أدب الرعب والعام

كبت مُذكّرة

بقلم : Mohammed S.Mkh – الأردن

الجسد بلا روح أنقى من جسد بروح مسمومة
الجسد بلا روح أنقى من جسد بروح مسمومة

أجر نفسي في شارع طويل لا يكاد أن ينتهي ، أمازحها قليلاً لعلها تطاوعني فيما تبقى من مسافة المسير ، أدري بأنها عانت ما عانته من عمل أضحى كالجاثوم ينقض عليها العيش ، أخيراً وصلنا إلى المنزل ، شبه المنزل ، كي أكون صريحاً عليه تطل على تلك المدينة التي غرقت في السواد ، حمقى يظنون أنهم فوقي لكني فوقهم أجمعين !  رياح كانون الثاني تفتح لي تلك القطعة الخشبية التي تسدني عن العالم الخارجي ، ما أكاد أن أدخل حتى أرمي جسدي على ذلك السرير فيأن ، أتقلب للجهة المقابلة فيأن مرة أخرى ، أدري يا صديقي بأنني قد أضحيت عبئاً ثقيلاً عليك لكن اصبر ، ألا يقولون لنا دائماً أن نصبر ؟  يتسلل الدمع لمقلتي ، أغرق قليلاً في الدموع ثم أخلد للنوم.
 
أستيقظ من نومي ، الساعة ما تقارب السادسة مساءً ، أرتدي معطفي القائم على ستين خرقة ملونة ، أريد أن أكون مميزاً ، ألا يحق لي ذلك ؟ ، أجهز قلمي و كتابي صديقاي الوحيدان في هذا الزمن الجائر ، دون نسيان سامر حبذا صديقا مثله ، أخرج إلى قارعة الطريق باحثاً عن مقهى جديد يجدد لقائي معه ، سرعان ما تقع عيني عليه فانسل لداخله ، ثواني معدودة حتى يأتي ذلك النادل الذي أضحى يعريني بنظراته ، قطع شروده التقاء عيني بعينه ، بصوت خالطته السخرية : ماذا تريد ؟ .

– مسدس كي أنهي حياتي ، هامساً في داخلي .
– كوب قهوة إذا سمحت ؟  ذهب لإحضار الطلب ، حينها دخل سامر يتبعه عجوز أسندته الحياة ببعض الحظ.
سامر : أريد أن أعرفك يا حسن إلى صديقي الكاتب.
أنا : مرحباً بك يا سيد …؟.
العجوز : سمني مثلما شئت ، فأنا لدي كل فترة أسم جديد ، يعتمد عليك و على قدرتك على فهمي.
“عجوز لعين ، هذا ما كان ينقصني ، متفلسف يريد أن يجعل مني أضحوكة “.
– سأسميك العجوز الكاتب ، أنت كاتب ألست كذلك؟.
كان يرفع سيجارته التي تبدو أنها ليست أفضل منه حالاً : نعم كاتب ، و لا أرضى أن أُنادى بغير ذلك.
 
و مغرور أيضاً ، ” وعن ماذا تكتب ؟ “.
 
“عن كل ما قُرن بالماضي ، و هذا ما يجعلني فريداً عن كُتاب العصر الحالي الذين أصبحوا عباداً للاسامي لا للقيم ، رحم الله أيامنا ، كنا مثل العلم ، دائمي الوقوف ، لم نسقط يوماً ، و لم نشتكي من تعب و لا مرض و لا فقر ، كنا مثل الجبال الشامخات ، لا نتزعزع ولا نتغير ، رحم الله أيامنا ، عندما كان الفتى منا يحفظ من اللغات ما يجعل منه مترجمي الغرب أضحوكة ، و من نظم الشعر ما يجعل من المتنبي حكاية منسية في صفحات التاريخ ” ثم دخل في نوبة من السعال الشديد ، و أكمل ” و أنت سمعت أنك كاتب ، عن ماذا تكتب ؟”.
كان سامر يتناول الطعام و عينيه تتابع ما يقوله ذلك العجوز :
” أكتب عن كل ما تقع عليه عيني”.
” أسمعني”.
 
” أيها الحالمون الساهرون المتمسكون بالأمل ، وهم ، أحلام يقظه ، غرقى تناشدون البر من أعالي البحار ، ما دمتم أحياءً فاحلموا ، فلا يحلم سوى الفقراء ، و بماذا سوف يحلم الأغنياء ، بقطع من السماء مثلاً ؟  و يا أيها المتشائمون ففي أرضكم هذه أرض الفخر و الوعود ، يموت فقط الأحرار جوعاً ، و السجناء يعيشون ببطون ممتلئة ، فاستمروا في بؤسكم هذا ، و حاولوا ما استطعتم من القيام بأعمالكم المشبوهة و لا تنفروا من حزنكم ، فلربما كان الحزن الظاهر أفضل من الفرح المكبوت”.
 
“كح ، أه لقد ذكرتني بزماني عندما …….”.
 
” الآن ابتلع دخانك و أصمت ! “.
 
حضر النادل ، تذكرت أنه آخر الليل الذي أتى حينها من غير أوانه ، تبادلنا النظرات أنا و سامر ، نظرات لم يفهما ذلك العجوز، كيف لا و لقد كنا الهاربون الماكرون من كل مقهى كل ليلة ، بل أن المبالغ التي علينا تجعل من حضارة بابل و الهند أضحوكة.
 
يقول النادل” مبلغ الفاتورة من فصلكم ؟ “.
سامر: ” ألا تعرف من هذا ؟ ” و كان يشير بأصبعه علي.
النادل: ” وماذا به ؟ “.
سامر: ” أتعرف عباس محمود العقاد ؟  أنه من مدرسته الأدبية “.
 
قلت له : يا سامر الآن لا ، فلقد وقعنا أخير في الفخ ، و ما قيمة الفاتورة يا سيدي ؟  أجاب بدم بارد . 702 ديناراً ” ، إذاً يا صديقي لك منا دينارين و الباقي أعتبرها ديناً ، و لحكمة الله فلقد كان ذلك النادل ذو صدر رحب ، فبعد ما أشبعنا ضرباً لم أرى مثله في حياتي ، أمرنا بغسيل الصحون ! خرجنا من ذلك المقهى متواعدين على عدم العودة إليه مرة أخرى ، أجر نفسي في شارع طويلاً لا يكاد أن ينتهي متحاملاً و مجاملاً لهذا العالم.
 
و ها قد أطل علي الصباح ، لا أدري ربما هي المرة الأولى منذ سنين ، تشتت ألوانه في زجاج نافذتي المكسور آذناً التدخل إلى ثنايا الغرفة ليبعث فيها جزءاً من بهجة فقدتها في جدرانها المصفرة العارية ، أحمل قلمي و دفتري ومرتدياً معطفي الملون لأقصد مقهى جديد تتجدد فيه لقاءاتي الأدبية مع صديقي سامر ، أكاد أن أجزم أن جميع سكان العاصمة قد تواجدوا في شوارعها عند ذلك الصباح البارد ، أحب الصباحات الباردة و أعشق لياليها الأكثر برودة ، تبحث عن الدفء فتغرق في روحك الضعيفة الهزيلة الجريحة ، يداك تصبح أكثر مقدرة على الكتابة و كذلك عقلك فلا تجد وقتاً للنوم الذي يحد فقط من قدراتك !

أمر بين تلك القطع الفولاذية الواقفة بامتداد يد الأزمة ، في تلك الليلة جميع وسائل الأعلام تحدثت بخوف عن ضيف ثقيل حل على بلد بعيد ، ما زلت أنزلق في زقاق الطرقات ، ولما الخوف ؟ القضاء مكتوب فلا يقدم و الرزق محسوب فلا يؤخر ، و أصبح الشغل الشاغل للإعلام تصريحات أحد المسؤولين بأن الذهب يقي من هذا الفيروس و سرعان ما كذبه إعلام الكادحين و أيده من أيده في مواقف أصعب ، وهكذا تعطي للشعب المتعطش قصة و سيخرج لك تفاصيلها و حبكتها و حكمتها في ليلة و ضحاها !.

وصلت إلى المقهى المنشود و سامر لم يصل ، أطالع في وجوه البشر جميعاً ، الخوف تلبس كيان كل واحد منهم بل أضحى كيانه !  ساعتين على محاولة النادل إخراجي من المقهى بهدوء ” في حال لم تطلب شيئاً سأطلب منك الخروج” يقابله صوتي البريء ” أنتظر أحداً ” يقتلني بنظراته ثم يرحل ما زلت حياً ، الوقت قد زاد عن منتصف الليل بقليل و ما زال البشر يركضون في الخارج ، لم أقرأ أنه يُحرم فعل ذاك و لكن بلغة الشعوب كان هذا فعلاً استثنائي ، فالليل لا يولد إلا للفقراء الباحثين عن فتات الحياة المرهفة ! اليأس يتملك مني ، أراقب ذلك النادل حتى يذهب لشخص آخر و ما إن بدر منه ذلك انسل من المقهى مسرعاً و أسئلة تداهم عقلي ، أين سامر ؟ أجر نفسي في شارع طويل لا يكاد أن ينتهي ، أمازحها قليلاً لعلها تطاوعني فيما تبقى من مسافة المسير.
 
الساعة الثالث ، عندما ينام الجميع ولا يستيقظ سوى الحالمون المتأملون في أمل معدوم ، ضيف يقف على شرفات مسكني ، ليست رياح كانون الباردة بل بشري ، بشري يطل علي للمرة الأولى منذ سنين ، أجر جسدي نحو الباب ثم أنظر من ثقبه ، إذاً هو ذلك العجوز اللعين ! ما كدت أن أهرب حتى يلاحقني إلى عزلتي ، منفاي ، بيتي ، ابتسامة خفيفة أذنت له بالدخول ، بادرها بإنزال قبعته المهترئة ، قبل أن تمر هدنة من الصمت.
 
” ألن تسأل عن سبب قدومي ؟ ” كان يقولها و هو يبحث عن شيء ليضع عليها معطفه مكتفياً بامتداد يديه.
 
في شرود ” بل أريد سؤالك ، كيف عرفت مسكني ؟ “.
– معلقتين من السكر إذا سمحت ؟.
– ماذا ؟.
وهو يعري الغرفة بعينيه فاتحاً علبة سجائره” أريد شاي بمعلقتين من السكر اذا سمحت “.
 
في تلك اللحظة و رغم ما انتابني من بركان غضب كاد أن ينفجر في وجهه إلا أنني رأيت التماعاً في عينيه تلك التي تخفي وراءه جيلاً بأكمله ، حاضره و ماضيه و مستقبله ، أراد أن يفصح عن أمر و أنا سيد الفضول أردت أن أعرفه و إن كانت كلفته كأس شاي بمعلقتين من السكر في فجر ذلك اليوم البارد !.
 
– ها و قد قدمت لك كأس الشاي “الموعود” ألن تخبرني كيف عرفت مسكني ؟.
– لقد تتبعتك.
– تتبعتني ، و كيف تجرؤ على ذلك ؟.
– وأين المشكلة ؟.
– و حتى أبسط حقوقي أن أعيش حياتي بجحيمها و نعيمها وحيداً بسيطاً تُنتهك !.
– يا بُني إن كنت تدعي فعلاً وجود ما تسمي به حقوق و إنسانية لما كنت تعيش في هذه الغرفة البالية ، كلها أسماء رنانة يزداد وقعها بازدياد تكرارها لا بتطبيقها و أليس البشر منذ الأزل تقفص بأحكام سمعوا بها و لم يرونا ؟.
 
ألجمني للحظة و أردفت قائلاً ” وما الذي أتى بك في وهذا الوقت ؟.
– لأحدثك عن سامر.
– و ماذا به ؟ لم أره منذ البارحة.
– يمكنك الأن رؤيته ، أنه في سفح الوادي هنالك ، و قد أشار بيديه إلى المدينة المُضاءة ليلاً.
– ما لذي تهذي به ؟ سامر إنسان بسيط لا يقوى على العيش في نفاق تلك المدينة و دجلها المسموم ، وغداً عندما نلتقيه سيحدثك عن مشاعره الجياشة تجاه سكانها.
– حدثني ولكن لن نلتقيه – وقد أصبح صوته المشبع بدخان السجائر أكثر هدوءاً.
 
متهكماً ” و من أنت لتحدد……
 
بضحكتك عكست خفاياها بصوت أسى ” سامر لقد قُتل ” مخرجاً سجائر أخرى لكي يتذوقها.
 
لوهلة شعرت بأن الزمان توقف ، ردني لأرض الواقع صوت ذلك الكهل و هو يجاهد سحب النفس.
” عجوز لعين ، تتسلل على حياتي الشخصية و تقتحم عزلتي ليلاً لكي تلقي نكاتك السخيفة ، إلا يكفي رياء البشر كالجبال على كاهلي لتأتي و تزيدهم ثقلاً ؟ و الأن أخبرني لماذا أتيت حقاً هنا ؟”.
 
-أتظنني حقاً أمزح ؟ قد قطعت كل تلك المسافة بمعطفي البالي و قبعتي المهترئة أمام هذا الوحش البارد لكي أختبر مدى صبرك ، بني الحياة ما زالت أمامك لتتعلم الكثير و أولها جلدك ، إن لم تتحكم به ستصبح لقمة سائغة أمام هذا العالم الموحش ، يدك المقبوضة غضباً أولى لك بسطها فالقدر كائن و إن تغيرت ردة فعلك.
قدماي تحملها فخارت قواها أمام وقعها ، و العين مهما تحملت فله طاقتها وقدرتها والدمع عن الشدائد مباح ، وهل هنالك أشد من فقدان من رافقك بالقلم و العقل ؟.
 
بصوت خالطه الدمع : و كيف توفاه الله ؟.
 
– وها قد عرفت الأن سبب قدومي إليك ، غداً عند الساعة 11 صباحاً لقاءنا عند حانة النادل الغاضب لعلنا نستشف حيثيات الأمر ، الأن ما عليك سوى أن تأخذ قسطاً من الراحة أمامنا غداً يوم طويل ، كان يقولها و قد بادر بلبس قبعته المهترئة و مستنداً على عصاه الخشبية.
 
أما أنا فلقد بقيت وحيداً ألتمس لنفسي عذراً لكي أهدأ من روعي فلم أجد ، يتسلل الدمع في مقلتي ، أغرق في الدموع ثم أخلد للنوم.
 
الساعة العاشرة أستيقظ صباحاً و رأسي أضحى محملاً بأطنان من التفكير عاجزاً حتى عن الالتفات لواقع مغاير ، أتدري ذلك الشعور عندما ترى النهاية طريق الخلاص أمامك ، تطلبه ولا يريدك تتمناه ولا يجيبك مكتفياً بالجلوس عند زاوية الغرفة متغزلاً و مستفزاً بك ضاحكاً ؟ لعنه الله يظهر عند الراحة و يختفي عن الحاجة !.

أرتدي معطفي الملون حاملاً كتابي و قلمي ، على ما يبدو هما من تبقيا لي في هذا العالم الموحش حتى الأن ، أخرج من عزلتي هائماً على وجهي كأنني لا أدري طرقات و أنا الذي حفظتها عن ظهر قلب ، كان صباحاً عاصفاً سمح لأوراق كتابي بالتمرد عن حاضنتها لتحاول الانطلاق في هذا العالم الرحب ، و حتى الورق و إن كان ما يحتويه ثقيل يريد التحرر و الخروج من عش الواقع ، و كان له ما أراد لينفجر حراً في سماء الحي ،

مطأطأ الرأس بأصابع مرتعشة أحاول أن أجمع أوراقي مرة أخرى ، يد بيضاء هنالك تجمع الأوراق معي ، أرفع رأسي اذا أرى ملاك بهيئة بشر ، جمال من الطبيعة الأم لا تشوبه شائبة شعرها كالألاف القصائد حبكةً و جمالاً ، و الوجه مثل الشمس نوراً حقيقة و خيالاً ، والعين فيها من سواد قد ترهق المكيالا ، مفتاح قلب الهائمين قد اختفى ، والشعر في وصف الفريد محالاً ، و أنا في داخلي عاجز عن الحديث و الإفصاح ، ول ساني بكل ما مروى و أنشد ألقى وردد لم يستطع أن يبدي سوى “شكراً” بادرتها بإيماءة رأس راضية ثم ترحل بصمت

، هل سلمت روحي لباريها ؟ أنا الأن في جنات الخلد ؟  أم أن الحياة أخيراً أرادت أن تكافئني على ما لقيت منها من أهوال يشيب لها الوجدان ؟ الأكيد أنها هي ذلك الضوء في نهاية النفق ، ضوء أراه يبتعد ويتلاشى شيئا بابتعادها عني باتجاه الجهة المقابلة من الطريق ، حتى يختفي تماماً ، دقائق جعلتني إنسانا آخر ، أكاد أن أجزم بأنني كنت أسعد إنسان على وجه المستديرة ، سعادة استمرت 6 دقائق و يا ليتها كانت أكثر .
 
الساعة الثاني عشر و لقد وصلت أخيراً إلى ملتقاي مع صديقي العجوز ، بادرني بعبس كأنها حمل كل هموم الأرض أو أنني همومها ، فرددتها ببسمة و طلبت منه العفو ، قام من مقعده الخشبي مستقبلاً وجهه تجاه الحانة ، هي تلك الحانة التي التقينا فيه العجوز للمرة الأولى و سامر للمرة الأخيرة ، كان النادل ذو الصدر الرحب يعكس حزنه على كؤوس الشراب الفارغة و من أمامه قسم التحقيقات في المدينة بملابسهم الأنيقة و قبعاتهم السوداء وعبسهم المعروف ، عبس سرعان ما انقلب لفرح وابتهال لقدومنا كأننا في حفلة عائلية ، رجل يبدو أنه في مقتبل الثلاثين ذو بطن ممتلئ من خلف حزام لا حول له ولا قوة قد أقبل نحونا :
 
– وها قد أتيتما أخيراً يا صديقي العجوز و صاحب الرداء الملون ، سنقوم ببعض التحقيقات البسيطة السريعة ، و بالطبع أعتذر على خسارتكم فلنبدأ
 
وبعد أن أنهى وابل من الأسئلة السطحية التي تكاد أن يكون دورها معدوم خلال هذه القضية و بعض الأسئلة التي ربما تمت لها بصلة ، ضرب يده على الطاولة مبتهجاً كأنه قد ربح جولة قمار ، صارخاً “القضية محلولة ، إنها جريمة انتحار ! ” ثم أخرج “سيجارته” معلنا انتصاره.
 
في تلك اللحظة شعرت أن الدنيا اشتدت ضياقاً علي ، فرضت حصاراً خانقاً على كياني المخنوق أصلاً ، سامر ذلك الرجل الذي ما فارقت البسمة محياه ينتحر ؟ بكل ما تقاسمناه من خبز و هموم يقرر هكذا أن ينهي رحلته في هذا العالم الموحش  ويتركني أصارع بين أعين الناس و خناجر حديثهم ، لم ينتحر و لم يُقتل ، ما زال هنا حياً بين أضلعي ، ما زال يتنقل بين حجرات القلب مبتسماً ضاحكاً بقلمه و كتابه ، ما زال هنا و سيبقى كذلك ، أحاول تدارك الدمع من السقوط ، المحقق و فرقة البطون الممتلئة قد قرروا المغادرة بعد تحقيق لم يتجاوز 10 دقائق ، هيهات إن كان من سكان المدينة ، سيكون قصة دسمة تذاع طياتها صباحا مساءً ، لا بأس ، هذه ضريبة الفقر و الحاجة لعنهم الله.
 
نظرت إلى صديقي العجوز ، عيناه قد وافقتا على الأمر لكن أبى جسده ذلك ، في داخله عنفوان طفل حي ، هيجان شاب في مقتبل عمره ، غضب رجل في الأربعين ، تاريخ أمة حاضرها و ماضيها و مستقبلاً انطوت خلف هذا الجسد الهزيل الذي ما كان له إذ قبل إغلاق القضية على مضض ، خرجنا من الحانة آملين أن نفتح فصلاً جديداً في حياتنا غير الذي سلف ، أن تكون هذه الحادثة نقطة تحول للأفضل ، أن ننظر للجزء الممتلئ من الزجاجة بل نملأ الجزء الفارغ و إن كان في خيالنا ، وافترقنا على أن نلتقي في عزاء صديقنا المرحوم.
 
و أنا أجر تعبي خلفي عائداً إلى العلية لكي ألتمس جزءاً من راحة فُقدت باستيقاظي في صبيحة اليوم ، و قعت عيني على تلك الملاك البشري ، كان هواء كانون الثاني كفيلاً بنشر عبقها في ذلك الحي الذي ما كانت لتنتمي اليه أو ينتمي إليها ، شاردة تغرق البشر بعينيها الزرقاويتان و تنقذهم بابتسامة ، تسمرت في مكاني و أنا أراها تزين ذلك الحي الذي أكتسى بالسواد ، كانت هي النقطة البيضاء في تلك الصفيحة الحالكة ،

لربما لاحظت شرودي في التمعن بها ، تضحك ضحكة عفوية ، تغلق نافذة غرفتها و تنزوي عن البشر ، ما زلت أتابع السير أملاً في الوصول لعليتي ، أتذكر سامر وهو يمشي بجانبي ، كان في المرة الأخير يعرض أمامي آخر ما كتب ، لربما ورثت هذه السوداوية في السرد عنه ، كان يرى في كل انتصار هزيمة ، و في كل معركة خسارة ، حتى معارك الكلام “إذا كثر الحديث بموضوع فاعلم بأنك خاسر و إن انتصرت ، و أسوء ما قدر يخسره المرء هو ربط زمام أموره” أصل لعليتي لعلي أكسب بعض من الراحة المسلوبة.

 
أستيقظ باحثاً عن شيء أرتديه غير معطفي الفريد ، لم أجد سوى قميص أسود لا يقي من برد هذا الشتاء ، لا بأس للعزاء هيبته و احترامه ، ذهبت أنا و صديقي العجوز و قدمنا واجبنا الإنساني الديني و الأخلاقي لأهل صديقي المرحوم – أعانهم الله على مصيبتهم – ثم قررنا التوقف عن زقاق بين مبنيين عند طريق العودة لعله يقينا من زمهرير هذا الشتاء ، للحظة داهمني سؤال عرى عقلي من كل منطقيته ، كان سؤالاً ثم أضحى هاجساً ، ألتفت لصديقي العجوز و هو يشعل سيجارة بأخرى فانية:
 
– ألا ترى أنه من الغريب كيف أن شخص مثل سامر قد انتحر ؟ حياته كما كان يروي لا تقل شأناً عن حياتنا لكنه كان سعيداً ، كان سعيد بهذه الحياة رغم أحزانها و أوجاعها و آلامها.
 
– لم يكن سعيداً بل كان يدعي السعادة ، كان يحاول إرضاء ذاته ببسمة لا وقع لها على نفسه ، و ما هي السعادة ؟ أن تبتسم أمام كل البشر ثم تلعن نفسك كل المساء ، أن تكون إنساناً لست عليه لتجعل الآخرين سعداء بينما أنت بداخلك تحترق ببطء ؟ أم أن تكون هارباً من كل حانة إذ انقضى الليل ؟ سامر كان يحتاج صديقا يروي له الآمه و يبث له كل أحزانه فلم يجد.
 
كانت لكلماته وقعاً صاعقاً على نفسي ، شعرت بأنني مساعد في هذه الجريمة ، بل أنا من ارتكبتها ، أنا من أنهكت روحه بأنني لم أقف بجانبه ، لم أكن له ذلك الصديق الذي يلجأ إليه في أكثر أوقاتها ، لو كنت ذلك الشخص ذو الصدر الرحب مستقبلاً كل همومه و أحزانها ما حصل الذي حصل ، أنا من فعلتها ، أنا … أنا … أنا …
 
 
وضعت مذكراته جانباً بينما كانت تنظر في أعين المستمعين و قد أنهكتهم هذه المذكرات حزناً و ألماً ، كانت هي تلك الفتاة التي وقع في حبها دون إعلامها ، بعد رحيله لم يترك في عليته سوى هذه المذكرات موجهةً لها ، ربما أراد أن تكون هي الوريث الشرعي لسرد مذكرات تصلح أن تكون عِبراً تتناقلها الأجيال ، دقائق من الصمت ثم فتحت المجال لاستقبال أسئلتهم:
 
– ثم ماذا حدث له ؟.
 
– يُقال أنه ارتحل إلى خارج المدينة ، أراد أن يبدأ حياته من جديد ، لا أن ينظر إلى طرقات و حانات تذكره بصديقه الراحل.
 
– أما لصديقه العجوز ؟.
 
– ظل في المدينة يكافحها بكل ما استطاع من قوة حتى أعتاد عليها ، وها هو الآن يسهر في كل حانة يشارك الجميع مغامراته و يشاركوه.
 
– في النهاية إلى ماذا برأيك رمى الكاتب بكتابة هذه المذكرات ؟.

– لربما أراد أن يلفت أنظار العالم لفكرة محورية لطالما تم تجاهلها ، لكل منا جانبه المفرح والفرح بطبيعة حاله سرعان ما يظهر على محيا الشخص ، و جانب آخر هو الحزين ، و في ذلك انقسم اثنان فمنه ذلك يكبت ذلك الحزن داخله و يدعي الفرح فرح كاذب ، فينهش ذلك الحزن شيئاً فشيئاً روحه و كيانه حتى يضحي جسده بلا روح ، لحم يكسوا عظماً ، و الأخر الذي يرى أن صحته لا تستحق أن تنتهك بهذا الأمر فيسارع بالبوح بكل ما في صدره ، و كان هذا الاختلاف الذي شوهد بين سامر وصديقه ،

الحزن يجري مجرى الدم في الجسد ، أول ما يضرب هو القلب ، فإن فقد القلب أضحى الإنسان ميتا لا شعورياً و إن وصل إلى أعلى درجات العلم ، و الجسد بلا روح أنقى من جسد بروح مسمومة ، روح وُلدت بوضع لكل شيء مقام ، ولكل مقام حكاية ، حاولوا ما استطعتم أن تفصحوا عن مشاعركم تجاه الأخرين و إن كانت سيئة ، و لا تكبتوا شيء ،  فالحياة أتفه من أن تحمل فوق مقدارها ، و العمر أقصر من التفكير بعاقبة كل أمر

النهاية …… 

تاريخ النشر : 2020-12-15

Mohammed S.Mkh

الأردن

مقالات ذات صلة

16 Comments
Inline Feedbacks
شاهد جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى