الموقع غير مناسب لصغار السن ويمكن أن يسبب القلق والكوابيس

عــدالــة ظـالـمـة

بقلم : حطام - الجزائر

أخذت جعبة قوسها وسهامها وانطلقت إلى الغابة لتفعل ما يفعله الرجال بالعادة..

وضعت خنجرها وسط النّار إلى أن احتدت حرارته, ثم قامت بكيّ جرحه, وبالرغم من أنها حشت فمه بقطعة قماش لتجنب صراخه, غير أن الألم كان أقوى من أن يُحتمل, فأطلق صرخة اهتزت أركان الكوخ الصغير عليها, ثم غاب عن الوعي...

- ماريا..خذي نظفي هذا...وأعطت الخنجر لمرافقتها ثم أضافت:

-سيستيقظ قريباً,راقبيه جيداً..أنا ذاهبة للصيد

-حسناً, رافقتك السلامة..أجابت الفتاة برّقة 

أخذت جعبة قوسها وسهامها وانطلقت إلى الغابة لتفعل ما يفعله الرجال بالعادة..

بعد مدة عادت ممسكة بالعديد من الطرائد,رمتها بزاوية الكوخ ثم التفتت لماريا قائلة:

-أعدّي الأكل الآن ولا تنسي أن تعدّي بعض الحساء خصيصاً له
ثم جلست على الكرسي المقابل لسريره وتراقبه ولسان حالها يقول:
-ترى..ما تكون قصتك ؟


كانت في الغابة تصطاد كعادتها وقت لمحته ملقى تحت أحد الأشجار , ركضت إلى مكانه فوجدته جريحاً يئن من حدّة ألمه.. حاولت محادثته ولكن دون جدوى, وفجأة تبادر إلى أسماعها أصوات تتعالى وتقترب منهما شيئاً فشيئاً :

- أمسكوه...

- حاولوا ايجاده..

- لابد من أنه قريب من هنا...

- ومطارد أيضا؟....مالذي عليّ فعله؟


استجمعت قواها وأوقفته وأسندته إلى كتفها ثم مشت به مسرعةً نحو كوخها سالكة إحدى الطرق المتشعبة بالغابة, والتي يصعب على أحد اجتيازها غيرها, هي التي حفظت سبلها كحفظها لراحةِ يدها..

٭٭٭٭

- هل أنتِ بخير؟

- أشعر بألم حاد.. (بصوت خافت متقطع )

- جرحك كان عميقاً .. وكان لزاماً عليّ كيّه, لا بأس.. ستتحسن مع الوقت عليك أن تتحمل, والآن عليك أن تشرب القليل من هذا الحساء لتستعيد عافيتك.. لقد خسرت الكثير من الدماء..

- ماريا... قومي بإطعامه, ثم اسقيه مزيج الأعشاب التي حضّرتها..إذا احتجتِ شيئاً أنا بالخارج...


سارت إلى الباب فتتبعها بنظراته المتعبة...وعند خروجها سأل ماريا:

-هل هذه فتاة أم شاب؟ لقد اختلط عليّ الأمر؟

ابتسمت من قوله وأجابت :
- اشرب هذا الحساء... سيفيدك

٭٭٭٭

بعد مرور فترة كانت صحته في تحسن ملحوظ..

- سأخرج لأستنشق بعض الهواء النقي..

- مازلتَ مريضاً ، أخشى أن تنتكس حالتك..أجابت ماريا بقلق..

رد مبتسماً :

- لا عليكِ , لن أبتعد من هنا.. شكراً على اهتمامك بي طيلة هذه المدة..


بمجرد أن أطلّ من باب الكوخ غطت عيناه أشعة الشمس القوية فحجبت عنه النظر ,حاول تفاديها شيئاً فشيئاً إلى أن اتضحت الرؤيا لديه , فرآها تمسك بفأس وتقوم بتقطيع الأخشاب بكل قوتها , تعجب لأمرها وبادرها قائلاً :

- صباح الخير..

- صباح الخير (دون أن تلتفت اليه)..

- عفواً ولكن لم أتعرف عليكِ بعد..

- مايا..

- مايا... اسم جميل,أنا ماركوس ..أود أن أشكرك على ما فعلته لأجلي سيكون بمثابة دينٍ علي..


توقفت عن العمل والتفتت اليه بعيني الشك وقالت بحدة:

- سيّد ماركوس...هلاّ قلت لي لمَ كنت ملاحقاً؟

- هلّا أعفيتني من الإجابة؟

أشاحت بوجهها عنه وردت ساخرة :

- لا يخشى الرّجال عواقب أفعالهم..

- ماذا تقصدين ؟

- أعلم أنك من المملكة المجاورة..كما أعلم أنك مطلوب هناك..

سحبت من جيب سروالها ورقة وأضافت :
- هناك العديد منها منتشرة في الجوار...


أخذ الورقة من يدها فإذا هي قائمة بأسماء مطلوبين وصِفاتهم وكان واحداً منهم.. كتب تحتها بالخط العريض أن المكافأة ألف قطعة نقدية لمن يسلّم أحدهم....

- ألف قطعة نقدية..!! وضحك ملء فمه ثم أردف:

- المكافأة مجزية,لم أعلم بأنني كنز.... هل تودّين الحصول عليها؟

سحبت ورقة ثانية من جيبها وأعطتها له قائلة بتهكم:

- وهذه أيضاً مكافأة مجزية هل تودّ الحصول عليها ؟

فإذا هي ورقة بها تخطيط لملامحها, وكانت هي الأخرى مطلوبة ولكن المكافأة كانت عشرة أضعاف مبلغ مكافأته..

نظر إليها مدهوشاً فقطعت دهشته قائلة :
- يجب علينا التحدث بجدّية.... تعال معي إلى الداخل

٭٭٭٭

بعد دقائق من الصمت..
-بما أنك ضيف هنا فأقترح أن تتكلم أولاً ..

- ماركوس.. حِرَفي عادي أعمل لكسب رزقي وعائلتي..كثيراً ما عانى الحرفيون والتجار من ظلم الحاكم وأعوانه, أغلبية مردودنا ندفعه كضرائب ولا يبقَ لنا غير الفتات..

- وبعد..

- مرض والدي بشدة ,وكان علي أن أجلب له الطبيب والدّواء فأخذت المال الذي كان من المفترض أن أدفعه كضريبة, ويوم جاء تسليم الضرائب ...

- لم يكن لديك مال لدفعه..

- فأخذ الجنود يكيلون لي اللّكمات والضربات فثارت ثائرتي ولم أعد أحتمل، استللت خنجري وطعنت أحدهم ثم لذت بالفرار واختبأت بالقرب من المملكة , عرفت أن أمري انتهى وأن مصيري الموت المحتم فقررت أن أخلص الناس من شرهم..
- وكيف ذلك ؟
- قمت أتصيّد الجنود من وقت لآخر , كلّما أتحين اللّحظة المناسبة أقتل منهم ما شاء أن يُقتل و أحتفظ بسيوفهم ونبالهم بمكان آمن...

- وكيف وقعت بين أيديهم ؟

- خطتي الأخيرة فشلت, كانوا يقظين على غير العادة, فلاحقوني إلى الغابة وصاروا يطلقون صوبي سهامهم وخناجرهم فأُصبت.. ولكني حاولت التوغل داخلها أكثر وبعدها أغمي علي والبقية كما تعلمين..

- وهل مازالت أسلحتهم معك؟

- أجل...لماذا؟

- لا شيء, استرح الآن وبعد أن تتحسن كليّاً سنتكلم..

- لَم تخبريني لِم أنتِ مطلوبة؟

أجابت مبتسمة:

- يمكنك القول أن مصالحنا مشتركة


٭٭٭٭

بعد فترة..

عادت إلى الكوخ ترتدي عباءة سوداء طويلة تغطي رأسها و كامل جسدها عندما سألها :
- غبتِ طويلاً .. أين كنتِ؟

- التفتت لمرافقتها وقالت :
- ماريا.. حضري لي بعض الأكل..ثم أجابته :

- كنت بالمملكة أستطلع آخر الأخبار..

- ما أكبر جرأتك!! .. وما هي المستجدات ؟

- الجنود منتشرون بكل مكان, وعمليات الاعتقال على قدم وساق, يقبضون على كل من يشكّون بأمره, الناس بدأت بالثوران والغضب.. وهو ما يبشر بنهايتهم...

- أظن أن ما يفعلونه يدّل على أن الخوف يسيطر عليهم..

- سنستغل هذا الخوف... إن من يتملك منه الذعر يتصرف دون تفكير ويرتكب العديد من الأخطاء..

- وماذا علينا أن نفعل ؟

- نحن اثنان فقط, يجب أن ينضم إلينا آخرون , هل تعرف من يشاطرنا الهدف ويكون أهلاً للثقة ؟

- هناك الكثير منهم , وهم على أهبة الاستعداد لمساندتنا.. سيكون علي التواصل معهم, ولكن....

رمقته بنظرة ثابتة :

- ولكن ماذا ؟

- ما الدّافع لأن يثقوا بك ؟ فأنا نفسي لا أعرف عنك الكثير... من أنتِ؟ وما قصتكِ..؟ولم تعيشين هنا؟ وما الهدف من مساعدتنا..

أجابته باستياء :
- قلت لك أنني مايا ....مايا وكفى... والباقي لا داعي لأن تعرفه, أظن أنه يكفي أنني انتشلتك من بين براثن الموت لتثق بي.. كان بإمكاني تركك فريسة لهم..

- حسناً ...أنت محقة..سأتكفل بالأمر

٭٭٭٭


بعد أيام..

- يقولون أنهم مستعدون لمساندتنا , ولكنهم قلقون, الأمر ليس سهلاً ..

- لا داعي للقلق.. غايتنا نبيلة..سننتصر عليهم..

- ماهو هدفنا؟

- القضاء على الحاكم...رأس الأفعى

- لابد أنك تمزحين! نحن مجموعة صغيرة, وعتادنا بسيط كيف لنا هزيمة جيش الحاكم والوصول إليه, هذا مستحيل..
سكت قليلاً وأضاف :
- ولا تنسي أن البلاد ستعمها الفوضى , فليس الجميع من مناهضيه , هناك أتباع كثر له..

-أولاً لا شيء مستحيل بالنسبة لي , ثانياً بالحيلة نستطيع الوصول إلى داخل القصر والباقي يأتي تباعاً..
أما قولك أن البلاد ستعمها الفوضى, فاطمئن ودع الأمر لي..


- وكيف سنستطيع الدخول إلى هناك ؟ إنه محصن ..

- هذا هو الخطأ الذي كنت أتكلم عنه..أجابت بثقة

قريباً سيقام احتفال كبير بمناسبةِ تنصيب ولي للعهد, تلك فرصتنا لنتسلل إلى داخله..بالعادة وأثناء الاحتفالات يقومون بزيادة عدد الخدم في القصر وأنا وأنت وماريا سنكون منهم .. أما الباقون سيتوزعون بالقرب من القصر وأدوارهم ستأتي في وقتها...

- لكن سيعرفوننا..

-ليس إن تنكرنا جيداً ..

مرت أيام عديدة والتحضير للخطة يسير كما يجب, كانت اجتماعاتهم تقام في وسط الغابة , بضعة شبان إضافة إلى مايا وماريا..

قالت مايا :

- أيام الملك الرّاحل كانت المملكة من أغنى الممالك, يعيش شعبها برخاء وسِعة ولا أثر فيها لمتسول أو محتاج..كان الجميع يعمل والجميع يكسب..

مع وفاة الملك وتسلم وزيره الظّالم المنصب خلفاً له...فَجر على الناس وتجبر.. وأصبح طموحه ملء الخزينة على أكتاف الشعب التي يبدد أموالها على أهوائه وملذاته, و بسبب سوء تسييره للبلاد انتشرت الحاجة والفاقة بين العباد, وتحول ما بناه سلفه بعقود إلى خراب ببضع سنين..

- كلنا نعرف هذا ولكن السؤال الذي حيّر الجميع، كيف مات ولي عهد الملك السابق؟....تساءل ماركوس

- قال آخر: يقال أن الوزير قام بقتله..ثم أشاعوا بين الناس خبر موته مرضاً .. كان غلاماً وقتها, لذا سهل عليهم الفتك به...

ونطق ثالث: تسري بعض الشائعات أنه مازال حياً , ولكن هناك بعض المخلصين للحاكم السابق قاموا بتهريبه قبل أن يقتل...

وهنا صاحت بأعلى صوتها والغضب يعتريها قائلة:
- كفى نقاشاً بهذا الأمر,ماتَ أو لم يمت ليست قضيتنا الآن...

سكتت قليلاً الى أن زايل الكدر محياها ثم أضافت:
- الاحتفال سيقام بعد أيام.. إليكم ما علينا فعله...


٭٭٭٭

لبست مايا لباس الخادمات ما أوضح ملامح وجهها كأنثى أكثر, لم تكن فائقة الجمال... شابة حادّة القسمات, ذات شعر بني قصير, وطول فارع لم يناسبه ما ترتديه...تصلح كمحارب أكثرَ منها فتاة.. عكس ماريا التي كانت طاغية عليها ملامح الأنوثة والجاذبية والجمال رغم لباسها البسيط..

- ماركوس: إن الجميع مستعد..

- تبدو كالمتشرد بشعرك الأشعث ولباسك البالي..علّقت ماريا بضحكة خفيفة..

خالجه إحساس غريب ساعتها, لم يدرِ ماهيته, كل ما فهمه أن قلبه يدق بسرعة فأجابها بعفوية :
- وأنت تبدين بغاية الجمال...

مررت مايا عينيها بين الإثنين ثم قالت بحنق:
- هيا بنا...



أمام البوابة وقف الثلاثة بصف التفتيش, كان الحراس يفتشون الجميع دون استثناء..

- يمكنكم المرور..قال أحد الجنود بعد أن تحقق من أمرهم..

همّ ماركوس والفتاتان بالمرور عندما علا صوت الحارس قائلاً :
-أنت.. انتظر

نظر ماركوس خلفه ليتحقق من أنه يخاطبه فإذا بالحارس يتفحصه بنظرات ثاقبة ثم يسأله :
-أظن بأنني رأيتك من قبل..

دبّ الذعر في قلب ماركوس ولم يقوَ على الإجابة ,ولكنه تمالك نفسه بصعوبة فأجاب مصطنعاً الثقة :

- أجل يا سيدي, فأنا آتي بالعادة إلى هنا كلما كانت هنالك مناسبة لأعمل وأجني القليل من المال...

رمقه بنظرات ارتياب ثم قال:

- حسناً ..يمكنكم الذهاب...

بعد أن تجاوز الحراس وابتعد قليلاً تنفس الصعداء والتفت لمايا التي قالت له :
- كدنا نكشف..أحسنت صنعاً ,والآن..


ستكون مهمتك إعداد الشراب وتقديمه,حاول الحصول على هذا العمل لتقصي الأخبار,أما أنا سأقوم بالتنظيف والمراقبة فيم تكون ماريا مع الطباخات بالمطبخ...


- حسناً .. وبعد
- بالطبع لن نسمّمه.. فهم يجبرون الجميع على تذوق الأكل والشرب قبل تقديمه... سأجد طريقة أخرى, المهم أننا بداخل القصر..

٭٭٭٭

مرّ اليوم الأول بسلام , حيث اعتاد ماركوس نوعاً ما على مداخل ومخارج القصر, واكتشف بعض الزوايا الخفية التي من الممكن اللّجوء اليها ساعة الطوارئ, كما وجد منفذاً يؤدي إلى خارج القصر مروراً بحديقته الخلفية..

أما مايا فأثناء جولتها للتنظيف بالقرب من جناح الحاكم وجدت أخيراً ما كانت تبحث عنه..

ماريا التزمت المطبخ تنفيذاً لأوامر مايا التي منعتها من أي حركة تثير الشبهات..

وباليوم التالي بينما كانت تنظف وتراقب كعادتها فاجأها قائلاً :
- عرفت سرّك الآن..

نظرت خلفها وإذا هو ماركوس يحادثها

- أحمق..كدت أموت رعباً 

- ومنذ متى يعرف قلبك الخوف؟..سألها باستغراب هازئ

- الوضع مختلف الآن... بسرعة قل ماذا هناك

-قلت لكِ...عرفت سرك الذي تخفينه

- عن أي سر تتحدث ؟..هل شربت شيئاً ممّ تسقي؟..أجابته بسخرية يشوبها الحذر

-لا.. أنا بكامل رشدي... سمعت معاونا الحاكم يتحدثان...

سألت متوجسة
- وماذا قالا..؟

- كان أحد الخدم سيقدم لهما الشراب .. ولكني أقنعته بأن يسمح لي بذلك..كانا يتحدثان وعندما وصلت صمتا..فقررت أن أتجسس عليهما عند خروجي..وعرفت بالأمر...

- أي أمر؟

-أن ولي العهد السابق الذي زعموا أنه قُتل لم يُقتل.. وأنهم يبحثون عنه منذ سنوات.. ولم يعثروا له على أثر..

- وما دخلي بالأمر ؟

- كل المؤشرات تدل على أنكِ هو......أو لأقل هي....”وريثة العرش“.. فخلَف الملك لم يكن سوى فتاة..وهم خائفون من ظهورها هذه الأيام فـ.....

هتفت مقاطعة إياه والذعر يسيطر عليها:

- أين هي ماريا ؟

- في المطبخ كالعادة..لماذا؟

- أيها الغبي...إنها بخطر شديد..اتبعني

ركضا مسرعين إلى الطابق الأرضي حيث يوجد المطبخ, بحثا عنها كثيراً ولم يجداها..

بصوت لاهث متقطع الأنفاس سألها:
-لابد من أنها بالجوار..لمَ تبحثين عنها ؟ ولِماذا هي بخطر؟

قالت بمرارة :
- لأنها هي...ابنة الملك السابق

فغر فاه من الذهول وقال :
- يا إلهي.. هل أنت جادة..؟

- ليس وقت الجدال الآن علينا إيجادها..


بحثا بالعديد من الأماكن... وبعد أن أوشك اليأس أن يتسلّل إلى قلبيهما إذا بمايا تهتف قائلة:
-أظنني أعرف مكانها..


٭٭٭٭

وجدَتها بالحديقة الخلفية للقصر , كانت تجلس بمحاذاة حوض صغير من الازهار ودموعها تنساب على خديها....
قالت بأسى :
- كنت ألعب هنا ...كان مكاني المفضل...

-مرّ دهر طويل ظننت أنك نسيتي..

- لا يمكن نسيان ما حصل,أشعر بألم فظيع هنا....وأشارت الى صدرها..وتابعت : كل الذكريات تمر أمامي وكأنها حصلت بالأمس..

- صدقيني سآخذ بثأرك وثأر والديكِ...لقد وعدتك ولن أخلف وعدي..

- هلّا شرح أحد لي ما يحدث ؟ سأل ماركوس..

- لنذهب أولاً من هنا فالمكان مكشوف...


٭٭٭٭٭


داخل أحد المخازن المهجورة بالقصر..


- قالت مايا:
منذ سنين خلت وضعت الملكة مولودها و كانت أنثى, في تلك الأثناء كان عرش الملك تحت التهديد من قِبل الوزير وثلة الشر الذين تبعوه من الأشراف والأغنياء من الطبقة العليا بالبلاد.. فقرر الملك ولحماية ابنته وبالتعاون مع المقربين منه أن يخفوا حقيقة أنها فتاة وأذاعوا خبر ولادة ولي العهد ..

صمتت قليلاً ثم استرسلت بكلامها:

لم يستسلم الوزير ومن معه فحاكوا المؤامرات ودبروا المكائد إلى أن قضوا على حياة الملكة ومِن بعدها الملك.. ولأن سن الوليّ لا يمكِّنه من الحكم عُين الوزير كحاكم مؤقت ,وبعد استلامه للسُّلطة ببضع سنوات حاول خلالها أن يتخلص منها مراراً لولا بضع من الحماة المخلصِين لوالدها... اكتشف بأنها فتاة فكانت مهمتي تهريبها وحمايتها من بطشه,ولذلك أنا مطلوبة فإن وجدوني فذلك موتها..

- يا له من وغد ماكر.. ولمَ لم يعلن للملأ أنها ليست بذكر.. كان سيكسِب تأييداً شعبياً أكثر..

- كان سيفتح على نفسه أبواباً في غنى عنها, كان قتلها هو الأنسب له... ضِف إلى ذلك أن النّاس كانت تمقته.. سيتخذون وجودها ذريعة للخلاص من شرّه..

حملق فيها قليلاً ثم سألها بنبرة شك قائلاً :
- ومن تكونين أنتِ ؟ ولمَ جعلتها خادمةً لك؟

- لم تجعلني خادمة...
صاحت ماريا بعد سماعها لتلك الكلمات قائلة :
كانت تفعل ذلك أمام الغرباء لدرءِ الشبهات عني..ثم رقرقت عيناها بالدموع وأردفت :
- إنها مايا حاميتي... من تخلت عن حياتها لأجلي , ابنة وصيفة أمي المقربة, كانت لا تكبرني سوى ببضع سنين حينما عهدت إليها والدتها قبل قتلها بالحفاظ على حياتي وسلمتني إياها أمانة..أفنت عمرها لحمايتها

وانتابتها نوبة من النحيب الطويل.. وتوجهت بكلامها لمايا: آسفة..لقد ماتت بسببي

- لا.. ليس بسببك... وضمتها الى صدرها وغمغمت قائلةً :

أقسم لكِ أنني سأعيد إليك ما سُلب منكِ وأنتقم منهم شر انتقام...


- وما العمل الآن؟...تساءل ماركوس

-لن نقتله غدراً ...سنواجهه ,على الشعب أن يعلم بم حصل... قتله يعني أنه سيكون ضحية ولكن تجب محاسبته كمجرمٍ والقصاص منه..
قم الليلة بالتسلل إلى خارج القصر وأخبر البقية بما سأخبركَ به الآن...


٭٭٭٭

قبل الإحتفال بيومين انتشرت أخبار بالمملكة أن وليّ العهد السابق على قيد الحياة..وأنه قادم لاستلام عرشه..
أنباء طرب لها الشعب فرحاً وهو يرى بوادر الفكَاك ممن ذاقوا الويلات بسببه تلوح من بعيد..

وداخل القصر ..

الحاكم: كيف تسربت تلك الأخبار؟ سأل محاولاً كبح جماح غضبه من مستشاريه وأضاف :
-ألم أخبركم أن تجدوا لي تلك الفتاة؟...لا يعقل أن أعتى فرسان القصر فشلوا في العثور على شبيهة الفتيان تلك

أجاب أحد الحاضرين قائلاً :
- إنها ماكرة وداهية كبيرة...كلّما ظننا أننا وجدنا مكانها حتى تختفي وتتلاشى دون ترك أيّ أثر..

رمى بكأس الشراب الذي كان بيده إلى الأرض ضربة قوية حتى تهشم ثم صرخ محذراً :

-لم يبق على تقليد ولي عهدي سوى يومين, أنا واثق أنها ستظهر وقتها.. احرصوا على إيجادها والقضاء عليها قبل أن تُفشِل مآربي بإحكام سيطرتي ومن بعدي على المملكة.... وإلاّ صدقوني لن ينجو منكم أحد..



داخل إحدى زوايا القصر...

- خطتنا بدأت تأتي بثمارها وماذا بعد...؟
سأل ماركوس مايا..

- عليك الحفاظ على سلامة ماريا.. راقبها جيداً ...واحمها ما استطعت.. ولا تقلق فهي تستطيع تدبر أمورها وقت الضرورة.. وخذ هذا

وأعطته صندوقاً صغيراً فأخذه متسائلاً :
- وما هذا ؟

- يحوي الدليلَ على أن ماريا ابنة الحاكم.. لا تفتحه إلا عندما يحين الوقت المناسب....
والآن حان وقت وضع حدٍ لكل هذا...


٭٭٭٭

في الساحة الرئيسية للبلاد أقيم حفل تنصيب الوريث كعادة الاحتفالات الرسمية التي تقام هناك ، حيث يشهد الشعب على قَسَم حاكمهم القادم بخدمة بلاده وعبادها..
فبعد أن عجز أتباع الحاكم من العثور على ضالتهم كثفوا الحراسة حول الأسرة الحاكمة بمزيد من الفرسان.  ووضعوا حاجزا بينهم وبين سكان البلاد..تجنباً لأي محاولات انتفاض أو شغب..

كان الجميع في تخوف وترقب..أما الحاكم فكان يسعى لإتمام المراسم بأسرع وقت ممكن..

ومع اقتراب تنصيب الوريث رسمياً انطلق من بين الحراس فارس وقفز قفزة واحدة إلى منصة التتويج وأمسك بيد الحاكم وبحركة خاطفة كان سيفه تحت عنقه.. ثم صاحت بالحراس قائلةً :
-إن اقتربَ أحد صدّقوني سأقتله...

- الحاكم : من تكون ؟

بتهكم وسخرية أجابته :

مايا.. الكابوس الذي أرّقك لسنين...

- جنودي قريبون من هنا... أنتِ هالكة حتى لو قتلتني

- هذا إن استطاعوا الوصول إلى هنا.. لستَ الوحيد الذي تملك أتباعاً ..


عكس ما كان متوقعاً لم يحدث الناس أي اضطراب أو تململ بل اكتفوا بالمراقبة....

- ماركوس... صاحت مايا

واذا به يقبل من الخلف ومعه ماريا...

-هل جلبت الصندوق ؟

وأمام أشراف المملكة والسّادة من تابعي الملك ومناهضيه فتح ماركوس الصندوق فإذا هو وسم ذهبي صغير على شكل سيفين متصالبين...

صاح أحدهم: إنه وسم المَلَكية المفقود..

وهتف آخر: إنه لِسلالة الملك السابق..كيف حصلتَ عليه..؟
وهنا كشفت ماريا عن ذراعها فاذا بها موسومة به..

- ابنة الملك والوريثة الأحق لعرش المملكة...

صاحت مايا بأعلى صوتها وتابعت :
حاول قتلها كما قتل والديهَا من قبل.. فواريتها عنه حتى تبلغ مبلغا من العمر تستطيع أن تدير به شؤون شعبها ، لقد عانى الناس كثيراً من الظلم والقهر .. ولذلك قررت أن أحقن الدماء.. وأتركه لكم لتحاكموه محاكمة عادلة..

لم يعترض أحد على كلامها.. ونكس بعض السادة رؤوسهم خجلاً .. فيم أقرّ البقية جميعاً بمشروعية الحكم للأميرة ماريا مم جعل الشعب يهتف فرحاً بخلاصهم من يد الغاشم التي قبضت على أنفاسهم لسنين...

- خذي هذا أيتها الحثالة...
بصوت عالٍ يملؤه الحقد والغضب قالها وهو يغرز خنجراً بظهر مايا...
فسقطت سقطة واحدةً..تركت على إثرها الحاكم يفلت من يديها محاولاً الفرار ..غير أن الحراس الذين أعلنوا ولائهم للأميرة قبضوا عليه وعلى نجله الذي طعنها غدراً ..

دوت صرخة عالية لماريا ثم هرعت راكضة إليها مع ماركوس.. وحملت رأسها برفق وصاحت :
لا... هذا ليس عدلاً.. ليس بعد كل ما مررنا به..لا يمكنني المضيّ من دونك...وأجهشت ببكاء مرير..

-أكملتُ واجبي يا عزيزتي...دعيني أرحل بسلام

ونظرت لماركوس الذي دمعت عيناه حزناً عليها نظراتٍ ذات مغزى... ثم أغمضت عينيها منبسطة الأسارير تعلو شفتيها ابتسامة رضا .



★النهاية★

 

تاريخ النشر : 2018-03-22

تم تحرير ونشر هذا المقال بواسطة : نوار
شارك برأيك ..ورجاءا التزم بادب الحوار. جميع التعليقات المخالفة لقوانين الموقع لن تنشر