مذابح و مجازر

مجزرة إستديو الإنمي في اليابان

بقلم : كرمل – فلسطين

في صباح التاسع عشر من يوليو سنة ٢٠١٩ في منطقة فشيمي وارد في اليابان بدأ الموظفين يتوافدون على إستديو الإنمي لمباشرة عملهم المعتاد ..
هذا الإستديو تابع لواحد من أهم  شركات إنتاج الإنمي وهي ” كيوتو” حيث أصدرت  العديد من المسلسلات والأفلام الشهيرة منها فلم الأنمي ذائع الصيت “صوت صامت A silent Voice”. ومسلسل ڨيوليت.

تملك الشركة ثلاث إستوديوهات، أهمها والذي حدثت فيه قصتنا لليوم وهو الأستديو الأول الذي يتضمن عمليات الإنتاج ويتواجد فيه أغلب موظفي الشركة،  ويحتوي الإستديو على ٣ طوابق.

على العموم حوالي الساعة العاشرة صباحاً وبينما الجميع منهمك في العمل دخل رجل غريب الإستديو وهو يجر عربة بها عدة جالونات مليئة بالسوائل، توقف الرجل وفتح الجالونات واحد تلو الأخر ثم بدأ بسكب السائل على الأرض وعلى الأثاث من حوله.

أدرك الموظفين وقتها أنه هذا السائل لم يكن سوى بنزين!
حاولوا منعه كما ضلوا يسألونه عن هويته ولماذا يفعل هذا وأن عليه الخروج حالاً، لكن الرجل لم ينطق بكلمة ولم ينظر لهم حتى بل إستمر في عمله وفجأة بدأ يرش البنزين عليهم!

ضلوا يحاولون منعه لكنه لم يأبه بهم ولا بأي شيء حوله بل صب كل تركيزه على ما يفعل وبعد أن إنتهى من تغطية الأرض والأثاث أخذ جالون بنزين أخر وبدأ يرشه عليهم مرة أخرى وهو يصرخ.. موتوا.. موتوا!
ثم قام بأخذ ولاعة وأشعل البنزين وفي غضون ثوان قليلة فقط بدأت النيران تبتلع المكان.

خلال ذلك الوقت سكب الرجل البنزين على نفسه وهو يصرخ مرة أخرى : “موتوا موتوا” .. لكل هؤلاء الموظفين ، ثم سكب المزيد من البنزين عليهم.

بدأ الموظفين يصرخون طلباً للنجدة، جميعهم حتى الذين كانوا في الطوابق الأخرى (كان عدد الأشخاص في الإستديو ذلك اليوم ٧٠ شخص تقريباً)، كانوا يحاولون بأقصى ما لديهم أن يهربوا من المكان ، لكن هذا الرجل الخبيث لم ينسى هذه النقطة فكان قد سكب البنزين بالفعل على مداخل ومخارج الإستديو قبل أن يشعل النار!
لذلك لم تكن هناك وسيلة للهروب مطلقاً.

blank
صور كاميرا المراقبة للمهاجم قبيل دخوله المبنى

إشتعلت النيران بسرعة في الطابق الأرضي خلال ثواني وكانت تتصاعد للطوابق الأخرى  ، طبعاً الموظفين هناك كانوا بحالة هلع ناهيك عن كمية الدخان الكبيرة في المكان فعجزوا عن الرؤية بوضوح حتى أنهم بالكاد كانوا يتنفسون، وسرعان ما فكروا بأن الطريقة الوحيدة للنجاة هي أن يصعدوا إلى سطح الإستديو فهرعوا جميعاً لهناك.

لكن المشكلة أن السلم المؤدي للسطح كان حلزوني أي أنه لا يسع إلا لشخص واحد على حده، فكان من الصعب على أكثر من شخص إستخدامه، ولأن الجميع في حالة رعب وهلع شديدين كانوا يسقطون على بعضهم محاولين بيأس الهروب والنجاة.

الكثير منهم سقط مغشياً عليه نتيجة التسمم بغاز أول أكسيد الكربون، أما بالنسبة لمرتكب الجريمة فقد حاول الهرب لكن إثنين من الموظفين الشجعان إستطاعوا اللحاق به وإيقاعه وقد مروا عبر المدخل الذي كان مشتعل بالنار فأمسكوا به حتى وصلت الشرطة.

وصلت الكثير من سيارات الإسعاف و الإطفاء والمحزن أن الأمر إستغرق خمس ساعات لكي يسيطرو على النيران و ٢٤ ساعة لكي يخمدوها تماماً.

حوالي الساعة السادسة فجراً اليوم التالي كانت النيران قد إنطفئت و دخلت الشرطة المبنى وقد شاهدوا منظرا مروعا للغاية، يصف أحد ضباط الشرطة المنظر قائلاً بأنه بدا كمشهد من فيلم رعب..
كانت الجثث في كل مكان وهي متفحمة لدرجة أنه كان من الصعب التعرف عليهم، عدد الموتى كان ٣٤ شخص ٢٠ منهم كانوا قد لقو حتفهم على السلم الحلزوني المؤدي إلى السطح فكان الأمر يدمي القلب كيف أنهم كانوا على وشك النجاة

ضحايا الحريق

blank
اشتعلت النيران بسرعة في المبنى المكون من ثلاث طوابق

كانت نتائج الطب الشرعي مخيفة بحق، أوضحت أن الكثير من الضحايا ماتوا نتيجة الحروق المباشرة التي طالت أجسادهم.
الأمر كان غريب لأن ضحايا الحرائق غالباً يموتون نتيجة التسمم بأول أكسيد الكربون الذي ينبعث من أدخنة النيران فتموت الضحية أو تفقد وعيها قبل أن تصلها النار
ولكن في هذه الحادثة كانت النيران عنيفة وسريعة للغاية وللأسف مات أغلبهم وهم يحترقون أحياء بكامل وعيهم.

كان عدد المصابين ٣٤ بإصابات بليغة جداً وأغلبهم كانوا في العناية المركزة لشهور عدة تلت الحادثة لكن تم إنقاذهم ونجوا بعد أن تم إجراء العديد من العمليات الصعبة عليهم منها عمليات زراعة الجلد لكامل أجسادهم ، ما عدا ضحيتين ماتوا لاحقاً في العناية المركزة ليصبح مجموع الموتى ٣٦.

صرح رئيس كيوتو بأنه لن يفصح عن أسامي الضحايا إحتراماً لعائلاتهم وأنه سيدع خصوصية الأمر في تصرفهم، لذلك لم تُعرف أسماء الضحايا، ما عدا أربعة ضحايا كانوا أهاليهم قد أفصحوا عنهم وهم :

blank
صور الضحايا الذين تم الكشف عن اسمائهم

– نايومي اسشيدا البالغة من العمر ٤٩ عاماً، والتي عملت في الشركة لأكثر من عشرين سنة، وجدوها ميتة في الطابق الثاني نتيجة الإختناق وقد دفنتها عائلتها لاحقاً بفستان زفافها الذي كانت تخطط له قبل موتها.

– ياسهيرو تاكماتو ذو الـ ٤٧ عاماً، ومثل نايومي كان قد عمل في الشركة معظم حياته، وكان مخرجاً وكاتب نصوص وواحداً من أهم الموظفين

– فتوشي نشيا ذو الـ ٣٧ عاماً وقد كان مصمم شخصيات ورسام ومخرج

– واخيراً الضحية البالغ من العمر ٦١ عام ياسيجي كيغامي والذي كان أيضاً مخرجاً ومنتجاً في الشركة وقد عمل على عدة أعمال شهيرة، وفي الحقيقة قبل عمله في الشركة كان قد عمل مع شركات إنتاج أخرى وأصدر أهم أعمال الأنمي مثل فلم الأنمي الشهير “قبر اليراعات”.

خسائر الشركة لم تكن أرواح الضحايا فقط بل طالت أعمال فنية إستغرق من الموظفين سنوات للعمل عليها كما دمرت النيران كل حواسيبهم وأعمال مهمة أخرى كانت داخل الإستديو ، و تكبدت الشركة خسائر مادية فادحة.

رسائل التهديد

blank
كيوتو انميشن ستوديو من الشركات المعروفة في مجال الانمي وقد تأسس عام 1981

دعونا نعود لمرتكب الجريمة الذي تسبب بكل تلك المآسي، دخل المشفى لاحقاً نتيجة حالته السيئة في غيبوبة دامت شهرين فكما ذكرنا مسبقاً كان قد سكب البنزين عليه وتسبب بإصابات بالغة لنفسه، وقد ظن الأطباء أنه لن يستيقط من غيبوبته ، لكنه أفاق و صحته لم تكن جيدة  لدرجة أنه فقد القدرة على الكلام لبعض الوقت ، وعاش على التنفس الصناعي لفترة طويلة، كما أن قدرته على المشي ايضاً قلت فأصبح يحتاج إلى كرسي متحرك حتى تعلم المشي من جديد، وبالطبع إحتاج زراعات للجلد لكن الأطباء قاموا بزراعة جلد صناعي له، لأن الكثير من الضحايا إحتاجوا الجلد الطبيعي فهم أولى منه.
كما أنه هو المجرم الذي تسبب بقتل عشرات الناس فزرعوا له جلد صناعي وبذلك صار أول شخص تتم عليه زراعة جلد صناعي على كامل جسده في اليابان، وضل بالمشفى عدة أشهر ولم تستطع الشرطة التحقيق معه لحالته الصحية ، و طبعاً الشرطة لم تضل في مكانها تنتظره حتى يتم شفائه بل ذهبت وبدأت التحريات بالبحث عن خلفية الجريمة وقد أفاد العديد من الشهود أنهم سمعوا صوت أشبه بصوت إنفجار في يوم الجريمة قادم من الإستديو.

ذهبت الشرطة للناجين وإكتشفوا أن موظفين الشركة كانوا يتلقون الكثير من رسائل التهديد من مجهول قبل سنة من الجريمة! ، وكان المجهول قد أرسلها لكل موظفي الشركة الذين كانوا يملكون عناوين إلكترونية عامة ، أي ما يقارب المئتين موظف وكان محتوى الرسائل بالمعنى الحرفي أنه سيتم قتل كل شخص في الإستديو.

أبلغ الموظفين الشرطة عن رسائل التهديد ولم يكن بوسعهم فعل أي شيء لأن مصدر الرسائل مجهول بالكامل فلا يمكنهم تتبع المرسل لكن إحتياطاً عينت الشرطة أفرادها لحراسة بوابات الإستديو لشهور عديدة، وفجأة توقفت الرسائل قبل الجريمة بأشهر قليلة فظنت الشرطة أن المرسل أصابه الملل فتوقف لذلك تركت الشرطة حراسة المكان.

وأخيراً أعطى المشفى خبر شفاء المجرم بالكامل وأنه بالإمكان إعتقاله

من هو المجرم؟

blank
شينجي أيوبا يتم اقتياده من المستشفى لتوجيه الاتهام اليه

إسمه هو شينجي أيوبا وعمره ٤١ سنة، عند إعتقاله إعترف فوراً بالجريمة ولم يحاول خداع الشرطة أو التنصل منهم، وقبل أن أذكر سبب جريمته الشنعاء دعوني أخبركم أن شينجي كان معروف لدى الشرطة!
ففي عام ٢٠١٢ قام بعملية سطو مسلح على متجر في طوكيو وسرق الكثير من المنتجات و الأموال، وعندما إنتهى من جريمته الأحمق لم يهرب بل خرج من المتجر وسلم نفسه للشرطة وقال بأنه قام بسطو للتو!
وحكم عليه لاحقاً بالسجن ثلاث سنوات ونصف.

عندما خرج من السجن عاش وحيداً منعزل عن الجميع، معروف بين الناس بأخلاقه السيئة، لم يُذكر الكثير عن طفولته سوى أن والديه إنفصلو في صغره وتركته أمه هو وإخوته ولم يروها بعد ذلك البتة، فضلوا في رعاية والدهم حتى عام ١٩٩٩
عندما كان عمر شينجي ٢١ سنة إنتحر والده، فتأثر بذلك كثيراً وتغيرت بعدها شخصيته تماماً

هاجر بعيداً وترك كل شيء خلفه وعاش في عالم العزلة مع مجلات المانغا (القصص المصورة اليابانية) التي كان مهووس بها طيلة حياته

تُقيم شركة كيوتو مسابقة سنوية لمعجبي الشركة، حيث يقدم المشتركين قصة كتبوها بأنفسهم والقصة الفائزة تصبح بعد ذلك مانغا أو مسلسل أو فلم ليس هذا وحسب بل تُقدم لهم جائزة مالية تُقدر بمليون ين أي ما يقارب التسعة الآلاف دولار.
كانت هذه المسابقة شهيرة للغاية، ويشارك فيها الكثير من جميع أنحاء اليابان.

وقد شارك فيها شينجي مرتين، مرة في عام ٢٠١٧  ومرة في عام ٢٠١٨  ولم يربح في المرتين، في الحقيقة لم تتعدى قصصه المرحلة الأولى من المسابقة حتى!

من شروط المسابقة هي أن يقدم المشارك قصته في نموذج محدد يُصحح تلقائياً من الكمبيوتر، والقصص التي لا يتم تقديمها بالنماذج الصحيحة لا تنتقل للمرحلة الثانية ولا يقرأها أي من الطاقم بل تُحذف تلقائياً وقصص شينجي كانت منها ..

لكن هذا حتى لم يكن دافع الجريمة.

blank
الانمي الذي بسببه احرق شينجي الاستوديو بسببه

ما دفعه فعلاً للحقد على الشركة وجميع من يعمل فيها هو أنه كان في منزله ذات يوم في بدايات عام ٢٠١٩ يشاهد التلفاز وقد رأى مسلسل إنمي جديد كان يعرض لأول مرة وكان من إنتاج شركة كيوتو لذا قرر البدء في مشاهدته.

كلما إستمر في المشاهدة كان يشعر بالدهشة أكثر، كان يشعر كأنه يعرف مشاهد المسلسل رغم أنه يُعرض لأول مرة!.. وسرعان ما أدرك أن هذا الإنمي يحكي القصة التي كان قد كتبها هو وأرسلها للمسابقة قبل عام..
فإستنتج أن شركة كيوتو قامت بسرقة قصته دون أن تكون له أدنى حقوق فيها.

إشتاط غضباً وحقدا على الشركة بشدة وقرر الإنتقام منها، فبدأ يرسل العديد من التهديدات لهم، والجدير بالذكر أن الشركة نفت تماماً أنها سرقت قصته خصوصاً وأن المشاهد الذي إتهم فيها شينجي الشركة كانت مشاهد عادية للغاية قد تحدث في أي مسلسل أو فلم!

عموماً إستمر شينجي بإرسال التهديدات إلى أن توقف قبل الجريمة بأشهر قليلة ، وفي يوم الثامن عشر من يوليو دخل في مشادة مع جيرانه الذين كانوا دائماً يشتكون من الأصوات الصاخبة من شقته فكان غاضباً للغاية وقرر أن هذا اليوم هو اليوم المناسب لتنفيذ الجريمة ليفرغ فيهم غضبه، فذهب لمحطة وقود وإشترى جالونات البنزين ثم اتجه إلى إستديو كيوتو ونفذ جريمته .

إكتشفت الشرطة لاحقاً أنه خبأ سكاكين بحوزته في يوم الجريمة لأنه إذا لم تنجح خطة الإحراق سيقوم بذبحهم!

كان هذا الحريق الذي تسبب به هو الأكثر دموية في اليابان منذ حريق مبنى ميوجو في طوكيو الذي أسفر عن مقتل ٤٤ شخص سنة ٢٠٠١.

تبعات الجريمة

blank
شارك الالاف في تأبين الضحايا

– بعد هذه الكارثة أصدرت إدارة الإطفاء ببلدية كيوتو مبادئ توجيهية للإخلاء في حالة الحريق العمد وشجعت على تركيب سلالم للحالات الطارئة.

– كما أن وكالة إدارة الحرائق والكوارث ووكالة الشرطة الوطنية أصدرو إشعاراً في ٢٥ يوليو ٢٠١٩ يطلبون من محطات الوقود الإحتفاظ بسجلات مبيعات الأشخاص الذين يشترون البنزين ويجب أن يحتوي كل سجل على المعلومات الشخصية للمشتري مثل الإسم والعنوان والغرض من الشراء والكمية الخ..

وعلى الرغم من عدم وجود دعم قانوني للإشعار إلا أن معظم المشترين طبقوا هذا المطلب الإضافي

– صارت الشرطة أكثر حذراً وتيقظاً خصوصاً أن شركة كيوتو ليست الشركة الأولى التي تتلقى تهديدات من قبل المجهولين بل هناك العديد من شركات الإنمي الأخرى المماثلة.

بالنسبة للمتهم فبسبب جائحة كورونا لم يحكم عليه بعد لكن من المتوقع أن يكون مصيره الإعدام أو السجن المؤبد.

المصدر
Kyoto Animation arson attackJapan: Animation studio attacker charged with murderKyoAni fire: arson attack at Kyoto Animation studio in Japan

كرمل

فلسطين

مقالات ذات صلة

اشتراك
اشعار
guest
ضع بريدك اذا اردت استلام اشعار بالنشر
83 Comments
Inline Feedbacks
شاهد جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى
83
0
التعليق مفتوح للجميع .. رجاءا اسمعنا رأيكx
()
x