أدب الرعب والعام

في ليلة شتوية

بقلم : حلمي السرساوي – مصر

وضع غطائه على الأرض وجلس هناك متكوما على نفسه وهو يحتضن ونيسيه
وضع غطائه على الأرض وجلس هناك متكوما على نفسه وهو يحتضن ونيسيه

من النافذة رأيته يجلس هناك يرتعش من البرد
جرو صغير تقرصه الأمطار و الرياح كالكهرباء فينتفض من مكانه كل دقيقة
يصدر أنينا مؤلما يتوسل بأن ضلوعه ستتجمد من البرد إذا لم ينقذه أحد 

نزلت من مكاني مسرعاً إلى أسفل
= أمي، سوف أذهب لجلب هذا الجرو المسكين من الخارج. قلت بصوت هادئ
– لا ، لن تخرج من المنزل
= “ولكن لو تركته سيموت هناك ،الجو بارد جدا في الخارج”
-“جورج، قلت لن تذهب للخارج في هذه العاصفة.” قالت بصوت صارم
“لا تقلق بشأن أحد،إذا كان هناك جرو في الخارج سوف يذهب ليجد مكان ما ويحتمي به وسوف تجده حياً أمامك في الصباح.”

عدت بخيبة أمل مضطراً إلى النافذة في غرفتي سأستمر في توجيه نظرات الشفقة التي ربما بمعجزة ما تنقذ ذلك الجرو المسكين أو ربما أحاول أن أناديه وقد تصدف وأن يفهمني ويأتي هو إلى المنزل بدلا من أن أذهب له
حسنا سوف أجرب
أ……….
مهلاً قليلا،،،،من هذا الذي………….؟

أحد ما كان يقترب بسرعة من الجرو الصغير بينما كنت أهم بمناداته
طفل صغير متشرد كما يبدو كان يتجه نحوه، كان يحمل قطعة كرتون كبيرة فوق رأسه تحميه من المطر يرتدي معطف طويل به معالم واضحة من الرُقع و تظهر في جيب معطفه ذاك قطة صغيرة تعوي هي أيضا بصوت منخفض
وقف هناك أمام الجرو الصغير و مد يده وحمله ببطء نحوه ووضعه في الجيب الآخر لسترته ثم وقف هناك يعدل غطائه الكرتوني ذاك وأكمل سيره بنفس الخطوات السريعة

لقد انقذه

لا أدري ولكن حواسي كأنها شُلت فجأة من الذهول الذي أصابني في تلك اللحظة،لم استطع فتح فمي حتى وشكر هذا الطفل على فعلته،
هذا الجرو لن يتجمد الليلة بسبب هذا البطل، وربما تكون القطة أيضا لم تكن تزال حية لولاه

حمدا لله أنه وجدهم

ولكن ليطمئن قلبي بأن تلك القطة وذلك الجرو المسكين سوف ينعمان بنوم هادئ الليلة ظللت أراقبه لأعلم إلى أين سيذهب بهم

كان يسرع في خطوته حتى وصل إلى ذلك (الكوبري) الذي يبعد قليلا عن منزلنا
رأيته يبطئ في خطواته وهو ينزل أسفل ذلك الجسر
وضع غطائه على الأرض وجلس هناك متكوما على نفسه وهو يحتضن ونيسيه
في مشهد يقف له شعر الجسد من فرط المشاعر..

– جورج،هيا ، لقد أعددت لنا أكواب شوكولاته
تعال قبل أن تبرد. نادت أمي من الأسفل
= أنا قادم
ألقيت نظرة أخيرة على تلك الصورة السريالية قبل أن تختفي بعد أن أسدلت الستار على النافذة ونزلت إلى أسفل

كانت أمي قد أعدت ثلاثة أكواب من الشوكولاته الساخنة ووضعتهم هناك على الطاولة في الصالة:واحدة لي وواحدة لها والأخيرة لأبي داخل مكتبه
كانت الشوكولاتة تتلألأ أمامي كالجواهر
البخار الخارج منها كان يدخل إلى صدري فيملٱه بدفء الاطمئنان ولا يتبقى إلا أن أذوق ذلك الطعم الحلو وأشبع تلك الشهوة وأذوب بعدها في عالم من الخيال ليس به إلا الدفء والسعادة

ولكن شعور غريب أصابني وأنا أتناول كوب الشوكولاتة بيدي لكني لم اتوقف طويلا حتى أعرف ماهيته
“هذه الشوكولاتة ليست ملكي”

ركضت بسرعة إلى غرفتي واحضرت معطفي و علبة فارغة ونزلت ركضا مرة أخرى نحو الأكواب،وضعت كوب من الشوكولاتة داخل العلبة وأغلقت عليه و أسرعت خارج المنزل
كنت أعلم أن أمي ستغضب كثيرا بعد أن تكتشف أني خرجت ولكن لا بأس،أنا ذاهب لفعل الصواب

توقف المطر قليلا ولكن الرياح كانت تزداد عنفواناً لدرجة أنها كادت أن تحملني من على الأرض وتذهب بي، البحر كان هائجاً أكثر من أي وقت مضى حتى ظننت أنه سيبتلع المدينة هذه الليلة لا محالة
جاهدت أكثر حتى وصلت إلى ذلك الجسر ونزلت أسفله وهناك وجدته
يضم رجليه نحو صدره ويدفس رأسه بينهما ويضع تلك الكرتونة فوقه
انتبه لتحركاتي فجأة بينما كنت اتجه نحوه فقام مذعورا من غفلته
= لا تقلق، اهدأ، لن أفعل بك أي شيئ
– من أنت؟ وماذا تريد مني؟
= أنا جورج، لقد شاهدتك من النافذة و….وتسألت إذا كنت تريد كوب شوكولاته فجلبت لك واحداً
لحظة واحدة….. لقد حاولت جاهدا ألا تنسكب مني طوال الطريق و……و..تفضل

بدأ يهدأ قليلا ومد يده بحذر وأخذ مني الكوب ونظر فيه مطولا ثم بدأ يشرب، كان يستمتع بكل قطرة تنزل في فمه كأن هذا أول كوب شوكولاته يشربه حتى أنه مد إصبعه داخل الكوب ليأتي بأخر قطرة فيه ويمتصها
-شكرا على هذا، هذا ألذ شيئا تذوقته في حياتي. قال وهو يناولني الكوب بعد أن أفرغه
=لا تشكرني على شيئ، إذا كنت تريد منها في أي وقت يمكنك أن تأتي إلى منزلي إنه على بعد خمس بنايات من هنا، أمي سوف تصنع لك الكثير منها
– أمك؟! هل لديك أم تصنع لك هذا؟
= نعم. قلت مستغربا
صمت قليلا ثم قال “حسناً”
استمر صمت قليل أخر حتى بدأت أهم بالمغادرة
=أنا سوف أغادر و………………..
– العم هيكل، هل أنت قريبه؟ هل هو من أرسلك؟
= العم هيكل؟!
– نعم، الرجل الضخم صاحب المطعم الكبير عند أول الشارع، لقد ذهبت إليه منذ ساعات قليلة وطلبت منه كوبا من السائل الأسود الساخن ذاك، لقد ألححت عليه متوسلاً ولكنه طردني في النهاية، ربما فعل ذلك وقتها لأنه خاف أن أرهب زبائنه ولكن كنت أعلم أنه سيرق لحالي لذلك هو أرسلك الآن، صحيح؟
صٓمتّ قليلا ثم قلت بعد تفكير ” نعم، هو من أرسلني “
لم أكن أعلم من هو العم هيكل ولا إذا كان لدينا مطعما في المدينة أم لا؟
– هل والدتك تعمل لديه في المطعم؟ لابد وأنها هي من تصنع الأكواب اللذيذة تلك؟
= نعم، هي…..ماهرة في ذلك
-حسناً…..لا أريد أن أجعلك تقف كثيرا….شكرا مرة أخرى على الشراب
= عفوا……لابد أن أغادر الآن حتى لا أتأخر..سوف أراك مرة أخرى

عاد هو إلى سكونه مرة أخرى بينما أحاول أنا صعود ذلك السلم إلى أعلى الجسر ،تابعت الطريق نحو المنزل وقد عاد المطر مرة أخرى في ذلك الوقت لكن التفكير فيما حدث منعني حتى من الركض للمنزل

كانت لحظات غريبة التي عشتها منذ قليل ولكنها جميلة في نفس الوقت، كنت أعلم أنها سوف تؤثر بشكل كبير في طريقة رؤيتي للأشياء فيما بعد طوال حياتي .
قابلت أمي في الطريق،كان عينيها تبرق غضباً ومن دون أن تنطق حرفا أخذتني من ذراعي بقوة وعادت بي إلى المنزل

* * * * 

في اليوم التالي كان هناك خبرا واحدا يذاع وسط قنوات الأخبار
وفاة طفل صغير البارحة أثر حادث سيارة في المدينة
لقد كان هو
“أثبتت التحقيقات أن الطفل كان يركض مسرعا خلف قط كان يحمله ثم أفلت منه، كان يحاول الإمساك به على طول الطريق في الوقت الذي جاءت فيه سيارة بسرعة البرق من الجانب المقابل واصطدمت بالطفل صدمة قوية فسقط قتيلا
يزعم سائق السيارة أنه لم يرى الطفل من أثار المطر على السيارة ولكن الشرطة تواصل التحقيق معه حتى الأن، ولكي تبقون على صلة دائمة بتطور الأحداث تابعونا هنا على……………..”
أطفأت التلفاز مستنقع المصائب ذاك
وجلست وحدي استوعب ما حدث للتو،
لقد مات
لقد مات ذلك البطل وماتت معه كل أحلام الحيوانات الضائعة
مات منسياً لن يتذكره أحد سوى عم(هيكل) الذي ربما حمد الله الآن أنه أرتاح منه وتلك القطة والكلب المسكينان لا أعرف إن كانا سيذكرانه أم لا ولكن لا بأس
أنا سوف أذكره دائما، لقد كان حلمه الأخير كوب شوكولاته وأنا سعيد أنني حققت له ذلك الحلم
سعيد تماما حتى بعد أن عوقبت بعدم الخروج من المنزل لمدة أسبوعين …

(من مذكرات جورج عندما كان في السابعة من عمره) …

تاريخ النشر : 2021-04-26

مقالات ذات صلة

12 Comments
Inline Feedbacks
شاهد جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى