أدب الرعب والعام

على الهامش

بقلم : النصيري – مصر

أشعل المصباح فإذا بهذا السائل بركة من الدماء و مرفت ملقاة على وجهها مصابة بعدة طعنات في ظهرها
أشعل المصباح فإذا بهذا السائل بركة من الدماء و مرفت ملقاة على وجهها مصابة بعدة طعنات في ظهرها

اليوم الثلاثاء الحادي عشر من أغسطس ، تم توديع المحقق القانوني جمال توفيق من المؤسسة التي يعمل بها اليوم أتم الستين من عمره ، لذا أحيل للتقاعد ، لم يستوعب الموقف و كأنه صُدم صدمة شديدة توقف عندها تفكيره و جمدت عواطفه ، إلا أنه بعد نهاية الحفل و خروجه إلى الشارع وحيداً رجع له التفكير و تحركت عواطفه و بدأ يستوعب ما حدث له فأدرك أنه مؤلم ، و بدأ يزن الأمور بعملية حسابية بسيطة ، ماذا أخذ و ماذا فقده في سنوات عمره التي مضت دون أن يشعر ؟ لقد ضاعت هذه السنوات في نشوة الشباب والصحة فأغرق نفسه في اللهو و نزواته ظناً منه أنها لا تنتهي و أنه هو المسيطر و القادر، و ترك قطار الزواج لم يعبأ به فهو لا يحب أن يكون مسئولاً عن زوجة ثم أولاد ، لكنه أدرك الأن مرارة الموقف و هو في الشارع عائداً من عمله الذي سوف لا يعود إليه مرة أخرى ،

عائدا وحيداً هل يمكن أن يتدارك الموقف و يصلح ما أتلفته الأيام ؟ نظر إلى الشارع الذي تقطعه السيارات سريعة وهي تسبح في سراب و كأنها هاربة من لهيب الشمس ، فاذا ببصره أصبح ضعيفا و حركته أصبحت بطيئة مؤلمة ، حاول أن يصعد على الرصيف ، تألم من عظامه و شعر بأن الطريق طويلاً و شاقاً على الرغم أنه كان لا يستغرق معه عشرون دقيقة سيراً على الأقدام ، أغلق خلفه باب شقته مستقبلاً ، أول ليلة له بعد تقاعده ، تكلم كثيراً على هاتفه مع أصدقاء العمل ، لم يسمع منهم إلا عبارات أجمل الأمنيات في حياته الجديدة ، فجأة تذكر احدى الزميلات مرفت محمود الكيميائية بالمؤسسة ، لم ينكر أنه تعلق بها عاشقاً و محبة ، رفض بشدة فكرة الزواج منها و خيرها أن يكونا صديقين ،

و على الرغم من شخصيتها المتحررة إلا أنها رفضت هذه الفكرة ، حاول إقناعها و لكن دون جدوى ، ردت عليه بضحكات متقطعة ، أنا لا أعرف الحياه من هذا النوع و لم أكن صديقة لأحد من قبل ، قالت له بليونة و أنوثة :  أنا سبق لي الزواج مرتين ، ما زالت كلماتها عالقة بذاكرته عندما قالت ساخرة منه : لا تخف ، لن أطلب منك تسديد قائمة العفش أو نفقة متعة إذا حدث طلاق ، لافتة أنظار العاملين بضحكات بصوت لا تمله الأذن ، و عندما أعلن موافقته وضعت أمامه شروطاً إذا أراد الزواج منها ، قالت دون خجل : أنا امرأة مسرفة و كثيرة الأنفاق ، و أنها تكره الرجل الغيور ، و أهم هذه الشروط أني متحررة و أفعل ما أشاء ، و كأنها أدركت ما يدور في رأسه ، قالت : أن تحررها لا يعني أنها امرأة سيئة ، سألها عن مفهوم التحرر عندها ؟

قبل أن ترد على سؤاله دعته بأن يستضيفها على قدح من الشاي ، وافق على الفور سعيداً بذلك : ألم تجيبي عن سؤالي ؟ أرجوك لا تغضب من ردي فأنا واثقة أنه لا يعجبك في دلال ، مثلاً إذا أعجبني شخص ما و دق له قلبي و تحركت له عواطفي فوراً سأطلب الطلاق ، فلا ترفض و تدعي بأنك تحبني و تأكل قلبك الغيرة ، سنكتب ذلك في عقد الزواج ، تذكر جمال كل ذلك الأن هو لم يرى فيها إلا امرأة مجنونة ، هل يعود إليها ليقضي ما تبقي من عمره معها ؟ إنه معجب بهذا النوع من النساء فهي واضحة و صريحة ، حتى في خلاعتها و مجونها لا تصنع ما تصنعه من تدعي الشرف ، فإذا عشقت غير زوجها تجد من العار والخوف أن تطلب الطلاق من أجل استحالة الحياة بينهما فتصبح في نظر المجتمع مجرمة و تحت الحاح الحب والرغبة تلجأ هي وعشيقها إلى قتل الزوج المسكين ، أذن مرفت أفضل بكثير، عرض الأمر على أخوته فرحوا له فرحاً صورياً غير حقيقياً ، فبزواجه سيضيع ميراثه مع أول مولود سينجبه ، و هم يترقبون لحظة وفاته بفارغ الصبر ، و كثيراً ما حمدوا الله أنه لم يبدد ميراثه على نزواته .

 تم الزواج في هدوء دون احتفال صاخب كما طلبت العروس فهي ملت ذلك ، لم يكن للعروس أهل غير خالها المسن الذي خضر الزفاف على مضض و ذلك لحالته الصحية ، هكذا تم زواجه بعد عشرة أيام من أحالته للتقاعد ، لم تشعر العروس بالملل فقد أغدق من ماله بسخاء ، رحلات و فنادق على أعلى مستوي و سهر ليالي في أشهر المراقص ، و كانت في كامل حريتها في مكياجها و ملابسها العارية .

 ضاق أخوته بذلك ، فأصبحوا في بلدتهم موضع للقيل والقال و نعت أهل القرية زوجها بأنه خنزير لا يعرف الغيرة ولا الرجولة ، طلب منه أخوته بأن لا يأتي إلى البلدة و وضعوا شروطاً أن أراد زيارتهم أن تحتشم زوجته في ملابسها وسلوكها  و إلا سيحدث لها و له ما لا يُحمد عقباه ، و عندما أخبرها بذلك أتهمتهم بالرجعية والتخلف و أنها ترفض الذهاب إلى قريتهم الموبوءة بالأمراض و المليئة بالحشرات ، شعر الزوج بأنه في ماراثون لا نهاية له لتلبية مطالبها وإشباع رغباتها ، و بدأت الميزانية تنضب و لم يتبق إلا راتبه الذي لا يكفيها ساعة واحدة  ، ماذا يفعل ؟ و بدأ يبحث عن حل فلم يجد إلا ميراثه ، عدد من الأفدنة عائدهم جنيهات قليلة ، و منزل عبارة عن فيلا لا يسكنها فأصبحت مهجورة ، أراد أن يبيعه لأخوته الذين عرضوا عليه سعر بخس و أنذروا أهل القرية من يفكر في شراء ارض أخيهم سيكون مصيره القتل ، فأعرض الناس عنها .

 عاد يائساً حائراً ، نادى عليها فلم تجيب ، أصيب بشيء من القلق ، أين مرفت ؟ هذه ليست بعادتها ، أنها دائماً تنتظره لتسأله عما أحضر لها ، نادى عليها مرة أخرى فلا مجيب ، دخل إلى المطبخ ، انزلقت قدمه في سائل لم يكن ماء ، أشعل المصباح فإذا بهذا السائل بركة من الدماء و مرفت ملقاة على وجهها مصابة بعدة طعنات في ظهرها ، و يبدو أن الجاني ترك آلة القتل و فر هارباً ، شهق الرجل بصوت مرتفع ثم أعقبه صراخ مكتوم حتى لا يسمعه أحد ، وقع ظنه أن من قتلها هم أخوته ، أسرع اليهم و لكنهم أنكرو بشدة ، نصحوه بإبلاغ الشرطة فوراً ، أذن من قتلها ؟ حضر رجال الشرطة و النيابة ، وجدوا أن القتيلة و كأنها كانت تستعد لاستقبال ضيوف من أصدقائها و ذلك من الأواني و زجاجات الخمر التي تعودت على تعاطيها ، و مجموعة من الكؤوس وُضعت على البار ، و سجائر محشوة بمخدر الحشيش .

 بسؤال الزوج من أرتكب الجريمة ، لا أعلم سيدي ، لفت المحقق نظره بسؤاله : هل من مناسبة تحتفلون بها ؟ سيد زوجتي … قاطعه المحقق : هل المجني عليها زوجتك ؟ نعم ، سيدي ، لم تكن هناك مناسبة ، فزوجتي دائماً تدعو أصدقائه و صديقاتها للسمر والتسلية ، قاطعة المحقق : و هل هذا بشرب الخمور وتعاطي المخدر ؟ هذه جريمة أخرى ستُوجه اليك ، سأله المحقق : هل أنت من قام بقتلها ؟ أقسم بأنه ليس من قام بالجريمة ، سيدي أنا رجل مسن فكيف لي أن أقتل ؟ أمرنا نحن بحبس ، ما اسمك ؟ أجاب بصوت مهزوز : أسمي جمال توفيق ، هز رأسه ، أمرنا بحبس جمال توفيق خمسة عشرة يوم على ذمة التحقيق لحين ظهور أدلة جديدة تثبت براءتك أو إدانتك ، كما أمرنا بتشريح الجثة للوقوف على ملابسات الجريمة ،

أبلغهم بأسماء الفتيات و السيدات اللائي كن على علاقة بها و أسماء أصدقاءها في العمل الذين يتقربون اليها ، لم تثبت التحريات دليلاً لإدانة أحد منهم ، وجدوا أن التهمة تحوم حول الزوج جمال توفيق . عادت التحريات بسؤال الجيران الذين أكدوا أن يوم وقوع الجريمة عصراً حدث شجار بين الزوج و المجني عليها و تبادلا السباب بألفاظ خارجة ، و أكد أحد الشهود بأن الزوج أتهمها بأنها امرأة سيئة و يبدو أنه قام بالاعتداء عليها بالضرب و بعدها عم الصمت ، لا ندري لماذا ، هل قتلها ؟ أعقب ذلك خروج الزوج لفترة ثم عاد ، بسؤال النيابة له أنكر بشدة أنه يحبها و لا يمكن أن يفكر في قتلها ، نعم سيدي ، تشاجرنا و ضربتها ، هذا أمر عادي و يحدث بين كثير من الأزواج ، توقف ليلتقط أنفاسه الموضوع هكذا لكنه لا يصل للقتل ، قدم المحقق أداة الجريمة ، هل هذا السلاح يخصك ؟ رد منفعلاً : هذه مطواه لا يستعملها إلا البلطجية والخارجين على القانون ،  يا سيدي أنا رجل قانون .

 أقترب يوم المحاكمة و توقع الجميع حكماً قاسياً ، أقنع محاميه بمطابقة البصمات من على أداة القتل على أخوة المتهم ، فكانت المفاجأة مطابقة البصمات مع بصمات أصغر إخوته ! شاباً مراهقاً أساء اليه ما سمع عن زوجة أخيه من سوء سلوكها فأقسم أن يقتلهما و يتخلص من عارهما ، فتحت له الباب فدفعها ، حاولت الهروب إلى المطبخ و لكنه باغتها بعدة طعنات قاتلة ، أصيب جمال توفيق بالذهول و الحزن عليها ، لقد  أصبح الأن على الهامش.

النهاية ……

تاريخ النشر : 2021-09-01

مقالات ذات صلة

9 Comments
Inline Feedbacks
شاهد جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى