الموقع غير مناسب لصغار السن ويمكن أن يسبب القلق والكوابيس

كيف تنجو لو سقطت من طائرة بدون مظلة؟

بقلم : اياد العطار
للتواصل : [email protected]

النجاة من السقوط من ارتفاعات شاهقة ممكن
النجاة من السقوط من ارتفاعات شاهقة ممكن

أظن العنوان غريب بعض الشيء – ربما غبي أيضا – لأن النجاة من سقوط حر ، بدون مظلة ، من على متن طائرة محلقة على ارتفاع 10 آلاف قدم مثلا .. هو المحال بعينه ، لا بل هو وصفة مؤكدة للموت المحتوم .. أللهم إلا في أفلام جيمس بوند وتوم كروز وقصص الأبطال الخارقين ..

لكن فيسنا فولوفيتش (Vesna Vulović) لم تكن بطلة خارقة ولا ممثلة في فيلم سينمائي، بل كانت مضيفة طيران شابة ذات عود رفيع وقوام رشيق ، سقطت ، عام 1972 ، من طائرة تحلق على ارتفاع 33000 قدم ، و نجت من الموت! ..

لكن كيف نجت من هكذا سقطة؟ .. لا أحد يعلم .. حتى هي لا تعلم! .. لأنها فقدت وعيها فور حدوث الانفجار على متن الطائرة اليوغسلافية التي كانت تعمل مضيفة فيها ولم تستيفظ مرة اخرى إلا على سرير المستشفى .. خبراء الحوادث الجوية يقولون ان فيسنا ربما نجت لأنها علقت مع عربة الطعام في جزء من الطائرة سقط على الاشجار مما خفف من وقع الصدمة ..

هي نفسها لا تعلم كيف نجت من الموت

فيسنا نفسها تقول بأنها ظلت تفكر بالامر لسنوات طويلة حتى ادركت بالنهاية أن التفسير الوحيد لنجاتها هو ارادة ومشيئة الله .. ولذلك تحولت من ملحدة الى امرأة متدينة.  

ولكي نكون منصفين وواقعيين يجب أن نقول بأن فيسنا لم تسقط من هذا العلو الشاهق لتقوم بعدها ببساطة فتنفض التراب عن تنورتها ثم تستقل سيارة اجرة عائدة الى منزلها! .. طبعا لا .. سقوطها الفريد من نوعه تسبب بكسور ورضوض في الجمجمة والساقين والاضلع والحوض الخ .. وتطلب الرقاد في المستشفى لعدة اشهر ، لكنها بالنهاية نجت وتعافت واستأنفت حياتها ، وكذلك عملها كمضيفة طيران ، ومازالت حتى يومنا هذا تحمل الرقم القياسي في موسوعة جينيتس في النجاة من أعلى سقوط حر بدون مظلة سجله البشر.

هناك قصص عديدة أخرى عن اشخاص نجوا من حوادث الطائرات ، لكن بما اننا نتحدث عن السقوط الحر ، أي تماما كما في الأفلام السينمائية حيث يقفز الممثل من الطائرة بدون مظلة ، لذلك سنأخذ قصة الطيار الانجليزي نيكولاس الكمادي (Nicholas Alkemade) كمثال أكثر دقة..

نيكولاس قفز من الطائرة المحترقة بدون مظلة

ذات ليلة من عام 1944 كان نيكولاس عائدا على متن قاصفة انجليزية من غارة جوية على برلين ، كانت القاصفة ماتزال فوق الأراضي الالمانية عندما طوردت من قبل المقاتلات الالمانية واصيبت اصابة قاتلة فأشتعلت النيران فيها ، وأثناء مكافحة الحريق على متن القاصفة شبت النار في مظلة نيكولاس ، فغدت آمال نجاته معدومة ، لكن نيكولاس لم يرد أن يموت حرقا ، لذا قرر أن يقفز من الطائرة بدون مظلة على أية حال ، من على أرتفاع 18000 قدم .. طبعا من الناحية العملية والعلمية لم تكن لديه أي فرصة للنجاة .. لكن شائت ارادة الله أن يكون سقوطه فوق بعض اشجار الصنوبر ليتدحرج على اغصانها ثم يقع على أرض مكسوة بالثلوج .. وهكذا نجا من موت محقق ، والعجيب أنه لم يصب بكسور ، مجرد التواء بسيط في القدم! ..

لاحقا حين ألقى الالمان القبض على نيكولاس لم يستطيعوا تصديق قصته عن هبوطه الحر بدون مظلة ، حتى عثروا على حطام الطائرة في اليوم التالي فتأكدوا من صحة كلامه.

ايفان فقد وعيه اثناء هبوطه

قد يكون نيكولاس محظوظا ، لكن هناك من هو أكثر حظا منه ، وهو الطيار السوفيتي إيفان تشيسوف الذي كان هو أيضا على متن قاصفة مع زميل له أواخر عام 1942 عندما هاجمتهم المقاتلات الالمانية مما اضطرهم الى قذف انفسهم خارج القاصفة ، وقد تسرع ايفان في قذف نفسه من على ارتفاع 23000 قدم – 7000 متر - ، بينما انتظر زميله حتى وصلت الطائرة الى ارتفاع 5000 قدم ليقذف نفسه ثم فتح المظلة ونجى .. وقد خشي ايفان أنه لو فتح المظلة على هذا الارتفاع الشاهق فسيكون صيدا سهلا للمضادات الجوية الالمانية ، لذلك قرر أن ينتظر حتى يصبح على ارتفاع 6000 قدم ثم يفتح مظلته ، لكنه ولسوء الحظ فقد وعيه اثناء رحلة السقوط الطويلة ، فهوى إلى الأرض بسرعة 220 كيلومتر بالساعة من دون أن يفتح المظلة .. وحدث سقوطه امام انظار القوات السوفيتة التي كانت قريبة ، حيث رأوه يرتطم ثم يتدحرج على سفح أحد الاودية ، وكان السفح مغطى بالثلوج ، فركض الجنود إليه وهم موقنين من موته ، لكن لشدة دهشتهم كان ايفان حيا ، لقد تعرض لعدة كسور لكنه نجا ، وعاش لسنوات طويلة بعدها ليروي قصته العجيبة.

كما ترى عزيزي القارئ من الامثلة التي سقناها لك .. فأن النجاة من سقوط حر من طائرة ممكن ، صحيح أن نسبة النجاة ضئيلة .. لكنه ممكن على كل حال ..

طبعا أنا لا أتمنى للقراء الأعزاء أو لنفسي تجربة هكذا سقوط حر من طائرة بدون مظلة , بالنسبة لي لا أتمنى ذلك حتى مع وجود مظلة , لكن لو سامح الله وحدث شيء من هذا القبيل , كأن تتعرض الطائرة التي تقلك لحادثة فتتحطم في الجو أو تضطر للقفز منها للتخلص من حريق أو هجوم ما .. فما الذي عليك فعله في هذه الحالة للنجاة ؟.

تخيل بأنك تسقط من طائرة على علو 12000 قدم , أي تقريبا نفس الارتفاع الذي يقفز منه معظم رياضيو القفز بالمظلات , مع فارق مهم , هو أنك تقفز من دون مظلة , هاويا نحو الأرض بسرعة 120 ميل أو أكثر – حسب حجمك وتحكمك بجسدك - , فماذا عليك فعله الآن لكي تنجو ؟ ..

بحسب المعلومات التي جمعتها من النت ، فأن عليك أولا أن تمد رجليك وتبسط ذراعيك ، أي تفتحهما كالاجنحة ، وذلك لكي تستطيع التحكم والمناورة وتغيير وضعية جسدك في الجو , وعليك أن ترفع صدرك وتثني ظهرك بحيث يكون شكل جسدك مقوسا , تماما كما يفعل المظليين , لأن هذه الوضعية ستمنحك المزيد من الوقت وستتيح لك الاستدارة للبحث عن مكان مناسب للهبوط . طبعا لن تكون أمامك ساعات لكي تناور وتفكر براحتك ، عليك أن تتخذ قرراتك بسرعة لأنك لا تملك أكثر من دقيقة واحدة قبل ان ترتطم بالأرض , وعليه يجب أن تستغل كل ثانية منها للعثور على البقعة المناسبة لهبوطك ..

عن ماذا يجب أن نبحث ؟ ..

ربما تظن بأن الماء هو الخيار الأمثل, لكنك مخطأ تماما , فالسقوط في الماء بسرعة 120 ميلا في الساعة سيقتلك لا محالة, لأن السقوط بهكذا سرعة فوق سطح الماء هو أشبه بالسقوط على خرسانة مسلحة , الماء سيفيدك فقط في حالة السقوط من ارتفاع منخفض , كأن تسقط من طائرة على ارتفاع مئة متر.

طيب إذا نحينا الماء جانبا فعن ماذا يجب أن نبحث ؟ ..

عن شيء يجمع بين الليونة والصلابة في آن واحد , كالأحراش وأغصان الأشجار , الثلج العميق , المستنقعات , كثبان الرمل , الأسطح القماشية والبلاستيكية التي تغطي بعض المباني العامة , والتلال أيضا ستكون جيدة لو استطعت أن تهبط فوق سفحها بزواية منحرفة بحيث تستطيع التدحرج فوقها ..

وبعد أن تحدد البقعة المناسبة عليك أن تتوجه صوبها وأن تحسب زاوية هبوطك بدقة كبيرة , وتذكر حين تقترب من الأرض عليك أن تعدل من وضعية جسمك , أرفع صدرك لزيادة مقاومة الهواء كما يفعل ربان الطائرة عند الهبوط , واحرص على أن تكون قدميك هي أول ما يضرب الأرض , وأن يكون رأسك هو آخر ما يصل الأرض , عليك حماية الرأس لو أردت النجاة .. وهناك فعلا فرصة في أن تنجو , لكن طبعا ليس من دون بضعة عظام وفقرات مكسورة.

هل رأيت .. ما أسهل الأمر! ..

أظنك ستسخر مني الآن ، ومعك حق ، أنا نفسي غير مقتنع بهذا "الهراء" .. لأني تخيلت نفسي أسقط من طائرة بدون مظلة وكان يجب علي ، خلال ثواني فقط ، أن أتعلم جميع فنون الطيران الحر التي يمضي المظليون ساعات طيران طويلة لتعلمها .. أفرد يدي وأقوس جسدي وأبدأ بالدوران في الهواء كالصقر باحثا عن البقعة المناسبة للهبوط .. وحين أجد تلك بقعة أتوجه نحوها وأحط عليها بدقة الصاروخ ، وقبل أن أصل بلحظات سأتحول إلى سوبرمان فأرفع صدري واحني ظهري وأدفع رجلي للأمام وأنزل بزواية دقيقة جدا بحيث أتدحرج على سفح التل نزولا إلى الأسفل ثم أقوم فأنفض التراب عن ملابسي وأشعل سيجارة وأتصل بصديقي لكي يأتي ويقلني بسيارته إلى المنزل!! ..

يبقى الكلام اسهل من الفعل

في الواقع لا أرى هذا ممكنا ، أظن بأن الارتباك والخوف سيأخذ من المرء كل مأخذ فيعجز عن التفكير والسيطرة خلال فترة سقوطه القصيرة ، وحتى لو فرضنا جدلا بأنه سيطر على نفسه وطبق هذه التعليمات المعقدة ، تبقى فرصة نجاته ضئيلة .. لكن ليست مستحيلة بما أن هناك اناس سقطوا فعلا من هكذا ارتفاعات شاهقة ونجوا ..

المصادر :

- Somehow Vesna Vulović Survived The Fall
- Nicholas Alkemade - Wikipedia
- Ivan Chisov - Wikipedia
- 10 Amazing Free Fall Survivors
- How To Survive A 10,000-Foot Fall

تاريخ النشر : 2020-02-22

تم تحرير ونشر هذا المقال بواسطة : kab5bos
شارك برأيك ..ورجاءا التزم بادب الحوار. جميع التعليقات المخالفة لقوانين الموقع لن تنشر