الموقع غير ملائم للأطفال وقد يسبب القلق والكوابيس
القسم : أدب الرعب والعام

الآن أفهم ... همسات من البعد الآخر

بقلم : كوثر الحماني - المغرب

جسدي الآن ينقبض من شدة الألم ، و الرؤية أصبحت مشوشة
جسدي الآن ينقبض من شدة الألم ، و الرؤية أصبحت مشوشة


صوت الرعد المدوي ، كان كفيلاً بانتشالي من سباتي العميق ، لا أدري كم لبثت ؟ المهم أني استيقظت ، ظلام دامس يعم المكان ، و يحجب الرؤية ،  و برودة الجو جمدت حبات العرق التي تكونت على جبيني.

 ناديت بصوت بدا عليه التعب ، هل من أحداً هنا؟ أين أنا ؟ نهضت من المكان الذي كنت أرقد به ، حاولت تحسس الأرض بقدمي ، تقدمت بضع خطوات إلى أن أحسست بالدوار يجتاحني ، يبدو أن جسدي لم يستعد توازنه بعد ، لكن هذا لم يمنعني من المواصلة ، صوت و قور و جامد تخلل إلى مسامعي و زعزع كياني .

- عد إلى مكانك ، ليس من حقك أن تتقدم أكثر.
- ( متفاجئاً ) أين أنا ، أرجوك أجبني؟ ثم من أنت؟ هل هذه مستشفى ؟ (أردف الرجل بامتعاض ملحوظ) :

- ما الذي تقوله يا هذا ؟ ليس من حقك أن تسأل شيئاً ، و ليس من واجبنا أن نجيب  ، أنت غريب عنا ، ألتزم الصمت و عد إلى مكانك.
- (بدهشة) أنت تتكلم بصيغة الجمع ! إذن نحن لسنا الوحيدين في هذا المكان ، حسناً ، أسمع أيها السيد ، أنا لا أنوي شراً ، أنا فقط أريد استفسارات .

خيم الهدوء بضع لحظات إلا من همسات أشبه بالفحيح ، كسرت حاجز الصمت و نشرت شظاياه في هذا الفراغ المعتم ، انقطع الفحيح فجأة و حل محله صوت أمرأة عجوز .
- أتركه يتقدم إلينا يا سيد حامد ، دعه يأنس وحدته هو الأخر ، ثم إنني أريد أن أعرف كيف ساقت به الأقدار إلى هذا المكان ؟.

- (زمجر الرجل بصوته الحاد ) فضول النساء لا ينتهي ، ألا ترين الهالة السوداء التي تحيط به ؟ لقد جعلت من هذه الغرفة كتلة مظلمة ، أفعلي ما تجدينه مناسباً ، أما أنا فلا دخل لي.
- ( قالتها العجوز بصوت به لمسة دفئ ) تعالى يا ولدي انضم إلينا .

كنت أستمع إلى الحوار في تركيز، علي أن أستخلص منه معلومة مفيدة ، إلى أن انبثق من العدم ضوء وهاج كان أشبه بالمغناطيس ، إذ جذبني جذباً نحو ركن منزوي ، حيث وقفت أتأمل العجوزين ببلاهة ، حتى طلبا مني أن أجلس القرفصاء مثلهما ، كنت منشغلاً بتفحص ملامحهما الواجمة، الباردة ، لقد نحتت السنون على وجهيهما خطوطاً رفيعة ، كأنها تعلن أن حكاية الكهلين أضحت في الفصل الأخير ، انتزعني من شرودي صوت الرجل و هو يقول:
- هيا أخبرني و السيدة ريحانة كيف وصلت إلى هنا ؟.

- ( قلتها بسخط) أنا حقا لا أعلم  ... ثم ...ثم أين أنا ؟ أيعلم أحدكما ما هذا المكان ؟ (ردت السيدة ريحانة بثبات) :
- أنت في المستشفى يا ولدي ، لقد تم إنقاذك بأعجوبة ، أظن لدينا ما يكفي من الوقت لسماع حكايتك ، لكن لا تنسى النساء تحب التفاصيل.

كنت أحاول استيعاب ما يحدث ، و رحت ألملم بسرعة فتات ذاكرتي المتناثر في الأرجاء ، و التي يبدو أنها لم تذبل بعد ، إذ ما زالت قادرة على إشباع فضول العجوز ريحانة على الأقل.
الرؤية تتضح أمامي بسلاسة المشهد بات جاهزاً للعرض ، نسمات الهواء الباردة تداعب وجهي ، لكنها لم تستطع أن تخمد النار الموقدة في دماغي ، أراهن أنه سينفجر بعد لحظات ، كيف سأخرج من هذه الورطة ؟ لقد علم رئيسي بجميع الاختلاسات التي قمت بها ، تُرى ما هو مصيري الآن ؟ كنت أقود السيارة بسرعة جنونية ، يجب أن أكون في المطار خلال عشر دقائق ، أكيد أنه أبلغ الشرطة منذ زمن و هي في طريقها إلي ، هل كان الأمر حقاً يستحق ؟

كل هذا التشويش لم يمنعني من الاستمتاع بسيجارتي الصباحية ، حسناً أعترف أنني مدخن شره ، بات المشهد يسير ببطء الآن ربما لأن سيارتي ستنقلب بعد ثوان كوني فقدت السيطرة عليها ، أشعر بالأدرينالين يتدفق في جسدي ، نبضات قلبي و كذا أنفاسي تتسارع بشكل ملحوظ ، أظن أن عضلات جسمي قد اكتسبت الأن قوة لا بأس بها ، لكنها غير قادرة على إخراجي من هذه السيارة اللعينة التي أصبحت كومة خردة. سمعت يوماً شخصاً يقول : أن الوقت يمر ببطء عندما نراقب الساعة ، يبدو أن هذا البائس لم يجرب بطئه عندما يكون المرء منقاداً إلى هلاكه المحتوم.

جسدي الآن ينقبض من شدة الألم ، و الرؤية أصبحت مشوشة ، لا يهم أجزم أنني سأفقد الوعي بعد لحظات و ستتلاشى الآلام بعد حين .

(نظرت إلي السيدة ريحانة بثبات ثم أردفت) : لم تشبع فضولي يا فتى ، حكايتك حافية ، و عقيمة التفاصيل ، لكن على الأقل نعلم الآن لما جمجمتك تبدو مهشمة بهذا الشكل ، ربما لهذا لم يستطع أحد التعرف على جثتك .

- ( في دهشة) جثة!  أي جثة ؟ أنا لم أمت ...أنا حي أُرزق ، ثم أنت من قلتي أنني في المشفى ... أنهم انقذوني.
- (قالت العجوز بحدة) : و هل تظنني أكذب عليك يا فتى ؟ أنت في مستودع الأموات الخاص بمستشفى البلدة .

فيروس الصمت يحوم في الأفق مجدداً ، و نظرات السيد حامد تتفحصني بخبث و ترقب ، أو هكذا خُيّل لي ، فجأة أصبح كل شيء مبهماً ، ابتسامة ساخرة نقشت على شفتاي ، بينما العجوز ريحانة تربت على كتفي و تقول برفق : لا تقلق ، لقد تم إنقاذك من نفسك يا ولدي ... مرحباً بك في البُعد الآخر.


النهاية .......

تاريخ النشر : 2021-01-06

تم تحرير ونشر هذا المقال بواسطة : حسين سالم عبشل
انشر قصصك معنا
مزيد قصص
قصص ذات صلة
إبن الشيطان
أحمد محمود شرقاوي - مصر
الموت ألف مرة
Moaead Hl - سوريا
مُليكَة
عُلا النَصراب - مصر
قصص
من تجارب القراء الواقعية
عدم استقرار
ريحانة الجنة
انقلبت حياتي إلى جحيم
مروى - المغرب
هل هو جن أم أنس ؟
aziz - اسبانيا
كاد الشيطان أن يقتلهم
نسل الكرام - مصر
رجاءا التزم بادب الحوار. جميع التعليقات المخالفة لقوانين الموقع لن تنشر
emoje
emoje2
youtube
help
ضع رابط فيديو يوتيوب
  • التعليق مفتوح للجميع لا حاجة الى عضوية او ايميل
  • التعليقات تدقق ثم تنشر لذا قد يتأخر نشرها لبعض الوقت
  • التعليقات المستفزة والجارحة لن تنشر لذا لا تتعب نقسك بكتابتها
load
X اغلاق
رجاءا التزم بادب الحوار. جميع التعليقات المخالفة لقوانين الموقع لن تنشر
emoje
emoje
load
تعليقات و ردود (6)
2021-01-08 12:44:55
user
397385
6 -
محمد علي
القصة في العموم جيدة رغم أن هناك بعض الاخطاء
جعلت كلمة (واجبنا) دليلا على الجمع بينما هي في الحقيقة قد تكون غير ذلك إذ أنها تأتي للتعظيم أيضا
سألتِ من أنت حينما سمعت الصوت رغم أنك لا تعرفين المكان حتى فكيف تعرفين لمن يعود الصوت أهو لأنسان أم كائن آخر لذا كان السؤال الذي يجب أن يطرح هو. ما أنت ؟وليس من أنت؟
كان يجب أن تضيفي الحال في جملة كاملة وليس بين قوسين فبدل (متفاجئا) أين أنا
كان بإمكانك القول قلت في فجأءة أين أنا أو غير ذلك والسلام عليك
2021-01-07 10:54:08
user
397138
5 -
حطام(وفاء)
قصة جميلة.. أعجبتني..

تحياتي لك🙂
2021-01-07 06:14:11
user
397072
4 -
مي الشريف
حلوه
2021-01-07 00:46:07
user
397047
3 -
دنيا. الجزائر.
روعة👏🏻👏🏻👏🏻👏🏻👏🏻👏🏻😘🤩🤩🤩😘😍 (◠‿◕) أكملي.
أنصحك أن تنشريها في ديار النشر.
2021-01-06 14:54:09
user
396974
2 -
إبنة الجزائر
رائع واصلي
2021-01-06 14:09:17
user
396954
1 -
hussein ali
اسلوب رائع شعرت اني اشاهد فلم ما قليلا ما يراودني هذا الاحساس الرائع فالذي يحثه هو اسلوب نادر ان صح الاعتبار التوازن رائع بين التشويق ووصف الزمان وتمشيه الاحداث الا ان النهايه غير موفقه ان قصتك رائعه واتمنى انك لو تعمل عليها اكثر خصوصا النهايه حيث لا تعطي معني للقصه وليس بها اي نكهه اضافيه حاول ان تجعل هنالك ترابط بين العالمين اموات واحياء فماذا لو كانت هذه الاحداث مجرد حلم وبعد اسبوع تحدث ويحدث كل شي الا بعض التفاصيل المشوقه التي ترمي الى تطور الاحداث انا بالنسبه لي عندما احاول الكتابه استطيع ان اوصف لك معاناه الشخص وشعوره وفلسفته والامه وتأملاته واحزانه وكل الاشياء الشعوريه الا انني لا اعلم كيف امشي الحوار بشكل سلس كما لدي مشكله في وصف المكان وكيفيه خلق وتربيط الاحداث انا انظر للكتابه كهوايه واود ان اتقنها واقرأ عن اساليبها وطرقها وسيكون لمن الرائع عمل قصصي فعلى الرغم من متعته وراحته وحبي له الا انه يخلصني من العديد من الروتين المزعج للعمل الاعتيادي فيحقق لي ارباح مع اني لا احط امالي على هذا الشي لانه يبقى بعيد المنال ويحتاج الى بعض الحظ الا ان تعلم الكتابه هو شي ممتع بحد ذاته وعلى مااظن ان اسلوبي هو قصص قصيره اكثر منه الى الروائي فانا اركز على حاله الشخصيه وتطور حالتها الداخليه اكثر منه بمحيط الشخصيه
move
1
close