الموقع غير مناسب لصغار السن ويمكن أن يسبب القلق والكوابيس

ما الذي حدث ؟!!

بقلم : ali mansor - سوريا

وثب فجأة وأخذ يزأر زئيرا مخيفا ..

بينما كان الرائد كمال شوقي يقضي نوبته الليلية داخل القسم وقد استبدَّ به الملل ، أشعل سيجارة وبدأ ينفث دخانها ، ثم أخذ رشفةً من كوب الشاي الذي أمامه ، دق جرس الهاتف فرفع السماعة ليستمع إلى أغرب بلاغ صادفه خلال حياته البوليسية ..

كلب ضال يهاجم رجلاً في الطريق و يلتهمه ! أسرع على الفور إلى مكان الحادث ، شقَّ طريقه بين الناس الذين تزاحموا حول جثة الرجل بعد أن غطوها بالجرائد ، واعتلت وجوههم علامات الدهشة والذهول ..

مدَّ الرائد كمال يده ليرفع بعض الجرائد ، ما أبشع ما رأى .. أشلاء جثة الرجل مكومة على بعضها ، دماؤه تملأ المكان بغزارة .. أحشاؤه اختلطت بعظامه المهترئة وبين الأشلاء المتفرقة ظهرت جمجمته ، كانت مشوهة تماماً حتى ضاعت معالمها ..

وقف الرائد كمال مذهولاً هو الآخر ، وأعاد الجرائد بسرعة إلى ما كانت عليه وهو يسأل الناس المتجمعين  :
-  تقولون كلباً ؟
أجابه أحدهم :
-  نعم .. كلب عادي متوسط الحجم ، فجأةً و بدون سبب انقضَّ على الرجل وهو في حالة هياجٍ شديد ، ولم يتركه إلا كما تراه الآن  .
-  ألم يمنعه أحدٌ منكم ؟
-  للأسف وصلنا متأخرين .. فقد سمعنا من على بعد صراخاً مختلطاً بنباحٍ غير طبيعي كأنه زئير .. أسرعنا لنجد الكلب يلتهم جثة الرجل بشراهةٍ ووحشية ، غلا الدم في عروقنا فأسرعنا خلفه ، ولكنه كان أسرع منا ، فـانطلق وهو يزأر حتى اختفى عن أعيننا ، و وقفنا مذهولين مما حدث ..

عضّ الرائد كمال شفتيه في حيرةٍ وهو يحدث نفسه : ترى ما الذي حدث؟ كلبٌ ضال يستطيع أن يفعل ذلك ؟!! .. إن الأمر يبدو في غاية الغرابة .. !!

سرعان ما انتشرت قصة الكلب المسعور والرجل المسكين الذي راح ضحيته في ظروف غامضة  .. و ما هي إلا أيام قلائل حتى تلقى الرائد كمال شوقي بلاغاً آخر  .. كلب يصاب بالجنون ويقتل صاحبه  .. وعاد الناس يتحدثون من جديد بجدية أكبر ، وتحول الحديث من حالة شاذة إلى ظاهرة غريبة ، وراحوا يتساءلون : كيف يقتل كلب صاحبه ولماذا ؟!

دخل الدكتور مهران عالم الحيوان المعروف بيته وهو مطأطئ الرأس مقطِّب الجبين ، وراح يحدث قطه العجوز :
تصور يا ميشو حادث آخر وقع ظهر اليوم .. الناس في حيرة من أمر هذه الحوادث الغريبة ، بعض الناس يربطون هذه الحوادث بالليلة الممطرة في الأسبوع الماضي ..

ثم راح يفكر بعمق واستطرد بصوت مسموع : أليس من الممكن أن يكون ما حدث سعاراً عادياً أم أنها طفرة من طفرات الطبيعة ؟! ربما سنفتح أعيننا على حقيقة خطيرة في الأيام القليلة القادمة ..

ظل علماء النفس والاجتماع والطبيعة والحيوان يبحثون ويفكرون في الأمر الخطير الذي اعترى الحيوانات الأليفة ، وكعادتهم لم يتفقوا على شيء ، وفي أثناء ذلك كان الرائد كمال شوقي ما يزال يتلقى مكالمات وبلاغات عن كلابٍ وقطط تهاجم أصحابها وتفترسهم ، لعل أغرب هذه البلاغات أن أرنباً أصابه الهياج فجأة وانطلق خلف صبية في الثامنة من عمرها كانت تقدم له الطعام وعضَّها في ساقها .. ! وراحت الجرائد تتحدث عن هذه الظاهرة الغريبة  :

"  الحيوانات الأليفة تتحول فجأةً إلى حيوانات مفترسة  "
"  خلل أصاب التوازن البيئي أدى إلى تغيير فيسيولوجي في سلوك الحيوانات  "

تدخلت سلطات الأمن ، فراحت تطلق النار على أي حيوان تراه أمامها ، وأمرت بحظر التجوال بعد السادسة مساء ، ومعاقبة كل من يحوز في بيته على أي حيوان ، وخلت الشوارع من المارة وغرقت المدينة في صمت مخيف ، إلا من نباح كلب هائج يبحث عن فريسة  ...

وذات يوم كان الدكتور مهران يسرع الخطى إلى منزله قبل حلول الظلام ، ودق قلبه بشدة عندما تخيل جسده بين فكي كلب مسعور ، كيف للإنسان صاحب العقل والسيادة أن يكون فريسة .. ؟!!

أبعد هذه الفكرة البغيضة عن عقله و واصل سيره ، و أخيراً وصل إلى منزله وأدار المفتاح بالباب ، دخل وهو يقول مداعباً قطه العجوز : تأخرت عليك يا قطي الحبيب .. أرجو المعذرة الأمر يزداد سوءاً في الخارج ، يبدو أن الناس هم أيضاً أصيبوا بالجنون ، تصوَّر ..  بدلاً من أن يبحثوا عن حل راحوا يقتلون الحيوانات في المنازل والطرقات بلا رحمةٍ أو شفقة  !!

هبَّ ميشو واقفاً عندما لمح صاحبه العجوز مهران واستطرد مهران : لا تقلق يا قطي الحبيب لن أدعهم يمسوك بسوء ، أنت بلا شك تختلف عن كل حيوانات المدينة ، إنها حيوانات ضالة مريضة أما أنت... راح ميشو يموء  وهو ينظر إلى الدكتور مهران الذي مازال يحدثه : لا تخف لقد أحضرت لك اللحم الذي تحبه هيا اقترب لا تخف ..

فجأة وثب ميشو في الهواء وانقض على الدكتور مهران وهو يصدر مواءاً غريباً و يزوم في وحشية ..أسرع مهران مبتعداً عنه في فزع ، بينما وقف ميشو في منتصف الغرفة وهو يزأر زئيراً مخيفاً ..

ميشو ماذا حدث لك يا ميشو؟ .. قفز ميشو مرة ثانيةً نحو الدكتور مهران ونبش مخالبه في ذيل معطفه وهو يموء بصوتٍ عالٍ ، ارتجف له الدكتور مهران الذي شعر أن قواه تخور ، ووقف ينظر إلى هذا القط الهائج ، لقد تغيرت ملامحه !! أصبح أشد شراسة ، وعيناه تبرقان بريقاً غريباً ، جسده تضخم بشكل ملحوظ ، ورأسه تتحرك في كل اتجاه كأنه نمر جائع .

وقف في منتصف الحجرة وهو ينفش شعره ويقوس ظهره ، وبين لحظةٍ وأخرى يشهر أنيابه ويرفع مخالبه ليضرب بها الهواء ..

مازال الدكتور مهران يقف في ركنه ينظر إليه مندهشاً لا يدري ماذا يفعل ، وقبل أن يهتدي إلى تفكير كان ميشو قد قفز في الهواء قاصداً الدكتور مهران ، تجنبه الدكتور مهران بصعوبةٍ بالغة ، وأسرع نحو معمله والقط الشرس وراءه محاولاً اللحاق به ، وكاد مهران أن يتعثر ويسقط أرضاً لولا أنه تماسك واندفع بكل جسده داخل المعمل وأغلق الباب على نفسه بسرعةٍ قبل أن يلحق به هذا القط اللعين  .

ألقى مهران بجسده فوق أقرب مقعد صادفه وراح يمسح العرق الذي تصبب على وجهه وهو يلهث ، وفي الخارج كان القط يروح ويجيء وهو يزأر في وحشية ، وبين حين وآخر يندفع نحو الباب محاولاً فتحه .

أخذ مهران يتساءل .. لا هذا ليس قطه الأليف الوديع ميشو الذي شَهِد ولادته وتعهده بالرعاية والعناية منذ أيامه الأولى لقد أصبح أمام حيوان مفترس يريد أكله ! .. و أتته فكرة مدهشة ..اللحم .. لفافة اللحم في جيب معطفه ، راح يحقن قطعة اللحم بمخدر وفي هدوء ألقاها من فتحة خاصة بالباب ، ثم راح يراقبه من ثقب الباب وهو يلتهم اللحم حتى انتهى منها ..
 بعد قليل فتح الباب وتلفت حوله بحذر ولم يكن القط أمام الباب فقد انكمش في مقعده وغرق في سباتٍ عميق ، فحمله الدكتور مهران برفق ووضعه داخل أحد أقفاص التجارب ، وبعد أن أحكم إغلاق القفص راح يتأمله وهو شارد الذهن ويفكر .. هناك مثير ما تعرضت له الحيوانات جميعاً ، هذا المثير جعل القشرة المخية الموجودة عند مقدمة المخ و المسؤولة عن إثارة الغضب والانفعال تعمل بصورة مفاجئة وبشكل غير طبيعي..

بدأ الدكتور مهران يوصل أسلاكاً دقيقة من البلاتين ببعض مراكز المخ برأس القط ، ثبت طرفها الآخر بجهاز رسام المخ الالكتروني ، كان واضحاً أن الذبذبات الخارجة من رأس القط غير طبيعية ودقات قلبه كانت أسرع من المعدل الطبيعي .. تساءل بينه و بين نفسه : ما هو الدافع في حدوث سلوك معين ؟

الحيوان وأي كائن آخر يسلك سلوكاً ما بسبب تغيرات فسيولوجية داخله ، ونتيجة لهذه التغيرات تفرز غدة الكظر الموجودة فوق الكلية مباشرة هرمونات الكورتيزون والأدرينالين التي تدفع الحيوانات المفترسة إلى الاقتتال ..

وبعد عدة ساعات خرج الدكتور مهران من معمله وقد بدا على وجهه الإجهاد ، و تناثرت حبات العرق على جبينه وفوق أنفه العجوز ، ويبدو أنه قد وقع على حقيقةٍ مذهلة ، لأنه سار نحو النافذة وراح يحملق في السماء .. حدث نفسه قائلاً :
منذ أن أمطرت السماء وقلبي يحدثني أن شيئا ما سوف يحدث ولكنني لم أتوقع أن يصل الأمر إلى هذا الحد ..

راحت السماء تبرق بشدة وترعد بعنف وتهطل بغزارة وكأنها تنفث غضباً وحنقاً .. لم يخطر على بال أحد أن سيول الأمطار المنهمرة تخفي بينها الدمار والهلاك لكائنات الأرض جميعاً ..

نوعٌ غريب من الإشعاعات غير المنظورة ذات سرعةٍ فائقةٍ لها القدرة على اختراق الأجسام تسللت من بين مسامات الغلاف الأيوني وراحت تترك آثارها المدمرة في رؤوس الكائنات الحية ، و تشعل حميَّتها لتحولها إلى حيواناتٍ مفترسةٍ شرهةٍ للدماء ..  ورويداً رويداً ستظهر الآثار المدمرة على باقي الكائنات ، وسيذعن لها الإنسان قريباً  ..

ماذا سيكون شكل الأرض؟ ..غابة ؟ .. يكون فيها الإنسان حيوان مفترس يتستر في الظلمات !!!

وهنا ضحك الدكتور مهران بمرارةٍ قائلاً : إن الإنسان ليس بحاجةٍ إلى أشعة من السماء ليكون مفترساً ، ومن يدري ربما قد أصيب الإنسان بها بالفعل في وقتٍ مضى .. فحوادث الإبادة التي يقوم بها الإنسان ضد أبناء جنسه والحروب المندلعة هنا وهناك تؤكد ذلك ، و يال سخرية القدر ستكون كوميديا مؤلمة للغاية وملهاة مأساوية قد تنهي الحياة على كوكب الأرض  ..

فجأة انتبه الدكتور مهران على صوت زئير موحش ، والتفت خلفه سريعاً ليجد ميشو يركض نحوه وقد بدا أكثر شراسة ووحشية ، استغرب مهران من قدرة ميشو على تحطيم القفص ..!!  فسقط قلبه بين قدميه ..

اندفع القط نحوه بقوة ، حاول مهران الهرب ولكنه تعثر و سقط على الأرض ، وانقض عليه ميشو ، وبدأ ينبش في وجهه وهو يموء شاهراً أنيابه المعقوفة كالحراب ، دفعه الدكتور مهران بكل ما بقي فيه من قوة وانطلق نحو حجرة معمله وهو يمسح الدم الذي سال على وجهه ، لكن القط تبعه وبسرعةٍ تناول مهران مسدسه من مكتبه وأطلق رصاصة عليه ... زأر القط زئيراً عالياً وسقط مضرجاً بدمائه  ..

لم يتمالك الدكتور مهران نفسه فانهار بجانب القط االقتيل وهو يبكي :
معذرةً يا قطي الحبيب اضطررت أن أفعل ذلك ، ليس من أجل حياتي ولكن من أجل حياة الإنسان ، فالإنسان لا يمكن أن يكون فريسةً لإنسان مثله .. فكيف ترضى أن أكون أنا فريسة لقط ..؟!!


تاريخ النشر : 2016-06-28

تم تحرير ونشر هذا المقال بواسطة : نوار
شارك برأيك ..ورجاءا التزم بادب الحوار. جميع التعليقات المخالفة لقوانين الموقع لن تنشر