الموقع غير مناسب لصغار السن ويمكن أن يسبب القلق والكوابيس

ضحكاتٌ شيطانيةٌ

بقلم : بلال محمود - اليمن

قد ثبّت عينيه في عيني الكلب

إن الذاكرة الشعبية اليمنية متخمةٌ بالأساطير وقصص الجن والرعب وغيرها من قصص التراث ، ولا عجب في ذلك ، فحضارةٌ بعمر سبعة آلاف سنةٍ وأكثر ، لا بد وأن تعاني من تخمةٍ كهذه ، لهذا يطلق البعض على هذا البلد الساحر اسم ( بلد الأساطير )

في السطور التالية سأحكي لعشّاق الرعب حكايةً مرعبةً ، رواها لي أحدهم يوماً نقلاً عن بطل القصة - حسب كلام الراوي -  ، بالنسبة لي لن أقول أنني لا أعرف عاطفةً اسمها الرعب ، و لا أشعر بها ، بل أنا أشعر بالرعب و لكنني لا أشعر به بسهولةٍ ..


فأنا أحتاج إلى ذلك النوع الخام المسطح من الرعب ليثير فزعي .. أحتاج إلى ذلك النوع من القصص التي لا ترى فيها إلا الرعب الخالص ، لا ترى فيها أي بصيص أملٍ أو ثغرة وهمٍ ..

لذلك فإن هذه القصة هي واحدةٌ من القصص القليلة التي استطاعت أن تبعث الرجفة في أوصالي .. إنها قصة الرعب الخام حين يحاصرك إلى درجةٍ تجعلك تتوقف عن الشعور بالرعب فقط تشعر بالأسف لأنك مضطرٌ لأن تموت عارياً .. إنها قصةٌ عن الصدام المباشر مع الشيطان .. إنها قصةٌ تستطيع أن تشمّ الرعب فيها و أن تلمسه و تراه، و تسمعه، و تتذوقه ..

أنا أراها قصةً مرعبةً إلى درجة أنه لا يمكن لأحدٍ أن يختلقها ، و إلى درجة أنني لا أتمنى أن أجد نفسي مكان بطلها ..


بالنسبة للمرتفعات الجبلية الوسطى من اليمن، يعتبر آخر شهرٍ من شهور الصيف مع أول شهرٍ من شهور الخريف أجمل أوقات السنة .. ففي محافظة " إب " التي تقع في بؤرة هذا النطاق الجغرافي المسمى بالمرتفعات الجبلية الوسطى ما إن يدخل الصيف ، حتى تتوقف الغيوم في سماء المحافظة ، تتذكر أحزانها وتبكي بغزارة ، فتنسج دموعها ثوباً من الأخضر الغامق تلبسه الجبال والسهول ..


وتبقى رافلةً به لأربعة أشهر، زائد أول شهرٍ من شهور الخريف ، بعدها يكون الخريف قد توغل فتبدأ الطبيعة في تشريب الأخضر ببعض الأصفر الخجول الذي لا يلبث أن يصبح أكثر جرأةً مع دخول شهر سبتمبر، فتكون هذه هي شيخوخة الطبيعة ، وتستمر رقعة الأصفر في التوسع حتى يصبح هو لون الطبيعة المهيمن .. و عندها يبدأ حصاد الثمار والسنابل الناضجة الصفراء ..

 

كانت الساعة الحادية عشرة مساءاً في ذلك اليوم من بدايات شهر يونيو- الذي يتحسس طريقه بين الصيف والخريف - حين أفسحت الغيوم مجالاً للقمر الذي أصبح بدراً ؛ ليغسل وجه تلك القرية الصغيرة في مديرية بعدان- إحدى مديريات محافظة إب - بضوئه الفضي البارد ، فاتضحت في ضوئه هذا، الملامح الباهتة للقرية المسترخية على صهوة جبلٍ، و قد افترشت الخضرة ، وتدثرت بها ..


و ما إن بدأت الغيوم في إرخاء قبضتها المحكمة - منذ الصباح -على السماء ، و بدأت في التفكك و الابتعاد حتى بدأ الهواء البارد الأثقل وزناً الذي كانت تحتجزه فوقها في النزول ، مزيحاً الهواء الساخن الأخف وزناً إلى أعلى ليأخذ كلٌّ منهما مكان الآخر ..


وما إن استقرت أقدام الهواء البارد على الأرض حتى اندفعت نسائمه المنعشة في مرحٍ تشاغب الأشجار السامقة  ، فاهتزت هذه و تمايلت مرحبةً .. لبعض الوقت ستقوم النسائم الباردة  بتلطيف الأجواء  قبل أن تسخن ويخف وزنها وتستسلم للهواء البارد الذي سينزل من الأعلى ليزيحها عالياً إلى أن تبرد وتعود ، وهكذا ..

كان المنظر بديعاً لا يمكن وصفه ، وزاده جمالاً ذلك اللحن الذي أخذت أوركسترا الطبيعة تعزفه في مهارةٍ لا تمتلكها إلا أنامل وحنجرة الطبيعة .. لحنٌ يصنعه هدير الماء في مجرى " جحاص " المائي القريب ، و هو يختلط بحفيف الأشجار ورقصاتها ، و بصوت احتكاك أجنحة الجنادب في جحورها، و بين الفينة والأخرى يدخل نباح كلبٍ من هنا أو هناك ليدغدغ اللحن ويزيده روعةً ..


لكنها روعةٌ تحتاج إلى من هي جديدةٌ عليه ليستشعرها ، أما من هو معتادٌ عليها فإنه يحبس حواسه عن مفرداتها في مللٍ وينام .. هكذا أدارت القرية ظهرها للطبيعة المملة ، و واجهت صخبها بسكون النوم ..

لكن هذه الطبيعة أصرّت على أن تناوش أحدهم علَّه يخرج ليرى فتنتها ، و في فراشه في بيت والده على أطراف القرية ، صفع الشاب ( حسن ) بعوضةً بعد أن استكان حتى أغراها بالوقوف على خدِّه ، واعتدل جالساً وهو يزفر في ضيقٍ ، وينفض منامته عن صدره ، و يلعن الحرّ ..


بالطبع كان الجو بمقياس رجلٍ صحراويٍ بارداً جداً ، لكنه حارٌّ بالنسبة لرجلٍ جبليٍ مثل حسن .. فرك عينيه بقوةٍ وكأنه يعاقبها على عجزها عن النوم ، ثم انسل من فراشه ووقف عند النافذة يرمق من خلالها مشهد الطبيعة الرائع في الخارج ، وبدت له فكرة الخروج والاغتسال في المجرى المائي مغريةً ، ولا يمكن مقاومتها..


كان ذلك هو جل ما يحتاجه في ذلك الوقت .. بالتأكيد ستنجح سياط الماء البارد في أن تجلد ظهر الأرق عن ملامحه ..


ارتدى ملابسه على عجلٍ  وهو يبتسم لنفسه في امتنانٍ على هذه الفكرة .. و بعد قليلٍ كان يسلك طريقه بين الأشجار هابطاً إلى الأسفل نحو المجرى ، كان ضوء القمر يلقي كثيراً من الظلال المخيفة هنا وهناك ..


 مع هذه الظلال لا تحتاج إلا لأن تكون متوجساً قليلاً ، لتعيش أبشع قصص الرعب ، فلعبة الظل والضوء هذه ستجعلك ترى أن هناك من يقف على اليمين و أن هناك من يجلس متربصاً بك على الشمال .. لكن حسن كان قد مر بهذه التخيلات منذ سنوات حين سار وحده ليلاً لأول مرةٍ ..


ما هي إلا بضع خطواتٍ حتى سمع من ورائه لهاثاً ، كأن هناك من يجري خلفه .. لم يفزعه ذلك شأن من اعتاد على هذه الأشياء ، و لم يمر يوماً بتجربةٍ مخيفةٍ ، خلال مسيراته الليلية الكثيرة توقف واستدار بلامبالاة  ليرى من هناك ، و عقد حاجبيه حين رأى الكلب الذي توقف على بعد خطواتٍ منه ، يلهث وقد تدلى لسانه خارج فمه..


كان ذلك كلب أحد أصدقائه ، و هو يعرفه جيداً .. لكنه لا يرغب في صحبته .. لهذا انحنى والتقط حجراً ، و حين وقف كان الكلب قد فهم واندفع هارباً وقد وضع ذيله بين ساقيه ، ورغم ذلك فقد تبعه حسن بالحجر ، كتوكيدٍ على عدم رغبته في صحبته ..


عاد بعدها لمواصلة طريقه ، و بعد قليلٍ سمع نفس اللهاث ، وتكرر نفس الموقف.. و في المرة الثالثة رأى حسن أن لا فائدة  و أن الكلب مصممٌ على مرافقته  فواصل طريقه وتركه يتبعه.. و هو يتساءل في نفسه عن السبب الذي دعاه لطرد الكلب وهو يحتاج إلى أنيسٍ في وحشة الليل .. و ليس هناك أفضل من كلبٍ ليقوم بدور الأنيس ، خاصةً حين يكون كلب صديقك ..

وصل إلى المجرى المائي الغزير ، و الذي سيكف عن التدفق بعد شهرين على الأكثر عند انتهاء موسم المطر كما يحدث دائماً .. أمامه مباشرة كانت هناك المغاطس كما يطلق عليها الأهالي .. و هي عبارة عن حفرٍ طبيعيةٍ في الصخر حين يأتي الماء ويملأها تصبح برك سباحةٍ طبيعيةٍ ..


كان المنظر مغرياً ، خلع ملابسه  بلهفةٍ في الأعلى ، و بما أن الليل ستر الكائنات و لا أحد هناك سوى الكلب فقد تجرد من كل ملابسه ، و سلك طريقه وهو عارٍ تماماً نازلاً نحو المغطس ، بينما جلس الكلب على قائمتيه الخلفيتين إلى جوار الملابس و أخذ يلهث تاركاً لسانه يتدلى إلى الخارج ..


يُقال أن الكلب ليس له مسامٌ عرقيَّةٌ في جلده ، هناك مسامٌ فقط في لسانه ، لذلك فهو يدلع لسانه هكذا كلما سنحت له الفرصة ليتعرق ..

ترك حسن الكلب يتعرق ويحرس ملابسه ، و ما إن لامس الماء البارد بقدمه حتى شهق وشعر برجفةٍ باردةٍ تسري في أوصاله ، ضم ساعديه عند صدره وابتسم في انتشاءٍ و واصل تقدمه  ببطءٍ ، و مع كل خطوةٍ كان جزءً من جسده يختفي تحت الماء ، و هكذا حتى أصبح في أعمق نقطةٍ ، فوقف والماء يغطي منتصف بطنه ، ترك أسنانه تصطك وابتسم من بينها ..


سيغوص في الماء وهو واقفٌ مكانه بضع مراتٍ ثم ينصرف .. أخذ نفساً عميقاً ثم غاص ، و حين أصبح كاملاً تحت الماء خُيل إليه أنه يسمع ضحكةً ، كأن هناك من يقهقه في استمتاعٍ وشرٍّ .. انتفض واقفاً في فزعٍ ، مسح عينيه ونظر حوله والماء يتقاطر من جسده ، لكن كل شيءٍ كان طبيعياً .. لم يكن هناك أحدٌ يمكن أن يتهمه بأنه من ضحك .. نظر إلى الكلب وكأنه يسأله ، لكنه ظل على جلسته ، يلهث و يتعرق ..

شعر بالاطمئنان لوجود الكلب ولهدوئه معاً .. و أيقن أن حواسه خدعته لا أكثر .. الماء أثخن قواماً من الهواء ، و كما تحدث انكساراتٍ للضوء تجعلك ترى كل شيءٍ من خلال الماء في غير مكانه وغير شكله ، فإن مثل هذه الانكسارات تحدث للموجات الصوتية ، فتصل مشوهةً إلى الأُذن لتبدو كأصواتٍ أخرى .. هكذا يقول كتاب الفيزياء .. لا شك أن هدير الماء هو ما بدا له كضحكاتٍ في الأسفل ..

عاد يغطس مرةً أخرى ، و في هذه المرة كانت الضحكة أقوى وأوضح ، لا يمكن أن يكون الصوت شيئاً آخر غير ضحكةٍ تنطلق من فمٍّ وحنجرةٍ ، وقف منتشلاً جذعه من الماء ، و أخذ ينظر حوله وقد سيطر عليه رعبٌ عارمٌ ..

أصبح شعر رأسه كالمسامير ، فيما أخذ قلبه يتقافز في صدره منذراً إياه بالموت الزؤام ..

في هذه المرة لم يعد الكلب كما كان ، كان متوتراً ، و رغم أنه لم يغادر مكانه إلا أنه لم يعد يجلس ذات الجلسة الهادئة ، لم يعد لسانه يتدلى خارج فمه ، كان ينظر هنا وهناك فبدا لحسن وكأنه يحاول أن يتحاشى نظراته .. كما يفعل شخصٌ مذنبٌ مع النظرات المتهمة .. أيعقل هذا ؟!

ابتلع حسن لعابه ، و لم يدر ماذا يفعل .. قرر أن يقوم بخطوةٍ ما ليتأكد .. غطس في الماء ثم وقف سريعاً ، و بهذه المناورة رأى على ضوء القمر ما جعله يتسمر في مكانه رعباً .. فهناك حيث ترك ملابسه كان الكلب يقهقه كأنه سمع أروع نكتةٍ في حياته :.
نيااااااااااههههههههه..نياهاهاهاهاهاها.

لم يلبث الكلب أن أدرك أن أمره قد انكشف ، فتوقف عن الضحك وقد قرر أن هذه هي نهاية اللعبة ، تقدم نحو( حسن) وهو يبتسم ابتسامةً صفراء ، ابتسامةٌ من نوع ( كشفتني أيها الماكر ! ) .. بقي (حسن) واقفاً مكانه ينظر بعينين لا ترمشان ، نظرةً زائغةً غير مصدقةٍ إلى الكلب، كانت أعراض الصدمة العصبية واضحةً عليه ، فبدا و كأنه قد انفصل عن الواقع ..


يقول العلم أن خللاً يصيب الجهاز العصبي في مثل هذه الحالات فيتوقف الجهاز " الجار سيمبثاوي " عن الاستجابة للمؤثرات الخارجية ، وعن إرسال واستقبال الإشارات إلى ومن المخ ، و أن المرء يحتاج إلى مؤثرٍ خارجيٍ لجعل الجهاز " الجار سيمبثاوي " يعود إلى العمل ..


و لأنه لم يكن هناك أحدٌ يصفع حسن لينقذه من حالة الصدمة ، فقد تصرف جسده من تلقاء نفسه و انطلق ذلك الفحيح من تحت الماء :-  فششششششششش .. لم يكن يرتدي سروالاً ليتبَوّل في سرواله .. لذلك فقد تبَوّل في الماء .. لو كانت هذه هي أيام جنكيز خان لأعدمه على جريمة التبول في الماء .. ففي كتابه ( ياسة ) اعتبر فعلةً كهذه جريمةً تستوجب الإعدام ..

المهم أن العلماء قد اكتشفوا مؤخّراً ما نعرفه نحن في اليمن منذ القدم .. و هو أن التبوّل عند المرور بموقفٍ مرعبٍ أو مخيفٍ أو صادم أو بعده مباشرةً ..هو أنجح وسيلةٍ يمكن أن تجعل الجهاز العصبي يستعيد توازنه و يعود للقيام بواجباته ..


وهذا ما حصل لحسن ، فبعد أن تبول انتفض في مكانه  و أخذ يتلفت حوله في فزعٍ  و قد استعاد إحساسه بما حوله.. و استعاد قدرته على تقييم الأمور .. أخذ يتراجع إلى الخلف بعنفٍ وهو يصرخ ويبسمل ويحوقل ، ويستعيذ بالله من شر الشياطين .. و يبدو أن ذلك قد نجح في كبح جماح الكلب ..


فتوقف في مكانه وقد غسل عن ملامحه تلك الثقة وذلك الاستخفاف والعبث الشيطاني ، و كساها بغلافٍ قاتمٍ من الخوف و الألم  و الرجاء إن صحَّ التعبير .. و أخذ يزمجر زمجرةً عجيبةً مرتبكةً ، بدت وكأنها نوعٌ من السباب الشيطاني .. تشجّع حسن وواصل تراجعه إلى الخلف و هو يبسمل ويحوقل ويستعيذ .. و قد ثبّت عينيه في عيني الكلب الذي بدا و كأنه يعاني عذابات أيوب ..

حين وصل إلى أطراف المغطس تعثر وفقد توازنه .. و لوهلةٍ زاغ بصره عن الكلب و "  طشششش "  ، وقع جالساً في الماء الضحل .. و حين استقر استعد للأسوأ ، و عاد ينظر إلى حيث كان الكلب متوقعاً أن يراه ينقض عليه ، لكنه لم يعد هناك .. تلفت حوله في فزعٍ باحثاً عنه، فلم يجد له أثراً .. لقد اختفى ..

لو كان قلب حسن أضعف قليلاً لتوقف من الرعب .. لكنه كان شاباً يتمتع بقلبٍ قويٍ .. لم يدر الشاب كيف ومتى خرج من الماء وكيف ارتدى ملابسه وكيف وصل إلى البيت..

لكن هذه الحادثة لم تمر دون أن تترك ندوبها عليه .. لقد خرج منها حيّاً لكن جسده عبّر عن استيائه من حالة الفزع التي عاشها بكثيرٍ من بقع البرص البيضاء التي بدأت في الظهور على يدي حسن بعد بضعة أيامٍ ، ثم غزت أغلب جسده في تالي الأيام ..

يمكنك إذا التقيت بحسن أن تسأله عن سبب هذه البقع .. و سيخبرك  بفخرٍ عن قصته مع الكلب الضاحك .. و حين ينتهي ستجد نفسك منبهراً بذلك الشخص الذي مرَّ بتجربةٍ رهيبةٍ كهذه و لم يتوقف قلبه رعباً ، أو يفقد عقله على الأقل ..

 


تاريخ النشر : 2016-06-21

تم تحرير ونشر هذا المقال بواسطة : حمزة عتيق
شارك برأيك ..ورجاءا التزم بادب الحوار. جميع التعليقات المخالفة لقوانين الموقع لن تنشر