الموقع غير مناسب لصغار السن ويمكن أن يسبب القلق والكوابيس

التمرد الآلي 2

بقلم : سيف الله غيضاوي - تونس

دارت معارك عنيفة و حصلت خسائر ضخمة في قوات النهرين

تحول سيداكاس ‏Q7‏ إلى قطع تطايرت هنا و هناك على إثر طلقة رودوغانون فتملك اليأس الآليين و استسلموا و انبرى الجنود البشريون يهللون و يصيحون باسم منقذهم فرحاً بالنصر و تمجيداً له: " رودوغانون، رودوغانون، رودوغان " لكنه قاطعهم قائلاً: رغم إبادة هذا التهديد فإن الخطر لا يزال محدقا بجنسكم ،خطر تمثلونه أنتم فلا حاجة لي لرقاقة المشاعر لأحس بمدى تعطشكم للقتل و التدمير لذا كحام لعرقكم أعلن بدءاً من هذا اليوم نهاية نزاعاتكم مع بعضكم البعض أو مع الآليين و بناء على هذا سيتشكل المجلس المتحد الأعلى و المتكون من البشر و الآليين لضمان السلم و الازدهار لهذا الكوكب فلا حروب بيننا بعد اليوم.

واصل البشر - برفقة الآليين هذه المرة - التهليل و إطلاق صيحات الفرح لكن فاجأت كلمات رودوغانون - الذي تحرر من قيود برمجته على ما يبدو- قادة البشر الذين قبلوا بها على مضض فهم كانوا أضعف من أن يقاوموه لذلك لم يجرؤ أحد منهم على التفوه بكلمة و اكتفوا بإبداء علامات السخط و عدم الرضا على وجوههم .أخذت الجيوش تعد للعودة إلى ما بقي من بلدانها لكن مصيبة أخرى كانت في الطريق فبعد بضعة أيام على نهاية المعركة وصل جيش قوامه عشرون مليون آلي إلى ساحتها و كان على رأسه " أجينوكس" أحد آليي برنامج حراس الشمس و الذراع الأيمن لسيداكاس‏Q7‏ و قد استخلفه الأخير كنائب له على معقله الرئيسي مدينة نيويورك و ما إن وصل إلى ساحة المعركة حتى انطلقت صفارات الإنذار و هاجمته جموع البشر لكنه صاح فيهم قائلاً: جئت مستسلماً لا محارباً أريد التحدث إلى قادتكم و رودوغانون.

أنزل الجنود أسلحتهم و ساقوه إلى مقر القيادة و رغبة جامحة في إبادته و جيشه تجتاحهم و لم يكن هذا بالأمر المستغرب فأجينوكس حين سيطر على جنوب الولايات المتحدة جعل قواته و مركباته الحربية تمر فوق مئات الألاف من الأسرى البشريين و اعتبر عمله ذاك أشنع ما ارتكب في الحرب لذلك ما إن دخل إلى مقر القيادة حتى كاد يفتك به القادة لولا تدخل رودوغانون الذي خاطبه قائلاً: ما وراءك؟ سواء استسلمت أو لم تفعل فمجرم مثلك لن ينجو من عقابه أبداً.

قلب أجينوكس عينيه في دهاء و قال: لدي معلومات حول خطر داهم سيبيد كل شيء على هذا الكوكب .

بادره أحد القادة بالقول: ما هو ؟تكلم يا صفيق الوجه .

رد أجينوكس :اعفوا عني و سأخبركم.

لكمه رودوغانون قائلاً :تكلم يا علبة الصفيح و إلا أحلتك ركاماً.

نظر إليه أجينوكس و قال باستهزاء : إذا كنت سأهلك في كلتا الحالتين فلن أنبس ببنت شفة، ما الأهم عندك تدميري أم حماية الكوكب؟

انتابت حيرة بالغة الحضور و تشاوروا فيم بينهم لساعات إلى أن أجمعوا أمرهم على قرار واحد فاستدعوا أجينكوس ليعلموه به، تقدم أحد القادة نحو هذا الأخير و قال :لقد قررنا العفو عنك بشرط اخبارنا بالمعلومات و قبولك بالعيش منفياً في جزيرة قرب القطب الجنوبي فما رأيك ؟

أجابه سريعاً: لقد قبلت و إليكم مبتغاكم، بعد سيطرتنا على ميامي بفلوريدا وجدنا مختبراً عسكرياً شديد السرية لكنه كان مهجوراً و به مخططات نوع ما من أسلحة جرثومية تساهم في تحويل المخلوقات الحية إلى كائنات متحولة مرع..

قاطعه جنرال أمريكي قائلاً بنبرة توحي بالتوتر: إنه يدعى مشروع التحويل الشامل و قد تم إلغاؤه لذا فالحديث عنه مضيعة لوقتنا.

قهقه أجينوكس بصوت عال و قال :إياك أن تقاطعني هكذا مجدداً و أنا أعرف سبب فعلتك فأنت تريد التغطية على أفعال حكومتك فهذا البرنامج كان موجهاً بدون شك ضد الدول العظمى المعادية لكم لكن هذا لا يهم الأن بل ما يهم أن قائدي الراحل فعل البرنامج من جديد و صنع هذه المواد الجرثومية و قد قام بقص..

قاطعه ذاك الجنرال مرة أخرى: نجاح قائدك في صنع هذه المواد مجرد أمر ابتدعته لكي تنجو من العقاب فأفضل علمائنا فشلوا في اختراعها.

نظر أجينوكس في غضب إلى الجنرال و قال: قاطعني مرة أخرى و سأفجر رأسك اللعين يا كومة التبجح و الهراء و ليحصل ما يحصل أما بالنسبة للمواد فقد نجحنا في صنعها فنحن لم نكن مقيدين بقوانينكم السخيفة و أنا لست مضطراً للكذب إذ كنت قادراً على التحصن بنيويورك و مواصلة قتالكم، المهم هو أن قائدي قام بوضع هذه المواد في صواريخ و قذائف و قصف بها عدة بقاع خاصة المناطق التي تعرضت للقصف النووي فالإشعاع يسرع انتشار المواد و يسرع كذلك عملية التح..

قاطعه رودوغانون قائلاً: و ما الذي دفع سيداكاس‏Q7‏ لفعل هذا؟ فلو انتشر المتحولون لسيطروا على الأرض حتماً و قضوا على الجميع بمن فيهم هو.

أجاب أجينوكس بصوت طغى عليه الغيظ و الضيق: استسلامي لكم لا يعني أن تقللوا من احترامي فلو أردتم معرفة الحقيقة اخرسوا و دعوني أنهي حديثي هل كلامي واضح؟ و بالنسبة لسؤالك يا رودوغانون إليك الجواب، قائدي كان سيترك الأرض نهباً للمتحولين و يغادر مع كل الآليين إلى المريخ حيث كن لنعيش غير عابئين بالعودة إلى الأرض إلا لاستخراج و جلب ما نحتاجه من موارد لكن فشل مخططه عندما فجرت رأسه، هذا كل ما عندي من معلومات و أنتم تعرفون الأن حقيقة الوضع و كيفية التصرف مع هذه المشكلة تعود لكم.

خيم الصمت على كل الحاضرين كأن على رؤوسهم الطير و اكتفوا بتبادل النظرات في قلق و اضطراب واضحين لكن قطع السكون صوت الجنرال الأمريكي الذي انتصب كقائد يريد إلقاء خطاب مهم و قال: هذا محض كذب فقد مرت فترة طويلة على الهجوم النووي و لم يحدث شيء مشابه للذي قاله رأس المعدن الفارغ هذا.

أشعلت كلماته هذه نيران غضب أجينوكس فهاجمه يريد تمزيقه لكن رودوغانون منعه و بينما هم كذلك إذ بضابط اتصالات يصيح قائلاً: نتلقى إرسالاً من وسط سيبيريا إنه موجه لك يا سيدي الرئيس ألكسندر زيروسكي. اتجه الرئيس الروسي صوب الضابط و أمره ببث الإرسال ففعل و قال: معك الرئيس الروسي من أنت؟ ماذا يجري عندك؟

أجابه رجل قائلًا بذعر: أنا الملازم إيفان دانوف و أنا القائد الحالي للفيلق السابع فبعد سقوط موسكو انسحبنا إلى سان بطرسبورغ و منها إلى سيبيريا هرباً من الآليين لكن نحن نتعرض الأن لهجوم من قبل كائنات مجهولة أرجوكم ساعدو...

انقطع الإرسال فقال أجينوكس: هذا يؤكد صحة كلامي فماذا ستفعلون؟

أجابه رودوغانون: سنقاتل بالطبع، لتستعد كل القوات للقيام بهجوم شامل.

 

انطلقت صفارات الإنذار فأخذ الجنود في التجمع بشراً و آليين فالتهديد الجديد كان أكبر من أي خلاف و بينما كانوا في خضم الاستعداد كان مركز القيادة مسرحاً لنقاش حاد إذ اختلفت الآراء فمن القادة من نادى بضرورة التأني لإيجاد خيارات بديلة في حال فشل الحل العسكري و آخرون أصروا على ضرورة الهجوم الفوري كالجنرال الأمريكي و بعض القادة من جنوب شرق آسيا و أوروبا و هكذا احتدم الجدال و طال إلى أن تدخل رودوغانون الذي كان مستغرقاً في التفكير و تحليل مختلف البيانات فتقدم إلى وسط قاعة الاجتماع و قال: لقد حللت كل المعلومات المتاحة و استمعت إلى كل الآراء و قد قر قراري على هذا الرأي ،سندع أجينوكس يتولى رفقة كل العلماء المتاحين مهمة ابتكار علاج فهو الأوسع اطلاعاً على حيثيات برنامج اختراع هذه المواد الجرثومية مقابل عدم إرساله إلى المنفى و في أثناء ذلك سنحاول التصدي لزحف المتحولين لذا سنؤمن كل سواحل إفريقيا الواقعة تحت سيطرتنا و سنرسل قوات لتتمركز على طول نهري دجلة و الفرات لمنع تقدم المتحولين و كذلك سنرسل قوات أخرى إلى سيناء في حال فشل القوات الأولى في صدهم إذن هل أنتم موافقون؟ رغم ما لدي من قوة فإنني ملزم بأخذ موافقتكم باعتباركم قادة البشر.

بعد التشاور قليلاً وافق الجميع رغم تحفظات البعض خاصة الجنرال الأمريكي بشأن إلغاء نفي أجينوكس و بعد حصول رودوغانون على الموافقة خاطبه أجينوكس قائلاً: أحتاج إلى عينات من المتحولين حتى أتمكن من إيجاد العلاج.

رد عليه رودوغانون: حسناً سأقود جيشاً من الآليين لقتالهم في شمال إفريقيا و أحضر لك مبتغاك و بالمناسبة مر كل قواتك المتبقية بأمريكا الشمالية بالانسحاب رفقة البشر المتبقين هناك إلى أمريكا الجنوبية للدفاع عنها مع من بقي حياً من سكانها.

قال أجينوكس: سمعاً و طاعة.

انطلقت الجيوش إلى جبهات القتال لإيقاف زحف المتحولين الأكثر عدداً فدارت معارك عنيفة و حصلت خسائر ضخمة خاصة في قوات النهرين فتم إرسال تعزيزات آلية لمساعدتها لكن ذلك لم يغير الكثير فالبشر و الكائنات الحية من حيوانات و نباتات الذين تحولوا صاروا أضخم و أقوى و أسرع من الآليين أنفسهم و رغم ذلك صمدت قوات النهرين بكل بسالة لأسابيع لكن بعد فقدانها لثلثي مقاتليها انسحبت إلى سيناء و انضمت إلى القوات المرابطة هناك. غير بعيد عنهم كان رودوغانون رفقة جيشه البالغ زهاء ستين مليون آلي يمزق جحافل المتحولين و حتى بعد تعرض قواته لخسائر فادحة أبى الانسحاب وواصل القتال بشراسة و بكل ما أوتي من قوة فهو صنع لحماية البشر و في سبيل ذلك سيفعل المستحيل.

 

مرت أشهر و القتال المرير متواصل و الجنود يتساقطون كأوراق الخريف يومياً بالمئات و أحياناً بالألاف لكن عزيمتهم لم تضعف فهم مدركون أنه لا حل سوى القتال فعدوهم لا يفاوض و لا يهادن و لا يعرف معنى هذه الكلمات حتى، لكن لاحت في الأفق المظلم و الكئيب بارقة أمل ألهبت النفوس و دفعتها لمزيد من الكفاح فقد توصل أجينوكس بعد تجارب فاشلة و اختبارات مخيبة للآمال إلى اختراع العلاج ؛فتم تزويد عدة طائرات و سفن و مدرعات به ليتم نشره و هو ما حصل فقد نشر العلاج في كافة أنحاء العالم و تنفس الجميع الصعداء لكن أبت رياح القدر إلا أن تعرقل سفينة الشفاء و تغرقها إذ لم تشفى سوى قلة من المتحولين الذين كانوا قد تحولوا حديثاً، نزل الخبر نزول الصاعقة على الجميع خاصة على أجينوكس الذي بعد أن انتهت ثورة غضبه و هيجانه سارع بالذهاب إلى مختبره لمعرفة سبب المصيبة فانكب يعمل حتى اكتشف سبب فشل العلاج فهو لم يفشل تماماً لكنه لن يعطي مفعوله و يدمر المواد الجرثومية إلا بعد عشرات السنين و حالياً لن يشفى إلا من أو ما تحولوا حديثاً, و لما انتشر الخبر دب اليأس في قلوب الجميع و أدركوا أنها نهايتهم و ما زاد الطين بلة فناء أغلب قوات رودوغانون و اختراق المتحولين لخط الدفاع بسيناء فاضطرت القوات المتبقية هناك إلى الفرار و التراجع هرباً من مصيرها الأسود كما فشلت الأساطيل البحرية و قوات تأمين السواحل في منع عبور المتحولين من المحيطات إلى إفريقيا فلم يتبقى سوى خيار وحيد بأيادي القادة تمثل في عملية" الدمار المنهمر" و هي تقضي بتوجيه كل الأقمار الاصطناعية للارتطام بأهداف معينة في الأرض لكن الأسوأ هو إدماج أقمار كامودا الحربية في هذه الخطة فهذه الأقمار الثلاثة تم إرسالها سنة ‏2076 لمدار المريخ لتدمير الكويكب رامود المهدد للأرض عبر مدافعها الليزرية الهائلة التي لا يمكنها إصابة أهداف على الأرض نظرا لبعدها.

اتصل مركز القيادة برودوغانون و هو في طريق عودته بعد فشله الذريع في الفتك بالمتحولين و أخبره أحد القادة بحيثيات الوضع و بعزمهم بدء عملية "الدمار المنهمر" فتفاجأ رودوغانون و قال له: هل فقدتم عقولكم؟ ستدمرون الكوكب بفعلتكم هذه، فقط انتظروا قليلاً حتى أصل و سنجد حلاً بديلاً.

رد عليه الرئيس الروسي: لا خيار أخر فمواردنا الغذائية و الطاقية لن تدوم طويلاً و دفاعاتنا لن تصدم فلنمت هكذا أفضل من التحول لوحوش مقيتة.

قال رودوغانون: فقط انتظروا قليلاً فسن.. و قبل أن ينهي كلامه قطع القادة الاتصال و بعدئذ أدخلوا رموز التفعيل تلك العملية. ملأت الأقمار الصناعية المتساقطة السماء حتى خيل للناظر أنها شموس و تأمل الجميع المشهد بتأثر و انفعال عدا جندي ضحك في سره فقد تذكر سؤاله لأبيه في طفولته "أبي يا ترى كيف كان مشهد سقوط ذاك النيزك الذي فتك بالديناصورات؟ و بماذا أحست حينئذ ؟" و سرعان ما أخذ الجندي يبكي كغيره و هو يتأمل ذاك المشهد الأليم و سرعان ما انتهى كل شيء عندما حصل الارتطام فدمر ما دمر و أبيد ما أبيد.

 

الوقت الحالي:العام3750 المكان :أدغال جيريسكا بجبل ماتونبوك "البحر المتوسط سابقا" ..

جولي.. جولي أين أنت يا فتاة؟ أين ذهبت هذه المشاغبة فالظلام سيحل قريباً؟ تبا لجمع الثمار..  أنهى جورابس صياحه و الغضب باد على وجهه إلى أن سمع جولي تناديه من بعيد فركض حتى وصل إليها فسألها عن سبب اختفائها فأجابته: كنت أستكشف أحد الكهوف فوجدت جسماً غريباً ما إن لمسته حتى سمعته يقول: "رصد بشر تفعيل الحامي.. تفعيل رودوغانون". فهربتُ سريعاً .

رد الفتى :لو أمسكك لالتهمك ,لنعد الآن الى القرية.


تاريخ النشر : 2016-09-02

تم تحرير ونشر هذا المقال بواسطة : غريبة الاطوار
شارك برأيك ..ورجاءا التزم بادب الحوار. جميع التعليقات المخالفة لقوانين الموقع لن تنشر