أدب الرعب والعام

الاتصال المرعب

بقلم : امل شانوحة – لبنان
للتواصل : [email protected]

الاتصال المرعب
أغمضت ندى عيناها و هي تجلس على الكرسي الهزاز

في مساء ذلك اليوم .. رنّ الهاتف , فرفعت ندى السمّاعة ..

و بادرها المتصل بالحديث (بنبرة تهديد) :

   –  أعلم إنك بمفردك في المنزل !!

   –  من المتكلّم ؟!

   –  أنا سعيد.. هل نسيتِ صوتي بهذه السرعة ؟

   –  آسفة ! لم اتذكّرك .. من انت ؟!

   –  ليس مهماً…المهم إنني قادم إليك لأنتقم منك .. و هذه المرّة , ستموتين شرّ موتة… يا عزيزتي ريما !!

 

فعرفت ندى على الفور , بأن المتصل قد اخطأ بالرقم .. فاظهرت عدم المبالاة , بالرغم من إن صوته يؤكّد جدية تهديده ..فقالت له :

   –  عفواً استاذ .. يبدو ان اخطأت بالرقم , فلا يوجد احدٌ هنا بهذا الإسم !

 

وعندما أنهت جملتها .. أحسّت من نبرة صوته , بإنه إرتبك و غصّ في الكلام .. و سمعته يقول بصوتٍ منخفض (و كأنه يحدّث نفسه)

– اوه ! يبدو إنني ضربت الرقم الأخير غلط .. كان عليّ أن أضرب الرقم ثلاثة..

 

 ثم رفع صوته و قال , و هو يصطنع خفّة الدم :

– آه آسف .. يبدو إنني بالفعل , أخطأت بالرقم .. لكن أرجوك لا تأخذي كلامي محمل الجدّ , فقد ظننتك زوجتي ..و كنت أريد أن أعرف ردّة فعلها تجاه الصدمات ليس الاّ.. كما إنه …أقصد كما إننا في ابريل … فهي كذبة ابريل..

 

و صار يضحك بغباء

 

لكن محاولته لتدارك الموقف , كانت فاشلة بالنسبة لفطنة و ذكاء ندى ..كما أنهم كانوا بشهر مارس و ليس ابريل … و مع هذا جارته بغباء , و بادرته ضاحكة :

   –  لا بأس !! لكن حاول ان تُخفّف من قوّة المقلب .. فكلامك يا أخي كاد يقتلني رعباً !

   –  انا اعتذر ثانيةً .. لم أقصد إخافتك

   –  لا يهم استاذ .. مع السلامة

 

لكن تلك المحادثة علقت بذهن ندى ..فكلامه كان واضحاً , و نبرة صوته تؤكد تصميمه على إرتكاب جريمة بحق ريما .. لذلك خطرت على بالها فكرة ذكية : لما لا تضرب رقم هاتفها , بعد أن تغير الرقم الأخير إلى الرقم ..و قالت :

– ماذا كان يا ربي ؟ آه نعم تذكّرت !! الرقم ثلاثة .. حسناً لأجرّب

 

و بالفعل !! ما أن فعلت هذا , حتى ردّت عليها إمرأة (بصوتها الناعم) قائلة :

   –  الو !!

   –  عفواً.. هل أستطيع أن أتكلم مع السيدة ريما ؟ لو سمحت

   –  أنا هي .. فمن انت ؟

   –  أنا ندى .. و حضرتك لا تعرفيني .. لكني أريد ان اسألك : هل أنت لوحدك في المنزل ؟

   –  عفواً !!

   –  أرجوكِ أجيبي على السؤال , لأنه يبدو إن الأمر خطير

   –  نعم أنا لوحدي ..فلماذا تسألين ؟

   –  و هل تعرفين شخصاً , يُدعى سعيد ؟

   –  نعم ..هو طليقي

   –  و هل هو من النوع القاسي ؟

   –  بل قولي : وحش !! … ما الموضوع ؟

 

و من جوابها الأخير ..عرفت ندى إن الأمر لم يكن مجرد مزاح , بل هو كما توقعت تماماً : امراً في غاية الخطورة… و هنا صارت نبرة ندى اكثر جدّية , و قالت بصيغة الأمر :

– ريما اهربي بسرعة !! فسعيد قادمٌ لقتلك !

 

و لم تدري ندى اذا كانت تسرّعت بقولها , لكن جواب ريما أراحها بقدر            ما أخافها .. حين قالت (ريما) :

– سيفعلها إذاً ! فقد هدّدني أكثر من مرّة , و لم أتصوّر إنه سيُقدم على فعلها يوماً .. لكن لحظة ! كيف عرفتِ أنت ؟!

–  ريما !! لا يوجد مُتسعٌ من الوقت .. هيا إهربي فوراً !! و من الأفضل أن تتصلي بالشرطة

–  حسناً سأهرب حالاً !! و شكراً لك

 

وضعت ندى السمّاعة عن أغرب مكالمة سمعتها في حياتها .. وما أن أغلقت الهاتف , حتى تضاربت المئات من الأفكار في ذهنها ..

 

و قالت في نفسها :

– يا الهي ! لابد إنه وصل إليها الآن ..هل ستتمكن يا ترى من الهرب ؟ و هل ستصل الشرطة قبل فوات الأوان ؟

و بعد أن أتعبها التفكير , جلست و بدأت تفكّر .. و كان قد مرّ على تلك المحادثة , نصف ساعة حسبتها دهراً … و صارت ندى تفكّر بسرّ اهتمامها بهذا الموضوع .. هل لأن صوت ريما الرقيق المرتجف , جعلها تتوهم بأنها تعرفها منذ زمن بعيد ؟! أو ربما لأنها تعاطفت معها , لأن قصتها (ريما) تتشابه الى حدٍ ما , مع قضية قديمة مرّت بها ؟

و صارت الذكريات تعود لندى عن اليوم الذي ابلغت فيه الشرطة عن زوجها السابق حسن , بعد ان عرفت (بمحض الصدفة) بأنه مُنضم لإحدى عصابات تبيض الأموال.. و قد حوكم بالسجن لسبع سنين .. و كم كان غاضباً وقتها , عندما وافقت المحكمة على طلاقها رُغماً عنه ..

و قد تذكّرت ايضاً تلك اللحظة .. عندما كان الشرطيان يسحبان طليقها من قاعة المحكمة , و هو يصرخ عليها امام الجميع (بوجهه المحمرّ غضباً , وعيناه اللتان تتطايران شرراً) و ينهال عليها بالشتائم متوعِداً بالإنتقام .. هذا عدا عن اخته سلمى (التي كانت هناك) و قد شاركته بالتهديد و الوعيد بوحشية (رغم شخصيتها الرقيقة !) 

و قد حاولا بالفعل طيلة السنوات السابقة و لإكثر من مرّة , ان يرسلا اليها القتلة المأجورين , لكنها دائماً ما كانت تكشفهم في آخر لحظة , و تهرب من المنزل .. و حتى الآن إستطاعت بواسطة الشرطة : أن تمسك ثلاثة منهم ! لكنها للأسف , لم تستطع اثبات بأن طليقها و أخته متورّطان في ذلك..

فندى لا يمكنها ابداً ان تنسى كيف عاشت الثلاث السنوات الماضية , و هي تراقب اجهزة المراقبة كل ليلة , لترى ان كان هناك اي قتلة يتجولون خارج او داخل منزلها ؟

 لكنها اليوم تعيش سعيدة بعد أن مرّت السنوات الأربعة الأخيرة بدون مشاكل , خاصة بعد زواجها و انتقالها لمنزل زوجها الثاني , و الذي لا يعرف طليقها عنوانه .. و مع هذا , فقد قبل زوجها (الجديد) مراعاة وسواس القلق عندها , و زرع منزله بأجهزة المراقبة بناءً على طلبها (و لأنه ايضاً كثير السفر)

و ها هي مشاعر الخوف تعود اليها , ليس فقط بسبب هذه المكالمة الخاطئة , بل لأنها تعلم بأن حسن (طليقها) قد خرج حديثاً من السجن !

 

و في هذه اللحظات , صارت ندى تستشعر بما تمرّ به المسكينة ريما …

– يا الهي ! هل تمكنت من الهرب , ام وصل إليها سعيد ؟

 

ثم أغمضت ندى عيناها , و هي تجلس على الكرسي الهزاز .. و صوت الرعد و البرق في الخارج يزيدان من رهبة الموقف !

و قلبها بدأ يزداد ضرباته , حتى إنه تهيأ لها : بأنها تسمع وقع أقدام سعيد , و هو يقترب من طليقته ريما …و صارت تتخيل المشهد بفكرها :

   – هاهو الآن يقترب منها …و يمدُّ يديه نحو رقبتها ..و يحاول ان…

   –  آي …آه !!!!!

و هنا ..أطبقت يدان ضخمتان حول رقبة ندى , و صار يضغط و يضغط الى ان فارقت الحياة !

فأدار سعيد بوجهه نحو ريما التي كانت تضحك خلفه .. واللذان بالحقيقة لم يكونا سوى حسن و اخته سلوى

فقال حسن :

– و اخيراً نجحنا في الهائها عن شاشات المراقبة !

فردت عليه سلوى :

–  قلت لك : خططي لا تفشل ابداً !!

 

وأغرقا في الضحك  

تاريخ النشر : 2015-09-27

مقالات ذات صلة

58 Comments
Inline Feedbacks
شاهد جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى