أدب الرعب والعام

الحمد الله على السلامة !

 
بقلم : ابنة الليل – المغرب

 

رهاب الطائرة

 

لون الموت يصبغ شفتيه.. الناس في القاعة الكبيرة جالسون بلا مبالاة.. بعضهم يغرس رأسه في جريدة او كتاب , و بعضهم يتمصّص عصير الليمون البارد…. 

و هو وحده يجلس جامداً بلا حركة ! و قد هربت من وجهه قطرات الدم :
-بعد قليل سأواجه مصيري المحتوم …!

هو يعرف بأنه سيموت ذات يوم ..لكن يتمنى ان يكون ذلك بعد ان يشبع من الحياة .. فهو ما زال يانعاً ! و هناك العشرات من الأبواب التي لم يطرقها بعد .. كما انه لا يريد ان يذهب في رحلة موتٍ مجانية بلا استعداد و لا مقدمات , و من غير ان يترك وصية له

بدأ جسده يرتعش حينما علا صوت المنادي , و هو يعلن للمسافرين في قاعة الإنتظار : بأن طائرة ‘البوينغ’ ستقلع بعد قليل !!

كان مرتبكاً جداً , فهو يعرف ان طائرات ‘البوينغ’ قد ضربت الرقم القياسي في الحوادث .. ثم راح يتخيّل صحف العالم تنشر بالخط العريض ((احتراق طائرة ‘البوينغ’ في رحلة رقم (..) و قد نجم عن الحادث (…) قتيل .. ))

و صار يتحامل على نفسه ليقف ..و سار خلف المسافرين مُتجهاً بارتباكٍ ظاهر نحو الباب , و منه الى الطائرة !
حيث استقبلته المضيفة بابتسامتها , التي لم تبعث في نفسه الإطمئنان ..فكلّهن يبتسمنّ هكذا بثقةٍ بلهاء ..وهو اصلاً لا يصدقهنّ :
-اعرف ان هذا سيكون كفني …

قالها في نفسه , بينما عيناه تجولان بداخل الطائرة الكبيرة… و حينما جلس في مقعده , سارعت يداه بربط الحزام الجلدي لمجرّد الإحساس ببعض الأمان ..
ثم تحرّكت شفتاه تلقائياً بالشهادتين و قراءة بعض الآيات ..

رغم انه كان يخطر على باله في هذه الأثناء بشكل لمحاتٍ سريعة , بأنها مجرد هواجسٍ و هلوسات ..و بأن الطائرة ستصل بعد خمس ساعات من غير ان يحدث لها شيء ..ومن غير ان تتسابق صحف العالم لنشر خبر سقوطها بعناوينٍ بارزة ..

و مع كل هذا , مازالت نفسه تحثّه على البكاء و توقع الموت الوشيك..

تمنّى حقاً لو عنده الشجاعة ليخرج من هذه الرحلة .. بعد ان ينصح الجميع بالمغادرة ايضاً , قبل ان يموتوا جميعاً داخل هذه الطائرة , ذات الكفن الطويل الذي يشبه القطار ..
لكن من اين ستأتيه تلك الشجاعة ؟! …

فيعود و يتأمّل وجوه باقي الركّاب الخالية تماماً من ايّ توتر ..
-كيف بالله يفعلون ذلك , و نحن سنموت بعد لحظات ؟! ….

وحين مرّت امامه مضيفة جميلة ..لاحظ وراء ابتسامتها التقليدية , شحوباً غير عادي !
-هل تراها تعرف ؟!

ثم صمت بفزع بعدما تحرّكت الطائرة , و كانت الأضواء تعلن : ((ربط الأحزمة)) .. ((ممنوع التدخين))

فأسرع يتمّتم بالشهادتين ..في حين كانت يداه تمسكان بتلك الحلوى , التي قدمتها له المضيفة مع بداية الرحلة
-قطعة حلوى , لننسى مرارة المصير..

ثم انطلقت الطائرة بسرعة .. و بعد لحظات ارتفعت عن الأرض ..
-سوف نعود للأرض بعد قليل !! سنعود بعد قليل !! …سنعود !!

اخذ يردّد ذلك بنفسه بفزع .. ثم نظر من نافذته نحو السماء , بينما الطائرة تشقّ السحب .. و عندما كانت الحلوى تذوب ببطء في فمه , كان يشعر بأن حياته ايضاً تذوب امام عينيه كتلك الحلوى ..

و هاهي الطائرة مازلت ترتفع اكثر و اكثر في السماء !… ترتفع بهدوء وبثقة !!

ثم هدأ كل شيء ! و ظهر صوت سمعه الجميع :
-معكم قائد الطائرة (…) يرحب بكم !! سنرتفع الى علو (..) الف قدم !! بسرعة تصل الى (..)

كلمات القائد اختلطت في ذهنه , بينما عيناه مازالتا مغمضتين من شدة الفزع :
-الآن سنقع !! الآن سنقع !! ..الآن ..

و تمضي اللحظات من غير ان يحدث شيء , فكل شيء كان على ما يرام ! الطائرة تسير سيراً مريحاً !!

اضواء المدينة باتت تلمع من بعيد , و كأنها جواهر نُثرت في التراب ..لكنها كانت تتوارى شيئا فشيئا حتى اختفت تماماً , و لم يعد يظهر من نافذته سوى الغيوم ..

اما هو , فكان يردّد في نفسه بغضب :
-لن اركب الطائرة بعد اليوم !! لن اركبها مهما حصل !! نعم هي تقصّر المسافات .. و تجعلنا نلفّ الدنيا بوقتٍ قصير , لكني لست مستعداً لهكذا مخاطرة .. و لن اعيدها ثانيةً !!!!

ثم نظر الى باقي الركاب , الذين كانوا مُنشغلين : امّا بسماع الموسيقى , او مشاهدة الفيلم المعروض على الشاشات الصغيرة الموجود في اعلى المقاعد امامهم .. امّا المضيفات فقد بدأنّ بالتجوال بين الركّاب لتلبية طلباتهم ..

و هنا !! شعر بشيءٍ غريب ! لقد عاودته الشجاعة بشكلٍ مفاجئ
-لما انا خائفٌ هكذا ؟! اصلاً انا لا اهاب الموت !

و كان يحاول ان يقنع نفسه : بأنه انسانٌ طبيعي كباقي الركاب .. رغم مشاعره الداخلية التي كانت تسخر من شجاعته المؤقتة .

و مضت خمس ساعات تقريباً .. كان قد تناول فيها طعام الأفطار , كما قام مرتين من مقعده ..و قرأ بعض الأخبار في الجريدة , التي كانت موضوعة في جيب المقعد امامه ..

و ظلّ هادئاً تماماً الى ان اضاء النور مجدداً , يعلن من جديد : ((ربط الأحزمة)) .. ((ممنوع التدخين))

و هنا !! عادت الرعشة تجتاح جسده …
-‘البوينغ” ستنزل بعد قليل .. يا الهي !! لقد قَرُبت النهاية ..

و صار يقرأ الشهادتين و بعض آيات القرآن ..ثم اغمض عينيه في وعدٍ منه : ان يصلي كثيرا لله حين يصل , و ان يقوم بكل انواع الخير التي لم يقم بها من قبل ..و في قلبه خفقة سريعة عامرة بالرعب .

الإهتزاز الخفيف للطائرة يهزّ جسده الرقيق , و الآيات تختلط على طرف لسانه , وعيناه مُغمضتان بقوّة..

ثم …. هدأ كل شيء !

و بعد قليل .. انتبه على يدٍ وضعت على كتفه .. ففتح عيناه بصعوبة , ليشاهد المضيفة و هي تبتسم له :
-حمداً لله على السلامة , يا سيد ..لقد وصلنا !!

لكنه لم يستطع الإجابة !

 

تاريخ النشر : 2016-02-04

مقالات ذات صلة

29 Comments
Inline Feedbacks
شاهد جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى