كشكول

السرير رقم ١

بقلم : محمد ناصر – Qatar
[email protected]

كنت اعمل مع الممرضة “ك” في قاعة الانعاش القلبي الرئوي ذلك اليوم .. “ك” كانت قد عملت في هذه الغرفة لبضعة مرات فقط حتى الان. وبعد بعض الدردشة فهمت منها ان السرير الاول Bed 1 في الغرفة له اهمية خاصة بالنسبة لها
– “لماذا؟” سالتها.. و”على اي اساس؟”

اخبرتني بانها عندما كانت في سن العاشرة تم إسعاف امها وايصالها الى قسم الطوارئ الذي نعمل فيه الآن.. كانت وضع امها الصحي مترديا جدا و ظنت “ك” انها قد تموت

– “كانت هنا. على هذا السرير. استطيع تذكر ذلك بوضوح حتى هذا اليوم وكان المستشفى وقتها معتادا على استعمال ستائر زرقاء اللون. واذكر الممرضة “ف” و الطبيب “د” اللذان كانا موجودين وقتها”

وفي حين كانت “ك” تشاهد الاطباء والممرضين يحاولون اسعاف امها .. كانت في قمة الصدمة و الرعب ، لكنها علمت فيما بعد ان هذا هو ما تريد: ان تصبح ممرضة!

“اريد ان اصبح قادرة على رعاية الناس كما كنتم تعتنون جميعا بامي ” – كانت تلك هي اللحظة الحاسمة.

تعافت امها في النهاية و تابعت “ك” مسيرتها الدراسية لتحقق هدفها في ان تصبح ممرضة. ثم عملت بعد التخرج في نفس المستشفى و في قسم الطوارئ بالذات.
لبعض الوقت كانت فكرة مجرد المرور من غرفة الانعاش القلبي في قسمنا مرعبة بالنسبة لها.. ناهيك عن فكرة انها ستعمل في هذه الغرفة
لكن لوهلة – بعد ان أصبحت أكثر خبرة و ثقة – قررت ان تتلقى الدورات اللازمة لتتخصص في الانعاش القلبي الرئوي

– “في اليوم التالي.. عندما بدأت اول ايام عملي هنا.. وعندما اعتنيت باول مريض لي هنا.. على هذا السرير بالذات.. كانت تلك تجربة عاطفية مريرة بالنسبة لي.. احسست كانني اجني ثمار شيء ما فعلته في السابق”

– “فهمت” قلت لها .. وكان شعر رأسي قد انتصب من القشعريرة والتأثر

الممرضة “ك” و أنا وقفنا بجوار السرير الاول الفارغ و صمتنا لفترة طويلة ، ظنت انها تجني ثمار شيء ما فعلته في السابق ، لكن في الحقيقة ما كانت تفعله هو انها كانت تعطي كل
ما تقدر عليه

بعد ايام من نشر القصة السابقة تلقيتُ الرسالة التالية:

اردت فقط ان اقول شكرا جزيلا لك على نشرك قصة الممرضة “ك” و حكايتها مع السرير الاول ، كان مقالا مؤثرا وقويا بعض الشيء بالنسبة لي.. لان السرير رقم 1 هو جزء من قصة مهمة جدا في حياتي انا ايضا (لكن في مستشفى مختلف)

قبل عام و نصف تم نقل اخي الى غرفة الانعاش – سرير رقم 1 .. اسعفه الطبيب “ك” و الممرض “س” بمعاونة اخرين. كانت امي موجودة و انبهرت بالمجهود الذي بذله كل من الطبيب “ك” و الممرض “س”.

بعد اشهر قليلة انهارت امي امام عيني ثم توقف قلبها في سيارة الاسعاف .. شاركت انا في عمل الانعاش CPR لها قبل وصولها الى المستشفى. وصلنا الى المستشفى انا و ابي بعد ان لحق بسيارة الاسعاف في منتصف الليل حتى وصلنا المستشفى. كنا مصدومين لما حدث و ننتظر ان يخبرنا احد ما باننا ذهبنا للمستشفى كي يخبرونا بان امي لم تعد على قيد الحياة
بعد التاكد من النتيجة دخل الطبيب قاعة الانتظار – كان الطبيب “ك” – و اخبرنا الخبر

دخلت غرفة الانعاش القلبي الرئوي و رأيت امي ممددة على سرير رقم 1. الممرض “س” كانت ينتظرني هناك. بصدق .. لا يمكنني ان اعبر عن كمية امتناني له لوقوفه امامي و اجابته على كل اسئلتي في حين كنت ارى امي لاول مرة بعد موتها و فشل الانعاش القلبي الرئوي الذي عمل لها

كنت طالبا في كلية الطب في ذلك الوقت و شعرت بالذنب حول الامر برمته و عشرات من الـ “ماذا لو…؟” التي تحيط بالموقف.

في نهاية السنة الاخيرة من دراستي كان نصيبي ان اعمل في قسم الطوارئ بنفس المستشفى. لم اكن قادرا على المرور بقرب غرفة الانعاش القلبي الرئوي طوال السنة وكان من المرعب ان اجبر على الدخول اليها.

في احد الايام وصل مريض ما الى قسم الطوارئ عبر خدمة  Southcare (الاسعاف بواسطة الهليكوبتر في استراليا) و شجعني احد الممرضين انا و طالب طب ثان على المشاركة بالانعاش القلبي الرئوي له. تناولنا المعدات اللازمة و بدانا. كانت تلك المرة الاولى التي ادخل فيها الى غرفة الانعاش القلبي الرئوي منذ تلك الليلة الرهيبة (التي توفيت فيها امي) . و تم وضع المريض على سرير رقم 1 !

انا ممتن لهذه الفرصة لانني استطعت تقديم المساعدة لشخص ما في المكان الذي كان جزءا من ذكرياتي الاليمة. مع ان كل ما فعلته هو استعمال مضخة يدوية لتسريع ضخ السوائل الوريدية في اوردة المريض وانا واقف قرب رأس السرير.

انه لمن المدهش كم من احداث الحياة المتغيرة – السيء منها و الحسن – حدثت على كل سرير في هذه المستشفى. و انا سعيد لقراءتي قصة الممرضة “ك” عن “السرير رقم 1” التي غيرت حياتها

* قصة حقيقية مترجمة

مقالات ذات صلة

3 Comments
Inline Feedbacks
شاهد جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى