قتلة و مجرمون

عندما تنزف الطفولة -2- : وَديمة وميرة

الوحشية ليس لا جنس لها أو وطن أو دين . وموطن قصتنا اليوم في ( سلسلة عندما تنزف الطفولة) ليس ببعيدٍ عن هنا . فمن قلب الوطن العربي كُتبت فصول هذه الجريمة الشنعاء التي هزت الرأي العام . جريمة نكراء بشعة . جسّدت معنى أن يتحول الإنسان إلى شيطان بل أكثر . وكانت ضحيتاها طفلتان صغيرتان بعمر الزهور . وَديمة وميرة، فماالذي حصل معهما؟ .

بداية قصة وَديمة وميرة

عام ٢٠١٢ في إمارة دبي في الإمارات العربية المتحدة عاش حمد عيسى الشيراوي، كان شابا في ٢٧ من العمر . مطلق من زوجته السابقة سلمى وله ابنتان منها (وديمة ٨ سنوات) و(ميرة ٦ سنوات) . ويعيش في استوديو ذو غرفة واحدة معهما وعشيقته (العنود) .

حمد كان إنسانا حاقدا ناقما خاصة على زوجته السابقة سلمى المزروعي . والسبب أنها أرادت الطلاق منه قبل خمس سنوات بسبب تصرفاته العنيفة والعدوانية معها وإدمانه للخمر والمخدرات . ولأن لهيب حقده عليها كان في أوجه، وأراد أن يرد لها الصاع صاعين . و لم يجد طريقة سوى أن يرفض تطليقها بالبداية ولكن مع إصرارها ساومها على حضانة البنتين . ولأن حالتها النفسية كانت جد صعبة مما عانته معه أجبرت على التنازل عنها .

blank
الصغيرتان ميرة ووَديمة

وَديمة وميرة كانت تعيشان كالأميرتين في حضن والدتهما، كانتا سليمتان وحسنتا الشكل و المظهر علاوة على أنها ألحقتهما بمدرسة ابتدائية متميزة . كان هذا قبل أن يطل حمد عليها بورقة قانونية في يديه تقضي بنزعهما من حضن أمهما بالقوة .. وتسليمهما لجدتهما من أبيهما . ليمكثا هناك فترة دخل هو فيها للسجن . لكن الجدة لم تحصل على قرار التنفيذ، بسبب عدم سداد حمد مستحقات مالية متعلقة بمؤخر الصداق لطليقته . فحررت الأخبرة بلاغاً تتهم فيه الجدين بخطف الطفلتين، وحصلت عليهما .

إقرأ أيضا : لغز مقتل فتيات الكشافة

ولكن لأن حمد لا يهدأ فبعد خروجه من السجن مباشرة سارع ليستغل كل ثغرات القانون المدني ليعيدهما إلى حضانته . وهذا ما حدث بالفعل .

بموجب القانون نفسه كان على الطفلتين أن تزورا والدتهما مرة في الأسبوع . لكن مرت ستة أشهر ولا صوت لوَديمة ولا لأختها ميرة . احترق قلب الأم ذات ٢٤ سنة وهي لا تسمع أخبار ابنتيها ولا تكحل عينيها برؤية وجهيهما . حاولت لكن دون جدوى وهي حتى لم تعرف عنوان البيت الذي تقطنانه، وذلك لأن العنوان المدون في حكم الحضانة كان مزيفا . اشتكت للجهات المعنية كربها مرارا ولكن كانت كأنها تحرث في الماء . ومع ذلك رفضت العديد من عروض الزواج آملة أن تستعيد حضانة ابنتيها يوما وتكمل تربيتهما .

مأساة الفتاتين

في نهاية شهر يونيو من نفس العام قرر محمد عيسى العم الأكبر لوَديمة وميرة والذي كان حنونا عليهما رؤوفا عطوفا مذ كان يعيشان معه في منزل الأسرة الذهاب للإطمئنان عن الصغيرتين بعد انقطاع أخبارهما . دق الباب لتفتح له العنود عشيقة أخيه الباب وتخبره أن شقيقه في السجن وأن الفتيات عند والدتهن . نبرة صوتها المتوتر وحال البيت الذي كان أقرب لزريبة حيوانات جعلا الرجل يشك . وما زاد ذلك سماعه لأنين آت من نهاية الأستوديو الذي يعيشان فيه . ورغم محاولات العنود ثنيه عن التقدم إلا أنه واصل حتى الحمام، وففتحه فإذا به يرى ما لا قد يتخيله بأبشع كوابيسه .

إلى جانب العفن والقاذورات المرمية هناك، والرائحة النتنة التي تزكم الأنوف تمددت ميرة بجسمها النحيل . رأسها المحلوق عن آخره، وجسدها المغطى بالجروح والحروق . وما إن رأته حتى انتفضت تصرخ وتبكي بكل قوة وحرقة : ” قتلوا وَديمة، قتلوا وديمة” .

إقرأ أيضا : الجريمة الغامضة : مقتل تالا الشهري

“أحضر عم البنات ميرة لي وهي مشوهة بعدما اكتشف أنها تُعذّب في شقة شقيقه . وتوجهنا إلى مركز الشرطة لفتح بلاغ ضدّ طليقي . أخذناها لطبيب الجلدية ومنها إلى المشفى” .

blank
الحروق على جسد ميرة

تروي والدة وَديمة وميرة عن معرفتها بما حدث لابنتيها بحرقة شديدة . غير مصدقة أنها أم مكلومة تعيش كارثة يندى لها الجبين وفاجعة لا تصدق في ابنتيها الصغيرتين .

وعلى سرير المشفى وأمام المحققين، وبتلك البراءة التي أبت أن تفارق محياها . رغم أن ما مرت يهدّ الرجال والجبال تتحدث ميرة عما عاشته مع أختها وَديمة قائلة :

_ “حلقوا شعر رأسي، وكانوا يسكبون الماء الساخن على جسدي واعتدوا عليّ بالأدوات الحادة” .

وتضيف :

_ “حلقوا شعر وَديمة أيضا، ثم سكبوا عليها ماءًا ساخناً حتى أغمي عليها . وبدأوا بركلها بأرجلهم ثم أغلقوا عليها باب الحمام، وعند فتحه بعد ساعات شاهدوها ميتة لا تتحرك“.

لتستطرد :

_ “سمعتهم يخططون لدفنها في الصحراء، لفّها والدي بالوزار الخاص به وحملوها خارج البيت ولم أرها بعد ذلك”.

blank
ميرة في المستشفى

 ألقي القبض بعدها على حمد والعنود وجرى التحقيق معهما لتستكمل فصول المأساة باعترافيهما .

قتلوا وَديمة

هي بضعة أشهر فقط قضتها الفتاتان عند أبيهما حمد وشريكته، ذاقا فيها ألوانا وصنوفا من العذاب تدمي القلب لفظاعتها . فالحجز، الضرب بالعصا والأسلاك الكهربائية، الركل ، الحرق بالمكواة والسجائر، وكذلك القذارة والتجويع ، أضعف كل ذلك جسد الصغيرتين وَديمة وميرة وأنهكهما . لتلفظ وَديمة آخر أنفاسها في الحمام بطريقة أقل ما يقال عنها شنيعةً ولاإنسانية . وتترك مع شقيقتها ميرة عاهة مستديمة و ندوبا على الجسد والروح لن يجبرها الزمن .

blank
الضحية وَديمة كانت ترتاد مدرسة متميزة

فقبل شهرين إلى ثلاثة من تاريخ إيجاد الفتاتين دفنت وديمة في حفرة داخل رمال الصحراء الواقعة بين إمارتي دبي والشارقة . كانت جثة هامدة نقلت في جنح الظلام بيدي والدها وعشيقته بعد أن كانا السبب في مقتلها .

إقرأ أيضا : جيني اتعس فتاة في العالم

يحكي حمد عيسى تفاصيل الواقعة أثناء اعترافه بمسؤوليته عما حدث في قسم الشرطة . وذلك لينفي التهمة عن شريكته الحامل بابنه آنذاك فيقول :

” لم أتخيل أن تصل الأمور إلى تلك النهاية المأساوية، لقد أصبت بصدمة كبيرة حين وجدت وديمة ساكنة تماماً دون حراك . حاولت إيقاظها مرارا وإنعاشها دون فائدة . فأيقظت العنود وابنتي الصغرى ميرة، وبقيت أصرخ في الشقة قائلاً : ماتت وديمة، ماتت وديمة .

ويضيف :

“انهرت تماما وشعرت ساعتها بالضياع والندم وقررت ترك جثتها في الشقة لكن شريكتي أشارت علي بأن رائحتها ستظهر وسنفضح إذا ما احتفظنا بجثتها فقررنا دفنها “.

blank
حمد الشيراوي والد وَديمة وميرة

” لم أستطع إبلاغ الشرطة لوجود آثار التعذيب والحروق على جسد ابنتي . ولحظة دفن وديمة كانت صعبة علي جداً، كنت أحرص على التماسك أمام الناس، لكنني كنت مصاباً بحالة عميقة من الاكتئاب دفعتني إلى التفكير في الانتحار مرات عدة ” .

لينهي كلامه بأنه مدرك تماما لبشاعة جريمته ونادم بشدة ويتمنى الموت بأسرع وقت لينتهي من عذابه .

العنود صرحت بما حدث قبل اكتشاف جثة وديمة و قالت أن حمد هو من كان يعذب ميرة ووَديمة وأنها لم تلمس الفتاتين ولم تعذبهما . ولكن كلام ميرة كان يقول العكس حيث صرحت أنها كانت شريكة والدها في كل عمليات التعذيب التي كان يقوم بها .

قالت أنه في ليلة وفاة وَديمة استهل حمد تعذيبها بعد منتصف الليل بضربها بواسطة سلك بلاستيكي . كان مخمورا ومتعاطٍ لجرعة من الحبوب المخدرة .ولم يكفه الضرب المبرح الذي تلقته فاحتجزها في الحمام وأغلق الباب عليها وذهب للنوم ! . وفي الخامسة فجرا توجه للحمام ليجد وَديمة ملقاة على الأرض والزبد يخرج من فمها . فناداها فورا لتلقى وديمة وقد فارقت الحياة . فقاما بلفها بإزار أبيض ورشاه بالعطر، واتجها لأبعد منطقة في الصحراء وحفرا قبرا بعمق المتر ودفناها فيه .

المحاكمة وردود الأفعال

عيسى الشيراوي والد حمد كان جد غاضب وناقم على أفعال ابنه، ورفض تعيين محام له أو حتى زيارته . قال أنه نشأ نشأة صالحة كباقي إخوته ولكنه كان متمردا بخلافهم . لم يفلح في الدراسة وفي سن الثامن عشر قرر العمل والزواج . ورغم أنه سعى ليحافظ على زواج ابنه لكن الخلافات احتدمت بينه وبين زوجته لتقرر الأخيرة الطلاق، وصحيح أنه دخل السجن لمرات عدة بسبب التعاطي أو النصب أو الاحتيال، لكنه لم يتصور يوما أن يكون بهذه الوحشية وعلى فلذات أكباده .

الأمر لم يخلُ أيضا من تراشق بالاتهامات بين أهل حمد ووالدة الضحيتين . ففيما اتهمها أهله بالتقصير متعجبين عن برودة قلبها وهي بعيدة عن ابنتيها كل تلك المدة ولا تسأل عليهما . وأن حجتها باطلة لأنها لو أرادت أن تحضن ابنتيها لفعلت المستحيل من أجلهما . ترمي أم وَديمة التهم بأنهم السبب فيما جرى معها سابقا ومع طفلتيها لاحقا . وإن كان الجميع قد اتفقوا على شيء فهو المطالبة بالإعدام لوالد وَديمة وميرة وشريكته .

إقرأ أيضا :جولين .. الفتاة التي سقطت من السماء

أقيمت جنازة وديمة ووريت الثرى . ولكن ما أثار الحيرة والتساؤل رغم وضوح القضية هو أنه وبعد بحث الشرطة عن جثة وَديمة في الصحراء وإيجادها . كانت مفصولة الرأس عن الجسد . الأمر الذي جعل الكثيرين يشككون في رواية المتهم وعشيقته عن مجريات الواقعة .

blank
جنازة وَديمة

بعد أشهر من جلسات الاستماع بين النيابة العامة التي كانت تطالب بأقصى العقوبات من جهة . ودفاع المتهم الذي يفند وجود أدلة قطعية بمسؤولية موكله عما حدث للشقيقتين وَديمة وميرة من جهة أخرى . حكمت المحكمة في ١٣ من فبراير لعام ٢٠١٣ بالإعدام في حق حمد عيسى الشيراوي والمؤبد في حق عشيقته العنود .

ختاما

قضية وَديمة وميرة سببت صدمة كبيرة في الشارع الإماراتي وعلى مستوى الدولة . وكانت وراء إصدار قانون جديد في دولة الإمارات سمي «قانون وديمة» الذي يؤكد أن لجميع الأطفال، دون تمييز، الحق في حياة آمنة، وبيئة مستقرة، ورعاية دائمة، وحماية من أي مخاطر أو انتهاكات . ويعاقب كل من تسبب في أذى أي طفل أو شارك في ذلك . وإن كان أقرب الناس إليه .

ملاحظة : جميع حقوق المقال محفوظة لموقع كابوس . لا يحق لأي شخص كان النقل الحرفي أو المرئي للمقال المنشور دون إذن مكتوب من إدارة الموقع . وتترتب المسائلة القانونية المنصوص عليها على كل مخالف للتنبيه المذكور .

المصدر
رأس «وديمة» كان مفصولاً عن جسدها عند استخراج جثتها – وليس هناك دليل على أن أبوها هو من قتلها !!الإعدام لوالد «وديمة».. والمؤبد لشريكته - الإمارات اليومحكاية الطفلة "وديمة" التي هزت الإماراتمواقع عربية أخرى

وفاء

الجزائر - للتواصل : [email protected]

مقالات ذات صلة

اشتراك
اشعار
guest
ضع بريدك اذا اردت استلام اشعار بالنشر

21 Comments
Inline Feedbacks
شاهد جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى
21
0
التعليق مفتوح للجميع .. رجاءا اسمعنا رأيكx
()
x

أنت تستخدم إضافة Adblock

مرحباً .. يبدوا أنّك تستخدم مانع إعلانات ، نرجوا من حضرتك إيقاف تفعيله و إعادة تحديث الصفحة لمتابعة تصفّح الموقع ، لأن الإعلانات هي المدخل المادي الوحيد الضئيل لنا ، وهو ما يساعد على استمرارنا . شكراً لتفهمك