساخنة تمددت على الأريكة بمحاذاة المدفأة و أرحت ساقاي اللتان كانتا تؤلمانني أشد الإيلام لكثرة الوقوف والتنقل في أرجاء المستشفى ، ذلك كان ديدني كل يوم من العاشرة صباحاً و حتى مثيلتها مساء ، عمل مضن لأحصل قوت يومي في زمن فقدت فيه السند ، فلا أب كان لي و لا أخاً ، باستثناء شهادة معلقة على الحائط أضحك ساخرة كلما لمحتها ، ورقة عولت عليها لأعيش بكرامة فخذلتني ، أتضح لي أن هناك ما هو أهم ، أشياء كثيرة لا أخلاقية وغير محترمة وجب استخدامها لنيل وظيفة محترمة في القطاع الخاص ،

أما في حال كان وظيفة عمومية فأسفي على نفسي لا مال أدفعه و لا أصحاب سلطة و نفوذ أعرفهم لأستخدمهم واسطة لنيل ما هو أصلاً حقي ، أُغلقت كل الأبواب في وجهي فرضيت بالأدنى كي لا أموت جوعاً بعد وفاة والداي ، توفيا عجوزين فقيرين ، أنجباني بعد ثلاث و عشرين سنة من زواجهما ، و لم يبخلا علي بشيء قدر استطاعتهما ، حتى لفظا آخر أنفاسهما لا يفصل بينهما إلا عدة أشهر .

 
شغلت التلفاز لانتظار مسلسلي المفضل ، ثم أخذت هاتفي الذكي الذي جمعت ثمنه لمدة تزيد عن العام حتى أستطيع ابتياعه ، فتحت صفحة الفيس بوك خاصتي لأتابع آخر الأخبار و منشورات أصدقاء افتراضيين لا يعرفون عني سوى أنني زهرة ، أستاذة الأدب الإنجليزي ، بصورة تخرجي التي لا تشبه ما كنت عليه حينها بعد ثمان سنوات .
 
في ذلك الصباح البارد دخلت المشفى مسرعة نحو غرفة العاملات و لم ألحظ البلبلة الحاصلة هناك إلا بعدما تجهزت لأباشر عملي ، سألت أم حسام عنها ؟ فأكدت لي أنها مثلي لا تعلم ، فقررت البحث عن (سي أن أن) المشفى سامية لتأكدي من أنها تملك الخبر اليقين ، وجدتها خارج غرفة الممرضات فسألتها عن سر الاضطراب السائد ؟ فأجابت :
 
– كِلية ابن مدير المشفى تضررت بشدة في الحادث و لا بديل عن استئصالها ، المشكلة أنهم إن فعلوا ذلك سيموت .
– هل تمزحين ؟ يستطيع العيش بكليته الأخرى ، لا ، بل بثلثها فقط ! .
لوت فمها بامتعاض :

– أنا لست غبية ، ناهيك عن أنني ممرضة ، المشكلة يا سيادة عاملة التنظيف أن تلك الكلية لا تعمل ، كان يعتمد على الأخرى ، والآن إن لله وإنا إليه راجعون ، المسكين سيموت شاباً .
– يا لك من بومة ! أسررتها في نفسي و سألتها :
– ألا يجدون متبرعاً من أسرته ؟ .
– يقومون بالتحاليل اللازمة لوالديه .

ثم انسحبت متذرعة بعملها و تركتني أدعو له صادقة بالشفاء ، و لم أكن أدري أن الأقدار قد كتبت أن تتحقق دعوتي على يدي و أعيش قصة ما كنت أحسب أنني يوماً سأعيشها ..
‏‎
****
قال لي بملامح كساها الألم وصوت مشحون باليأس :
– سأعطيك أي شيء تريدينه يا آنسة زهرة ، لكن أرجوك أنقذي أبني الوحيد .
 
لم تكن نتائج التحاليل إيجابية ، و على ضوء ذلك أعلن السيد عادل كخطوة يائسة عن مبلغ ضخم لمن يقدم كليته لابنه من عاملي المستشفى كافة ، و رغم أنه كان مديرها والمالك الوحيد لها ، و كانت من أكبر وأعرق مستشفيات المدينة ، فقد كان مضطراً لفعل ذلك لخلو بنك الأعضاء من كلية تصلح لابنه ، وعدم توفر الوقت الكافي له ، لأن الأخير يعيش على الأجهزة ، كنت من بين القلائل من عمال التنظيف و الكافتيريا الذين أجروا التحاليل ، كانت الحاجة ما دفعهم لذلك ،

أما أنا فلم تكن المادة تهمني بتاتاً ، كنت وحيدة لا أحد سيفتقدني ولا شيء لأخسره سوى قطعة لحم ، الله فقط يعلم إن كنت سأحتاجها يوماً ، كما أن فكرة إنقاذ حياة شخص ستشعرني بأهميتي وأن لي قيمة في الحياة ، لذلك أجبته و أنا منتصبة أمام مكتبه بكل ثقة رغم ملابسي البسيطة المتوارية تحت مئزر العمل الرسمي ، وشالي الصوفي الذي ألفه حول رأسي أيام البرد و الصقيع ، و الذي يجعلني أبدو أكبر من سني بكثير ، و نعلي البلاستيكي المهترئ الذي أنتعله أثناء مناوبتي ،

كنت في موقع قوة أمام رجل مر بي كثيراً في ردهات المشفى و لم يلق لي بالاً أو يقم لي وزناً كأنني نكرة ، لحظتها أعجبني كوني أملك حياة أبنه ، فكرت أن أساوم و أماطل قدر المستطاع ، أن أجعله يرجوني أكثر و يزيد المغريات أكثر لمجرد انتقام يرضي غروري ، لولا أن صورته يائساً ذكرتني بوالدي أيام مرضه وشقاءه ، استعذت بالله من شر نفسي فالحياة و الموت بيده وحده سبحانه و قلت :

 
– ليس لي أية مطالب ، سأقدمها له دون أي مقابل.
رفع حاجبيه بدهشة و مرر يده على شعره الأسود الذي خالطه بياض الشيب على جانبيه و قال بصوته الجهوري و قد أصبح متزناً أكثر :
– أجلسي يا زهرة .

فعلت ، فأردف قائلاً :
– ما الذي يدفعك لفعل ذلك ؟ ابني ليس قريباً لك و أنت لا تعرفينه حتى …
سألته :

– كونك مقتدراً يا سيدي فعندما تريد أن تساعد محتاجا فإنك تفعل ذلك إما بالمال أو من خلال قسم العلاج المجاني الذي خصصته بالمشفى ، أليس كذلك ؟.
أومأ موافقاً ، فأكملت :

– الحس الإنساني لا يقتصر على ذوي السلطة والمال ، الإنسان البسيط مثلي يملك الرغبة بالعطاء أيضاً ، لولا قلة ذات اليد ، الحصول على فرصة لفعل ذلك يسعدني و ليس ضرورياً أن يكون كل شيء قابل للبيع .

ارتسمت على شفتيه ابتسامة شاحبة و فتح ملفاً أمامه قائلاً :
– طالعت ملفك قبل قليل ، لا أصدق أن فتاة متعلمة مثلك تعمل بالتنظيف .
بادلته بابتسامة هادئة :
– الحاجة مرة يا سيدي ، كما أن العمل الشريف لا يعيب .
أغلق الملف وقال مؤكداً :
– عندما تقومين بالسلامة سأعيد النظر في أمر توظيفك وأجد لك مكاناً يناسبك .

لم أرفض ، فلن أخسر فرصة أن أتخلص من مهنة الشقاء تلك ، التزمت الصمت هنيهات وعيناي تحدقان بالأرض ، ثم تذكرت شيئاً ، فالتفتت إليه لتصطدم عيناي به ينظر لي بغرابة ، تملكني الخجل فعدلت شالي و قلت :

– في حال توفيت تحت العملية لأي سبب كان فلي طلب رجاءً .
– لا قدر الله  ، أطمئني يا آنسة ، الأطباء هنا من أكفئهم في البلاد ، كما أنها عملية سهلة بالنسبة لك عكس ابني ، فالزرع أصعب من الاستئصال .. و مع هذا اطلبي ما تشائين .
– هنا عاملة تُدعى حميدة ، تُكنى بأم حسام ، أرملة تعيل يتامى ، هلا خصصت لها مبلغاً شهرياً صدقة على روحي ، وضعها صعب و تلزمها المساعدة .
– اطمئني .. طلبك مجاب ، هذا وعد ، و لا داعي للقلق كما أخبرتك ، الآن لتتحدث في تفاصيل العملية .
‏‎
****
مر أسبوع بعد انتهاء العملية ، كنت في فترة نقاهة بغرفة خاصة مجهزة بأحدث العتاد الطبي ، لم ينقصني شيء مطلقاً بأمر السيد عادل ، كان يزورني من حين لآخر ليطمئن علي ، و قد تهلل وجهه و أخبرني أن جسد كريم – و قد كان أسم أبنه – بدأ يتأقلم مع الكلية الجديدة ، كما لم يبخل علي بأسمى عبارات الشكر والامتنان.
 
امتلأت غرفتي بالورود والهدايا ، القليل من بضع زميلات أعرفهن والكثير كانت من أطباء وممرضات أعرف أنهم ما قدموها إلا تملقاً و تزلفاً  لرب عملهم ، و رغم بعض الآلام التي كانت تزعجني من آن لآخر، فإني كنت سعيدة بالاهتمام الذي حظيت به و كنت افتقدته منذ سنين خلت ، و زادها سعادة فرحة أم حسام التي جاءتني دامعة لتعانقني و تقبل رأسي شاكرة حامدة الله على انتهاء عذابها ، هدأتها و قد حيرني حالها :

– أهدأي يا امرأة وأخبريني ما الذي حصل ؟.
سحبت كرسياً وجلست عليه و أبقت يدها على يدي وأجابت :
– فرجها الله علي يا زهرة ، وكله بفضلك يا عزيزتي .
– بفضلي أنا ؟.

– أجل .. لقد تضاعف راتبي مرتين ، كما تعهد لي المدير بالتكفل بمصاريف المواسم والأعياد لأبنائي، لم أصدق نفسي وكدت أقبل يديه شكراً ، سحبها قائلاً : أن علي شكرك أنتِ ، فأنت من نوه لحالي أمامه ، أليس كذلك ؟.
 
– آه.. أجل ، ذلك لا شيء يا عزيزتي .
كنت جد سعيدة من أجلها ، فأخيراً ستحل مشاكلها و يهدأ بالها ، لكن موقف السيد عادل حيرني وجعلني أفكر فيه مطولاً .
****

آن وقت العودة للمنزل بعد شهر كامل قرره السيد عادل دون داع ، لأني شعرت بتحسن كبير يجعلني قادرة على ممارسة حياتي بشكل طبيعي قبل أن يكتمل بكثير ، أثناء توضيب أغراضي داخل الحقيبة ، دق باب الغرفة فأذنت للطارق بالدخول ، كان السيد عادل بقامته المديدة و ابتسامته الهادئة .
 
تملكتني فرحة عارمة لرؤيته قبل مغادرتي ، فقد كان زائراً وفياً لي خلال إقامتي ، و إن كانت زياراته قصيرة لانشغاله ، ألفيته رجلاً دمث الخلق متواضعا مثقفاً ، عكس ما تخيلته من قبل .
قال لي ضاحكاً :

– ستغادريننا إذن ؟ .
بادلته الابتسامة و قلت مازحة :
– فقط لأيام قليلة ، سأعود بعدها لأجوب ردهات وغرف المشفى بعدتي ، و سأباشر بتنظيف مكتبك أولاً .

– هذا ما جاء بي يا زهرة ، قالها جاداً ثم أدخل يده في جيبه ليستل ظرفاً قدمه لي قائلاً :
– هذا راتب الشهر الماضي .
فتحته فوجدت فيه أربعة أضعاف راتبي ، كنت سأعترض ، لكنه قاطعني :
– هذا حقكِ ، عليك العناية بدوائك و غذائك جيداً الفترة القادمة ، كما تلزمك ملابس جديدة .
– ! ..
– من أجل وظيفتك الجديدة ، في قسم الترجمة هنا ، ألم أخبرك مسبقاً ؟.
رددت والدنيا لا تكاد تسعني من الفرحة :
– هل تعني أنني سأصبح أخيراً موظفة بشهادتي ؟.
استوى واقفاً و ربت على كتفي قائلاً :
– تستحقين أكثر يا زهرة ، لولا عنادك فقط. ستستلمين وظيفتك بعد أسبوع ، تجهزي ، و حمداً لله على سلامتك مجدداً .

ثم تقدم نحو الباب ليغادر الغرفة ، وضع يده على المقبض ليديره ثم توقف والتفت نحوي لتصافح عيناه العميقتان عيناي ، رسم ابتسامته الهادئة مجدداً على ثغره و قال :
– اعتن بنفسك يا زهرة ، أراكِ قريباً .
ثم رحل بهدوء تاركاً بقلبي وجعاً لا أدري كنهاً له و لا سبباً .
‏‎****‎

عدت إلى بيتي أخيراً  ، كان حنيني له كبيراً إذ لم يسبق لي أن فارقته من قبل و لو لليلة واحدة ، أوصلني سائق السيد عادل ظهراً ، شكرته و دلفت إلى إليه مسرعة لتستقبلني غرفة المعيشة الصغيرة ، وضعت حقيبتي أرضاً ، جبت ببصري حولها أستكشفها و كأنني غبت عنها دهراً لا شهراً ، وقع نظري على الصورة المعلقة على الحائط فتوجهت نحوها ، حدقت فيها مطولاً و أنا أمرر أناملي عليها ، فرت دمعة شوق من عيني ثم ما لبثت أن استحالت عبرات اندفعت تنهمر كالمطر على وجنتاي ،

اتخذت أقرب مجلس لي محاولة تهدئة نفسي و كبح جماح دموعي المنسابة ، لكنها أبت إلا أن تتساقط لتحمل معها كل ما يختزنه فؤادي من لوعة و وجع و أسى ومرارة ، تذكرت ما لم أنس يوماً ، كيف أنني كنت زهرة ذابلة ، بقايا شابة ببداية العقد الرابع من العمر، وحيدة في الدنيا ، غريبة عن الناس ، ربما لو كنت أملك شخصاً يهمه أمري لما تركني أتخلى عن قطعة من جسمي، لخاف علي و منعني ، هكذا مر بخاطري رغم أني لم أكن نادمة حقاً لفعلتي ،

تمنيت فقط لو وجدت من يربت على كتفي ، يواسيني ، يسأل عن حالي ، يحتضن ألمي و يقول لي : أن كل شيء على ما يرام وأنه لن يتركني ، تذكرت حضن أمي و دفء حجر أبي ، رحت أبكي و أبكي وأجتر ذكريات طفولة كانت آمنة ، دافئة وحميمية ، أخذني النعاس فنمت جالسة بدمعي على خدي ، و لم يوقظني إلا صوت رنين الهاتف لأجدني نمت لما يفوق الأربع ساعات ، أمعنت النظر بالرقم فوجدته غريباً ، فتحت الخط وسألت عن هوية المتصل ؟ ليجيبني :

 
– ألو .. أهلاً زهرة ، هل أنت بخير؟ .
– سيد عادل ! .
رغم آثار النوم المطبقة علي إلا أني لم أخطئ صوته الجهوري المميز .
– أجل .. اتصلت لأسأل إن كنتِ بخير وإن كان ينقصك أي شيء ؟ .
اعتدلت في جلستي و كأنه كان أمامي وأجبته :

– الحمد لله .. لا ينقصني أي شيء و كله بفضلك .
– لست بذي فضل يا زهرة بل العكس ، تذكري هذا دائماً ، عموماً هذا رقمي الخاص و إن احتجت لأي شيء اتصلي بي دون تردد ، واسمحي لي بالاتصال بكِ كل فترة للاطمئنان عليك .
– بالطبع، أكيد ، هذا شرف لي ، و شكراً جزيلا على سؤالك .

و دعني فأغلقت الهاتف و شعور الوحدة الذي كان يجتاحني قد خف بشكل كبير، قررت أن أستحم فوقفت بصعوبة مستندة على ذراع الكرسي و جررت نفسي جراً نحو الحمام ، أبصرت و أنا أزيل شال رأسي ملامحي بالمرآة ، شبيهة لأمي أيام صباها ، هكذا كان أبي يردد ، بشرة بيضاء وعينان واسعتان ، يعلوهما حاجبان مقوسان ، فم صغير وأنف دقيق ، مع شعر بني قصير، حللت ربطته وفردته ثم تأملت صورتي لأرى أن بي رغم شحوبي وإرهاقي مسحة جمال لم تخف ، بعض الاهتمام قد يعيدني إلى ما كنت عليه قبل سنين ، حياة عملية جديدة تنتظرني وبالتالي هيئة جديدة و مناسبة ، عرفت أن أوان التغيير قد حان.

‏‎****‎

أصبح تواصلي مكثفاً أكثر مع السيد عادل ، في خلال أقل من أسبوع توطدت علاقتي به بشكل مخيف ، كان يحادثني عدة مرات يومياً ، يسأل عن حالي و يخوض في أحاديث عديدة ، عرف عني قصتي وعرفت عنه بضع تفاصيل عن حياته ، عن كريم أبنه الوحيد ، عن زوجته إلهام التي تعمل مديرة لمدرسة خاصة ، بدت لي امرأة صارمة وعملية إذ رأيتها لدقائق زارتني فيها شاكرة باقتضاب عن صنيعي ، ورغم أنه لم يتحدث عنها كثيراً إلا أنني استشعرت أن كلامه كان جافاً خالياً من المشاعر .

 و شيئاً فشيئاً زال حاجز التكلف بيننا وأصبحنا أقرب لصديقين يجمعهما الاحترام ، كان الشعور بالعرفان ما يدفعه للطفه معي ، أو هكذا ظننت وقتها ، ومع ذلك بدأ يمس جوارحي ويتغلغل تدريجياً لداخلي ، أحببت شخصه وعفويته واهتمامه و قربه ، و وجدتني أتعلق به وأتشبث باتصالاته التي كانت مثل مطر يروي أرضاً عطشى ، شعور يفوق بأضعاف ما عشته من أحاسيس عبثية أيام مراهقتي الأولى ، في البداية ظننت الأسباب هي الوحدة ، الحاجة للحب ، والفراغ العاطفي ، لكن ألمي العميق وأنا أفكر بأنه حلم مستحيل ، وأن له حياة لا مجال أن يكون لي مكان فيها أكد لي أنني أغرمت به حقاً و تلك كانت المصيبة .
****

لم أصدق نفسي وأنا أترجل من سيارة الأجرة وأقف أمام الدرج المؤدي إلى بوابة المستشفى الزجاجية ، رأيت المكان مئات المرات مسبقاً ، لكن في تلك اللحظة رأيته بعين أخرى غير التي كنت أراه بها ، عنوانا للشقاء كان و أملاً للمستقبل أصبح ، صعدت الدرج واثقة ، عدّلت هندامي الجديد وسويت شعري ثم دخلت .
 
اتجهت نحو الاستقبال فاستقبلتني سلمى بنظراتها المتعالية المعتادة ، أخبرتها أن لدي موعداً مع المدير ، فأجابت باقتضاب :
– الأسم لو سمحت ؟.
– زهرة سالم .
رفعت عينيها و حدّقت بي من رأسي وحتى أخمص قدمي ثم وضعت يدها على فمها و هتفت:

– أنتِ زهرة ؟  زهرة التي أعرفها ! .
عقدت ذراعي وأجبتها بندية لا تشبهني تماثل تعاليها :
– أجل هي ، الموعد يا سلمى بسرعة .
مدهوشة رفعت سماعة الهاتف تحدثت قليلاً ثم أشارت لي بالصعود ، استقليت المصعد حتى الطابق الثالث ثم توجهت نحو المكتب و طلبت من السكرتير أن يبلغ السيد عادل بوصولي .
 
سعيدة ، مرتبكة و خجلة ، جلست بملابسي الرسمية وشعري المكشوف على غير العادة بعد أن سمح لي بالجلوس ، قال لي بنفس الابتسامة الهادئة التي عهدتها دائماً تعلو تقاسيمه :
– شكل جديد و مناسب جداً ، أحسنت الاختيار يا زهرة .
كان مختلفاً حتى في إطرائه ، تفصح عيناه عن إعجاب و إن اقتضبت كلماته .
 
– شكراً لك يا سيد عادل ، لكن روح زهرة هي نفسها لم تتغير .
– بالضبط .. وذلك هو ما أرجوه ، أن يبقى عبير زهرة نقياً دائماً كما عرفته .
ارتبكت و لم أجد بما أرد ، فران الصمت للحظات قال بعدها :

– قسم الترجمة هنا مسؤول عن المراسلات بيننا و بين المستشفيات و شركات الأدوية ، و أيضاً شركات المعدات الطبية في الخارج ، معظمها من أوروبا وأمريكا ، يعمل به موظفان و ستكونين الثالثة ، سيساعدانك في البداية ثم سينقسم العمل بينكم بالتساوي كل حسب اختصاصه ، هل هذا واضح ؟.

أومأت متحمسة فضحك و قال :
– تشبهين الأطفال بحماسك الزائد هذا ، عموماً أنتِ أبنة المكان وتعرفين مكان القسم ، مكتبك الخاص جاهز و ينتظرك ، انطلقي ، حظاً موفقاً .
حملت حقيبتي و سارعت بالمغادرة بعد أن ألقيت التحية ، لكنه ناداني :
– زهرة .

كان قلبي الصغير يرتجف وأنا أستمع لحروف اسمي تخرج من بين شفتيه ، استدرت نحوه فقال :
– أتمنى لك التوفيق .
– شكراً لك يا دكتور .
كان خروجي من مكتبه آنذاك هروباً من شرك كنت سأقع فيه عاجلاً أم آجلاً .
 
******

راحت تحتضنني وهي تبكي قائلة :
– مبارك يا زهرة ، مبارك يا عزيزتي ، تستحقين كل خير .
– شكراً لك يا حميدة ، هذا بفضل دعوات الصباح التي تستقبلينني بها دائماً .
كانت أم حسام كعادتها بصدق فرحتها ، و عفوية التعبير عنها ، مسحت دمعاتها وانصرفت لتكمل عملها ، مضيت بطريقي لأجد سامية أمام القسم تنتظرني
بابتسامة خبيثة :

– هنيئاً لك يا زهرة ، أكاد لا أصدق ما أرى ، أين كنا وأين أصبحنا ؟ .
تنهدت بملل وأنا أجيبها :
– يرزق من يشاء يا سامية .
– و نعم بالله ، لكن الوظيفة الجديدة ثمن بخس مقابل جزء غال اقتطعته من جسمك .
– ألمس سخرية في كلامك يا عزيزتي ، لذا دعيني أخبرك بأمر مهم ، لو أردت مقابلاً لما قدمته ، لربما ملكت هذا المستشفى الذي تعملين به بأكمله ، الوظيفة حق لي طبقاً لمؤهلات علمية تضمنها لي لم يؤخذ بها مسبقاً ، أتمنى أن تعي ذلك .. آه.. و أذيعيه على الجميع أيضاً ، تلك هي وظيفتك الفعلية ، أليس كذلك ؟ .

مطت شفتيها وابتعدت غاضبة ، و دخلت أنا المكتب ضاحكة لما تفوهت به ، ليس لؤماً مني لكن فقط حتى أوقفها عند حدها قبل أن تتمادى أكثر .
 
الفصل الثاني:
 
بعد شهرين…
 
كانت الساعة الخامسة مساء حين جلست على طاولة إحدى المقاهي قبالة السيد عادل ، إذ كان قد طلب مقابلتي هناك بعد الدوام ، و بشيء من الحرج سألته :
– ما هو الموضوع الذي تريدني بخصوصه يا دكتور؟ .
شرب جرعة من كوب عصيره ثم تكلم قائلاً :
– أخبريني عن العمل ، هل أنتِ مرتاحة ؟ .
–  للغاية.. العمل ممتع و يوسف وأحمد زميلان لطيفان ، ويساعدانني كثيراً .
– جيد .. اسمعيني الآن ، أريد منك شيئاً لا يمكن أن أطلبه إلا من شخص ثقتي به كبيرة جداً.

توجست للهجته الجادة رغم سعادتي بالثقة التي يضعها في شخصي :
– أطلب ما تريد يا سيد عادل و سألبي طلبك أن كان بمقدوري .
– زهرة ، أريد أن أسجل المشفى باسمك ، بيعاً و شراءً .
تعرضت لصدمات و رأيت مفاجآت كثيرة في حياتي ، لكن تلك بالتأكيد كانت أكبرها .
– نعم ؟ .
– كما سمعت ، لا داعي لأن أعيد كلامي .
– هل تمزح معي ؟.
رمقني بنظرات مخيفة :
– ما رأيك أنتِ ، هل جلبتكِ إلى هنا لأمزح معك ؟.
كان جاداً بالفعل ، لذا استجمعت شتات أفكاري و سألته :

– اسمح لي يا دكتور ، لكن المجنون فقط من يقدم على فعلة كهذه ، أنا مجرد غريبة عرفتها منذ بضعة أشهر ، كيف تثق بي ؟ لا ، السؤال الأهم هو لماذا ؟.

– إما أنت أو إلهام ، و أفضل أن تأخذيه أنتِ بدلاً عنها ، أنا أثق بكِ لأن من يهب شيئاً ثميناً و دون مقابل ، و بإمكانه رغم ذلك الحصول على الملايين يستحق الثقة ، وسأسترجعه منك بعقد بيع آخر بعد فترة وجيزة ، ستعيدينه ، لي أليس كذلك ؟.
قالها ضاحكاً دون أن يتحمل عناء شرح الطلاسم التي تفوه بها ، استفزني فأجبته :
– في حال شرحت لي أكثر ، فعقلي صغير لا يحتمل حل الأحاجي ، و أنا لم أفهم شيئاً بصراحة .

– حسناً ، أنا آسف ، أنا وإلهام علاقتنا شبه منتهية منذ زمن ، و لا يجمعنا سوى كريم ، كنا سننفصل منذ فترة لكن الحادث أخر ذلك ، و رب ضارة نافعة .
بلل ريقه بجرعة ماء وأنا أرقبه مدهوشة غير مصدقة أن حلمي سقط من خانة المستحيلات ، أردف بعدها متنهداً بحسرة :

– كان زواجي وإلهام تقليدياً قرره أبوانا ، و قد كانا صديقان حميمين ، لم أعترض فجل همي وتفكيري كان منصباً على الدراسة والتخرج بتقدير عال لأكون مؤهلاً لإدارة المشفى بعد والدي رحمه الله ، كنت أعرفها من بعيد فقط ، عندما تحادثنا أعجبتني ثقافتها و وقارها ، قلت في نفسي أنها ستكون زوجة مناسبة لطبيب و ستشرفني وسط صفوة وكبار العائلات بالمجتمع ، و قد كانت كذلك حقاً ، حتى تغير كل شيء منذ خمس سنوات .

تنبه لملامح وجهي المتحفزة لإكمال حكايته فضحك قائلاً :
– أنتن النسوة تعشقن قصص الزواج والفراق .
أخفضت عيني خجلاً ، ليستطرد :

– على قدر النظام الذي كان يسود حياتنا كان البرود الذي يلفها ، حياة خالية من العاطفة والحب والمشاعر ، اكتشفت بلحظة أن خمسة عشر سنة من زواجنا مرت كأننا آلات ، طوال الوقت عمل عمل ، عمل ، دون أن نحظى بلحظات سعيدة معاً ، دون أن نسافر و نقضي لحظات ممتعة تغير روتين حياتنا المنظم وفق برنامج محدد ، أنا و مشفاي و هي ومدرستها ، و لا نلتقي إلا مساءً على طاولة العشاء لنتبادل الحديث كأغراب .

حادثتها ، شرحت لها ما أفكر فيه ، لكنها سخرت قائلة : أنني أعيش مراهقة متأخرة وأن أيام الشباب ولت و هي ليست مستعدة لترك نظام حياتها من أجل متع عابرة لن تفيد شيئاً ، كانت متشبثة برأيها و رفضت أي تغيير في حياتنا ، تباعدنا تدريجياً حتى أصبح مجرد اجتماعنا بمكان واحد يعد ظاهرة ، كنت أنتظر حتى يبلغ كريم الثامنة عشر لأطرح فكرة الانفصال ليرتاح كلانا ، و ها قد فعل منذ أيام ، لكن هناك مشكلة لم أنتبه لها سابقاً .
– والتي تتعلق بالمستشفى؟ .

– أجل .. أنا وإلهام عقدنا قراننا بأمريكا ، و وفقاً للقانون هناك يحق لها الحصول على نصف ممتلكاتي إذا ما كانت فترة زواجنا قد تجاوزت العشرين سنة ، يمكنها أخذ ما تشاء إلا هذا المشفى ، لن أسمح لها بأخذه مهما حدث .. ها .. هل تساعدينني؟ .
رحت أفكر لفترة ثم قلت :

– افرض أني توفيت قبل أن تسترده ، سيصبح من أملاك الدولة و يضيع للأبد ، فلا وريث لدي .

– أنتِ تخترعين حججاً للرفض !.
– أبداً !  أخبرني هل تضمن حياتك لساعة ، لا ، بل لدقائق ؟.
 
فكر قليلاً وأجاب :
– حسناً .. حسناً سأغامر ، لا خيار آخر لدي ، فلا أريد خسارته أبداً .
 
– أفعل ما تريد يا دكتور و أنا طوع أمرك .
ارتسمت على ثغره ابتسامته الهادئة و قال ما جعلني أذوب خجلاً :
 
– أشعر أن الحياة ستعوضني ما افتقدت قريباً .
***‏*

اتفقنا على يوم محدد لإتمام الإجراءات التي تكفل بها السيد أيمن محاميه الخاص ، لم أكن مرتاحة لتحملي مسؤولية كبيرة كتلك ، و لولا الألم الخفي الممزوج بالحدة الذي استشعرته بصوته حين صرح بأنه لن يخسر مشفاه أبداً لما قبلت ، فلا أريده أن يتألم مطلقاً طالما أنا قادرة على المساعدة .

بعد أيام وقعت العقد بيد ترتجف داخل مكتب الشهر العقاري ، و قانونياً أصبح العقار ملكاً لي بأوراق رسمية .

أثناء استقلالي للسيارة بجواره تنبهت لصمت السيد عادل المريب و كنت لم ألاحظه قبلاً بسبب توتري ، زادت دقات قلبي وتوجست خيفة فابتلعت ريقي وسألته :

– هل من خطب يا دكتور؟.
وكأنني قاطعت رحى أفكار كانت تدور برأسه ، التفت لي وأجاب بنبرة بدت لي قلقة رغم الابتسامة الباهتة التي علت محياه :
– لا .. أبداً .. شردت قليلاً فحسب .
– تبدو قلقاً .. هل أنت نادم ؟.

أطلق تنهيدة طويلة وعميقة وأجاب بعد أن وضع يده على يدي قائلاً :
– لا .. لست نادماً .. أنا أثق بكِ ، و ثقتي بالأشخاص لا تخيب .
تناسيت خجلي من لمسته وسألت وقد عرفت أن للحديث تتمة :
– إذن ؟.
– أنا قلق بصددكِ ، المحامي نبهني لشيء مهم كنت غافلاً عنه قد يجرك إلى متاعب لا حصر لها .
سألت و قد بدأ صبري ينفد :
– والذي هو؟ .
تجاهل سؤالي وأطلق قنبلته مباشرة و دون مقدمات:
– زهرة .. هل تتزوجينني؟.
 
****
 
– زواج سري هو آخر ما كنت أتصور، فحتى إن كانت مشاعري للدكتور عادل صادقة و تعلقي به قوي ، لكني غير متحمسة كفاية للزواج منه بهذه السرعة و هذه الطريقة ، صحيح أني أريد الارتباط ممن أحب ، أبني بيتاً و أسس أسرة وأطلّق الوحدة التي خنقتني ، لكن ليس بهذه الظروف ، والطامة أنه رجل متزوج !.
..
– الزواج ما دام شرعياً و قانونياً لا غبار عليه يا عزيزتي ، ثم إنك قلت أنه سيطلق زوجته قريباً ، ، وأنا أرى أن هذه الزيجة لصالحك .

زفرت مطولاً وأنا أحدث نفسي أكثر مما كنت أحدث أم حسام :
– لا أعلم إن كان لصالحي أم لصالحه هو يا حميدة. ..
ران الصمت للحظات تجرعت فيها رشفات من فنجان قهوتي قبل أن يصدر ضجيج وهتاف أطفالها من خارج مطبخها الصغير ، ابتسمت و قلت :
– سعيدة جداً لسعادتهما .
– ألعاب الفيديو ألهتهم خاصةً أيام العطل ، خف عني حمل مطاردتهم و مراقبتهم في الشارع طوال اليوم .
– صحيح .. حتى وجهك يبدو أكثر إشراقاً يا عزيزتي .
ردت بضحكة صافية :
– دعكِ مني الآن وأخبريني ماذا قررت ؟.
– لا أعرف ، أنا معلقة بين نارين يا حميدة .

ليلة يوم العطلة ذاك وضعت رأسي على وسادتي بعد أن عدت من بيت أم حسام حيث قضيت وقتاً ممتعاً معها وأبناءها ، كان يعج بأفكار شتى و تتصارع فيه رغباتي مع خوفي من تبعات الانجرار إليها ، رحت أجتر حديث الدكتور عادل الأخير لي بعقلي مراراً وتكراراً ، كنا في مقهى صغير مجاور للمكتب حين سألته :

– هل تمزح معي؟ .
ألا تعرفين سوى هذه الجملة ؟ أنا حقاً أحببتك يا زهرة ، أحببت نقاءك و صدقك وإيثارك وصبرك ، وأود لو تشاركيني بقية حياتي .
كان رداً سريعاً فقطع بوادر دهشتي ، و على الرغم من سعادتي اللامتناهية والمتوارية تحت كلمات اعتراضي ، قلت :
– دكتور .. أنت متزوج !  هذا عدا عن أنك تبالغ ، أنا فتاة عادية ، لا تغرك بضعة مواقف.
– سأطلق قريباً ، ثقي بي ، هذا أولاً ، و ثانياً أنا أتفهم ما تعنين تماماً و أعيه جيداً ، لست غراً فاطمئني .

– بعد طلاقك سنتحدث إذن .
– أنتِ لا تفهمين .. هناك مشكلة .
رمقته بنظرات متسائلة ، فاسترسل :
– في حال علمت إلهام أن المشفى أصبح ملكاً لكِ لن تصمت .
– و ماذا يمكن أن تفعل ؟ .
– لا أدري ، كل ما أعلمه أني يجب أن أكون قريباً منكِ حتى أحميكِ منها و أقطع لسان كل من تسول له نفسه المساس بسمعتك .
– ألهذا تريد الزواج مني ؟.

قلتها بخيبة أمل وغضب شديد وأنا أستعد للرحيل ، فقد اتضح لي أن غايته التكفير عن ذنبه وحسب .
وقف بسرعة وأمسك ذراعي يستوقفني قائلاً :
– اجلسي يا حمقاء ، أنت بطيئة الفهم حقاً ، الناس تنظر إلينا ، هيا أجلسي .
جلست مرغمة و خجلة من نظرات الناس حولي فأردف :
– أخبرتكِ أنني أحبك ، و أنا لا أكذب ، كنت سأؤجل كل شيء إلى ما بعد الطلاق لكن الظروف من حكمت ، ألا تثقين بي ؟.
– بلى .
نطقتها بسرعة لأني كنت أعنيها ، و مع هذا ندمت لعدم تريثي في الإجابة ، فقلت :
– أقصد .. أثق بك و لكن ليس ثقة مطلقة ، فالحياة علمتني الكثير ، فقط والداي رحمهما الله من كانا أهلاً لها .
قال بنبرة يشوبها مكر :
– كلام سليم يجعلني أعيد التفكير في نتيجة ثقتي بكِ.
أجبته بثبات :
– من هذه الناحية كن مطمئناً ، فزهرة لا تخون أبداً.
– ولا عادل يفعلها ، أجيبيني الآن ، هل أنت موافقة ؟.
– انتظرني بضعة أيام لأفكر ملياً .

– أيام قليلة وحسب ، فقضية الطلاق ستكون في المحكمة عما قريب .
كان رأسي سينفجر من التفكير، أزن المسألة بين عقلي وقلبي فينتصر الأخير الأحمق في كل مرة ، نمت وأنا أتخيل رد والداي في حال كانا على قيد الحياة ، كانت الإجابة في خيالي كما رأيتها بعدها في أحلامي  “تزوجيه يا زهرة” .
****
الفصل الثاني :
 
أيام مرت تتبعها أسابيع حتى انقضت من الشهور ثمانية أشهر ، عشتها سعيدة ، آمنة ، مطمئنة ، و لم ينغص علي أحياناً إلا كوني زوجة سرية لرجل متزوج ، و إن كان على أبواب الطلاق ، بقيت حينها جلسة فقط إذ طالت القضية بسبب العطلة القضائية ، و بعدها يقع الطلاق رسمياً لتنكشف أخيراً علاقتي به أمام الناس وأعيشها في النور بدل العتمة .
 
قضيت شهر العسل بجولة في أوروبا كانت كالحلم ، ثم استقريت بعدها في شقة اشتراها عادل خصيصاً لي ، و أمر بفرشها أثناء غيابنا ، تركت ملاذي الآمن عن قناعة تامة أني وجدت آخر أكثر أماناً من مجرد جدران صماء ، و إن حمتني في سنوات وحدتي من أنياب الذئاب ، كما كفت عني قيظ الصيف وأمطار الشتاء .

عادل كان الحائط الذي تمنيت لو أستظليت تحته طيلة العمر ، الحضن الدافئ الذي وددت لو لم أفارقه قط ، الأب و الأخ والصديق والحبيب والزوج ، كان يعني لي كل شيء ، و بخسارته خسرت كل شيء ، أتساءل أحياناً هل بالغت بتعلقي به ، أما كان يجدر بي معرفة أن للحياة تقلباتها و للقدر لعبته ؟

أهي الغفلة من أنستني حديث أمي المأثور عندما تراني أضحك ” كثرة الضحك لا يأتي بعدها إلا البكاء يا زهرة ، فإذا زاد الشيء عن حده انقلب إلى ضده “حتى أني أصبحت أخاف كلما ضحكت وأتوجس خيفة ! هل نلت جرعة سعادة مفرطة انقلبت ضدي بين عشية وضحاها ؟  الكثير من الأسئلة التي لا تنفك تطرق رأسي وتعذبني إلى جانب صور وذكريات تلك الأيام التي كانت هي بداية النهاية .

 
*****

في مكتبي بالمشفى كنت أعكف على ترجمة فاكس وصل من إحدى شركات المعدات الطبية الأمريكية بمعنويات مرتفعة و ذهن صاف ، حين نطق أحمد ، شاب في الثلاثين من عمره ، كان لطيفاً خدوماً ، لكنه خجول في العادة و قلما يحادثني إلا للضرورة على عكس يوسف المرح والاجتماعي ، تحدث وقال :

– آنسة زهرة .. ألديك التزام ما بعد الدوام ؟.
رفعت رأسي إليه متعجبة من سؤاله وأجبت بتلقائية :
– ها ؟ .
ارتبك و بدت عليه أمارات الحرج ثم التفت ناحية يوسف الذي أشار له غاضباً بعدة إشارات لم أفهمها ، كنت أراقب تصرفاتهما الغريبة حين سألت :
– ما الأمر؟.

أخفض أحمد رأسه أما يوسف فأجاب بغيظ :
– أحمد كان يسألك إن كنت ملتزمة بعد الدوام؟ .
– كلا .. لست منشغلة .. لماذا ؟ .
وجهت السؤال لأحمد وأنا أفكر في كمية الأواني المرصوصة في حوض المطبخ و وجبة العشاء التي فكرت بإعدادها .

– أريد أن أحادثك بموضوع مهم .
– حسناً .. نتقابل في الكافتيريا بالأسفل إذن .
– لا .. بل المواجهة للمشفى أفضل .
قالها بلهجة قاطعة فما كان علي سوى القبول .

قبيل انتهاء الدوام بدقائق ذهبت عند عادل بحجة أوراق مهمة ، و كانت زياراتي له قليلة لدرء الشبهات ، دخلت بعد أن طلبت الإذن ففوجئت بضيفه أمامي ، لم أره شخصياً من قبل إلا من خلال صوره على هاتف والده برغم الرابط القوي الذي كان يجمعنا ، شاباً مراهقاً بهي الطلعة يشابه أباه بشكل كبير ، كان كريم ، وقف عن كرسيه و مد يده لي مبتسماً و قال و كأن نسخة عادل المصغرة تتكلم :

– كان يجب أن يكون لقاءنا هذا قبل عام ، تشرفت برؤيتك يا آنسة زهرة .
لم أجد بما أرد سوى مصافحته و شكره و السؤال عن حاله ، لاحظ عادل اضطرابي فقال :
– كنت سأطلبك لولا قدومك ، كريم جاء خصيصاً لرؤيتك و شكرك ، فالفرصة لم تسنح له قبلاً بسبب انشغاله و دراسته بالخارج .

سعدت به كثيراً ، نموذج مخالف لشباب منطقتي البسطاء ، كان راقياً ، أرستقراطياً ، مهذباً ، تحدثنا قليلاً ثم تركتهما وغادرت دون أن أخبر عادل بأمر أحمد ، كنت سأتراجع عن الذهاب لكني رأيته و رآني ، فما كان مني إلا الرضوخ وإتمام الموعد .
****

– هل أنت غاضب مني؟ .
سألت عادل و قد رأيت الشرر يتطاير من عينيه .
– أجل ..كان يجب أن تفكري أكثر ، فما الذي يدفع شاباً لمواعدة فتاة بمقهى سوى أنه معجب بها ؟.

– أنا آسفة حقاً .. أحمد خلوق و طيب ،  وقد أخبرته أنني مرتبطة ، فتقبل الأمر بروح رياضية .

وقف عن طاولة الطعام و لم يتمم عشاءه ، سكب كوب عصير بارد و تجرع منه جرعة كبيرة ثم قال بهدوء يبعث الريبة :
 
– وهل تفهمه يعني أن أترك زوجتي ثمانية ساعات يومياً أمام نظرات عاشق ولهان ؟.
– ماذا تقصد ؟ هل ستطرده ؟ لا يا عادل ، ستقطع رزقه ،  قطع الأعناق و لا قطع الأرزاق.

– اطمئني يا عزيزتي ، زوجك ليس قاسياً لهذه الدرجة ، بل سأقطع عنقكِ أنت إن خطوت هناك مرة أخرى .
فهمت مقصده ، كان الحل الأمثل ، و مع ذلك آلمني كوني أحببت العمل كثيراً ، تنهدت بحرقة وأنا أجيبه :

– حسناً .. لا حل غيره .
تقدم نحوي و راح يمسح على شعري بحنو قائلاً :
– لا تحزني .. انتظري فترة قصيرة فقط ،  دعيني أنهي قضية الطلاق وأستريح ، و ساعتها سنرتب حياتنا من جديد و ربما نفكر بمشروع خاص بك ، معهد صغير لتعليم اللغات مثلا .
كان ذلك هو عادل ، رجل لديه قدرة خرافية على امتصاص حزني و رسم البسمة على شفتي ، قفزت وعانقته جذلى كطفلة صغيرة ، ضحك مبادلاً إياي العناق قائلاً :

– تجهزي نهاية هذا الأسبوع ، سنذهب في إلى البحر تعويضاً عن فترة لابأس بها ، ستقضينها في المنزل .
 

يُتبع ……..

تاريخ النشر : 2021-01-08

وفاء سليمان

الجزائر

مقالات ذات صلة

15 Comments
Inline Feedbacks
شاهد جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى